يُوثِّق هذا المقال جانبًا أصيلًا من ملامح التراث العمراني والاجتماعي في البيوت الأردنية القديمة ، مستعرضًا فنون طلاء وتزيين الجدران بمادتي الشيد والكلس وما تحملهما الذاكرة من دفء وجماليات .
تراث عريق في البيوت الأردنية : رحلة مع طلاء المنازل قديماً بالشيد والكلس
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تُمثِّل العمارة التقليدية في القرى والمدن الأردنية سجلًا حيًّا لذاكرة المكان ، إذ تنطق تفاصيلها بحكايات الآباء والأجداد وعبق حياتهم اليومية البسيطة والمتماسكة ، وفي هذا السياق ، تُعد أعمال طلاء وتبييض جدران المنازل قديماً باستخدام " الشيد " أو " الكلس " محطة بارزة من محطات التراث الشعبي وحرفة تقليدية من أقدم وأكثرها استدامة في عالم البناء والترميم . ولم تكن هذه الأعمال مجرد عملية صيانة دورية روتينية ، بل كانت طقسًا اجتماعيًّا واحتفالًا سنويًّا يرتبط بمواسم محددة ؛ إذ كان أهالي الريف يحرصون على تبييض منازلهم مع انقضاء فصل الشتاء واستقبال فصل الصيف ، وذلك لتنظيف الجدران وتخليصها مما خلفته المواقد ووسائل التدفئة التقليدية وفوانيس الكاز من آثار الدخان والاسوداد المعروف في العامية بـ " السناج " أو " الشحار " أو " الشحبار " ، فضلاً عما تتركه أبخرة الطبخ المتصاعدة طوال الشتاء من رطوبة وتراكمات تؤثر على صفاء الجدران ، ليأتي هذا الطلاء إيذاناً بطرد آثار الشتاء وإعادة البهاء والنقاء للمكان . ولم يقتصر التبييض على المواسم فحسب ، بل كان يسبق أيضاً المناسبات السعيدة والأفراح المخطط لها ، حيث يقوم أصحاب البيت بتبييض جدرانه ابتهاجا وتأهباً لاستقبال المهنئين ، وحتى تظهر المنازل بأبهى وأجمل صورة تليق بهجة المناسبة ، إذ لم يكن أهل القرى والمدن يستعملون الدهان المستعمل في هذه الأيام لطراشة بيوتهم ، بل كانوا يعتمدون كلياً على الكلس .
مفاهيم ومواد البناء التقليدي : بين الشيد والكلس ومصادرهما في بلدة حوارة :
إن المتأمل في تاريخ الفنون العمرانية الشعبية يلحظ دقة المواد المستخدمة وعفويتها المستمدة من البيئة الطبيعية المجاورة ، حيث اعتمُد على مواد أولية متوفرة لتحقيق النظافة والحماية للجدران الطينية والحجرية . وفي بلدة " حوارة " الأبيّة ، التي استمدت اسمها العريق من طبيعة أرضها الغنية بـ " الحجر الحوّر الكلسي " المنتشر بكثرة في مختلف أرجائها وتضاريسها ، كان الأهالي يعتمدون بشكل أساسي على مصادرهم المحلية ، إذ كانوا يلجؤون تحديداً إلى المناطق الواقعة في شرق حوارة ، ولا سيما منطقة " ظهر المغر " التي تمتاز بتوفر الحجر الجيري الكلسي النقي .
ولم تقتصر الجهود على جلب الأحجار فحسب ، بل كان الأجداد يستخرجونها من تلك المقالع الطبيعية ، ثم يخضعونها لعمليات تكسير وطحن دقيقة لتحويلها إلى تراب كلسي ناعم شبيه بالرمل ، ليصار بعد ذلك إلى خلطه ببعض المواد اللازمة ليصبح جاهزاً لعملية الطلاء والتبييض . وإلى جانب ذلك ، تبرز بصمات صناعة الكلس التقليدية التي تميزت ببراعة فريدة ، إذ كان يتم قطع أحجار كلسية من الجبال ويحملونها على ظهور الدواب ، فيحفرون حفرة في الأرض بحجم غرفة صغيرة وتبنى على شكل قبو بعمق حوالي متر ونصف ويفتحون فتحة صغيرة من الأسفل ويوضع " البلان والحطب والقش " داخل هذه الغرفة التي تُسمى " التون " ( الأتون ) . وتوقد النيران داخل التون ثلاثة أيام متواصلة في الليل والنهار ، وبعد أن تخمد ، كانت تحتاج إلى حوالي أسبوع حتى تخمد نهائياً ، وعندها تصبح الحجارة كلساً ، حيث كان يستعمل جزء من هذا الكلس لطراشة البيوت والجزء الآخر يباع .
وتعتمد هذه التقنية المتكاملة على عنصرين أساسيين يُخلطان بالماء بنسب معينة لضمان دقة العمل :
1 ) الكلس ( الجير المطفأ ) : هو المادة الأساسية والرابطة في عملية الطراشة ، ويتميز بخصائصه المطهّرة وقدرته العالية على مقاومة العفن والرطوبة .
2 ) الشيد ( الجبس أو بودرة الرخام الناعمة ) : يضاف كمادة ملء وتدعيم لمنح الطلاء قواماً متماسكاً ، وتقليل الشقوق الدقيقة أثناء الجفاف ، وإعطاء السطح ملمساً ناعماً وبياضاً ناصعاً .
إضاءة تحليلية متعمقة :
لا يُنظر إلى استخدام الكلس والشيد قديماً من زاوية التزيين البصري فحسب ، بل يمثل تعبيرًا عن هندسة بيئية فطرية متقدمة ، فاللون الأبيض الناصع لم يكن اختيارًا جماليًا عشوائيًا ، بل جاء ليعكس أشعة الشمس الحارقة صيفًا ويحافظ على برودة المساكن الداخلية ، فضلاً عن خصائص الكلس المطهرة التي تسهم في تطهير الجدران والقضاء على الحشرات والروائح ، مما يعكس وعيًا عميقًا بالصحة العامة والسلامة المنزلية لدى أجدادنا .
خطوات العمل والتحضير الميداني : أسرار الصنعة والتخمير :
تتطلب عملية تحضير الطراشة مهارة فائقة وخبرة متراكمة تتناقلها الأجيال عبر مراحل يدوية دقيقة تتطلب صبراً وحرفية عالية تترجمها الخطوات الآتية :
1 ) تحضير وتنظيف الجدران : تُنظيف الجدران القديمة جيداً من الأتربة والطبقات المتآكلة ، ثم يُرش الجدار بالماء بغزارة قبل البدء لضمان عدم امتصاص الجدار الجاف للماء الموجود في الخلطة سريعاً ومنع تشققها .
2 ) تخمير الكلس والشيد : ولطراشة البيت بهذه الطريقة التراثية العريقة ، كان يوضع الكلس داخل برميل فيه ماء ، وكان يحتاج إلى يوم كامل حتى تنطفئ الكلس داخل البرميل ، وبعدها يُحرّك ما في البرميل ويوضع معه زيت زيتون وملح لزيادة التماسك والتثبيت ، ويُضاف الشيد بنسب مدروسة للوصول إلى قوام يشبه