يستعرض هذا المقال ، إرث المطبخ الأردني العريق من خلال توثيق أدواته التراثية ومصطلحاته الشعبية وفنونه المرتبطة بتحضير وتناول الطعام كجزء من الهوية الوطنية .
ذاكرة النكهة : المصطلحات الشعبية في الطبخ والأكل بين عراقة الأمس وحفظ الذاكرة
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
المطبخ الأردني كإرث ثقافي
يختزن المطبخ الأردني في تفاصيلِه اليومية وأطباقِه العريقة إرثاً غنياً من المفردات التي تشكل جوهر هويتنا الثقافية ، إن المصطلحات الشعبية في الطبخ والأكل ليست مجرد ألفاظ عابرة ، بل هي لغة حية تعبر عن تفاصيل حياتنا ، وطقوس ضيافتنا ، ودفء علاقاتنا العائلية التي تمتد من شمال المملكة إلى جنوبها ، لتبقى مرآة صادقة لحضارة المكان وعراقة الإنسان .
أدوات المطبخ التراثية : رحلة في الذاكرة والأصالة
تتطلب الأطباق الشعبية طقوساً دقيقة تعتمد على أدوات استمدها الأجداد من رحم البيئة المحلية والذاكرة العربية المشتركة ، حيث يتربع ( الطابون ) المصنوع من الطين والحجارة كمركز للخبز ، إلى جانب ( الصاج ) الذي يُستخدم لتخبئة خبز الشراك الرقيق ، كما تبرز في المطبخ الأردني ( القِدر ) النحاسية الكبيرة التي كانت تُستخدم لطبخ الطعام في المناسبات الكبيرة ، و ( الطنجرة ) ( الطاسة ) المصنوعة من النحاس أو غيره للطهي اليومي .
ومن أدوات المطبخ الأصيلة أيضاً ( الطشطوش ) ، وهو إناء فخاري يُصنع من تراب الصلصال ويُحرق بالنار ، كانت ربة البيت تطبخ فيه طعاماً صحياً لا يتفاعل مع المواد ، وإلى جانب ذلك ، توثق مقتنيات ألبوم الأدوات التراثية القديمة قائمة غنية تشمل ( المِهراس ) أو ( الهاون ) الحجري لطحن الحبوب والقهوة ، و ( المحفارة ) لحفر المحاشي ، و ( البكرج ) لإعداد القهوة والشاي ، و ( الطباقة ) و ( الصواني المصنوعة من القش ) لتغطية الخبز أو الطعام ، و ( الكوز ) الفخاري الذي يمنح الماء برودة طبيعية ، و ( السحلة ) ( الحماميّه ) النحاسية أو المصنوعة من الألمنيوم لوضع اللبن ، بالإضافة إلى ( الكوارة ) لتخزين الحبوب ، وأدوات العجن وحفظ المؤونة . هذه الأدوات لا تقتصر قيمتها على وظيفتها المحلية فحسب ، بل تشبه في قيمتها العاطفية والوظيفية ما يعرضه ( الجانب المشرق ) من أدوات مطبخ عتيقة عالمياً ، كالموازين القديمة ومواقد الحديد الزهر ، التي ظلت تعمل لعقود ، مما يعكس أصالة البيت الأردني والعربي في الحفاظ على أدواته التي صُنعت لتدوم .
معجم فنون الطهي : مصطلحات العمليات اليدوية
في مسار تحضير الطعام الذي يبدأ تجهيزه خطوة بخطوة بعد توفير أدواته ، تتجلى براعة المهنة في معجمنا الشعبي الذي يصف أدق العمليات ، فـ ( المرس ) هو دعك الجميد لاستخراج خلاصته ، و ( الدرم ) يشير إلى نضوج الطبخة وتنشيف مائها ، و ( الفغم ) يعني التقطيع الخشن للفواكه والخضار ، بينما يُعد ( الرصيع ) ممارسة حجرية لتهشيم الزيتون الأخضر ، كما تتنوع العمليات اليدوية بين ( تقميع ) البامية ، و ( خرط ) الملوخية ، و ( جرش ) البرغل ، و ( تطقيش ) اللحوم ، و ( تمريس ) قمر الدين ، و ( تلقيم ) الشاي ، و ( دعك ) الكبة النية ، وهي مصطلحات تعكس علاقة مباشرة وحميمة بين الإنسان ومكونات مائدته .
مائدة الألفة : الأطباق الخالدة وطقوس التجمع
ولا تكتمل المائدة الأردنية بعد اكتمال مرحلة التحضير والعمليات اليدوية دون أطباقها الخالدة التي وثقتها المنصات الثقافية والصحفية ، إذ يجمع المطبخ أفراد العائلة على الخير والبركة ، فالمنسف يتصدر المشهد بجميده الفاخر ، وتأتي المقلوبة والراشوف ( المكون من الحمص والعدس والجريش المسلوق ولبن الجميد واللوف ) ، والمكمورة ( طبقات العجين بالبصل وزيت الزيتون والدجاج ) ، والمجللة ( الخبز البلدي المضاف إليه اللبن المريس والسمن البلدي ) ، إلى جانب الأكلات الشعبية الأصيلة المتنوعة في مختلف المحافظات كالمفروكة والعدسية وغيرها من أطباق التراث .
أما ثقافة الأكل التي تعقب عملية الطهي والتقديم والمشاركة على مائدة الألفة ، فقد أفرزت تعبيرات دقيقة تصف حالاتنا المختلفة ، مثل ( الجغم ) لشرب السوائل دفعة واحدة ، و ( الطرقوع ) أو ( الزنقعة ) لوصف أصوات الشرب من الأواني الفخارية ، و ( الكرع ) للشرب بالفم مباشرة ، و ( اللهط ) للسرعة في تناول الطعام ، وما زال ( الغماس ) بالأيدي بلا معالق يمثل جوهر البساطة والتعاون ، بينما تعكس أمثالنا الشعبية مثل ( الحار بشلقط ) و ( الحلو بنطنط ) تفاعل حواسنا مع المذاق ، وتظل مناسبات مثل ( القِريّة ) و ( الصباحية ) مظاهر اجتماعية تعزز أواصر التواصل بين أفراد المجتمع .
صون الذاكرة الوطنية
إن توثيق المصطلحات الشعبية في الطبخ والأكل هو في نهاية المطاف صون لذاكرة وطنية حية تنبض بأصالة الأجداد ، إننا حين نوثق هذه المفردات والأدوات والأطباق والطقوس المتسلسلة ، فإننا لا نحفظ مجرد كلمات ، بل نحمي جزءاً من جوهرنا الثقافي العربي المشترك الذي سيتوارثه أبناؤنا بكل فخر واعتزاز ، إن هذه الأدوات والممارسات ليست مجرد جمادات ، بل هي شواهد على نمط حياة كان يقدس العمل اليدوي ، ويحترم الموارد ، ويحتفي بمشاركة الطعام كفعل اجتماعي أساسي ، فكل أداة تحمل في طياتها حكاية ، وكل مصطلح يحمل في حروفه تجربة تراكمت عبر السنين لتشكل هذا التراث الذي نفتخر به ، ونعمل على نقله للأجيال القادمة ليبقى جسراً يربط الحاضر بأصالة الماضي .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع
- 1 ) منصة تاريخ الأردن ( ألبوم الأدوات والمقتنيات القديمة ) : اضغط هنا .
- 2 ) الجانب المشرق ( 21 أداة مطبخ قديمة الطراز لم ترضخ لبطش الزمان ) : اضغط هنا .
- 3 ) الترا صوت ( مقالات وتقارير تراثية حول الأكلات الأردنية الشعبية القديمة ) : اضغط هنا .
- 4 ) موسوعة التراث والمأثورات الشعبية ( مدخل أدوات مطبخ قديمة ) : اضغط هنا .
- 5 ) مدونة التراث والأدوات المنزلية ( الأدوات والأواني المنزلية المشتركة ) : اضغط هنا .
- 6 ) مديرية التراث - وزارة الثقافة الأردنية ( الأدوات التراثية في عجلون ) : اضغط هنا .
- 7 ) هيئة تنشيط السياحة الأردنية ( جولة في تراث المطبخ الأردني ) : اضغط هنا .
- 8 ) موقع التراث الثقافي الأردني غير المادي : اضغط هنا .
- 9 ) منصة الكويت للماضي ( دراسات مقارنة في الأدوات والمصطلحات ) : اضغط هنا .
- 10 ) صفحة الأستاذ نبيل عماري على الفيسبوك .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.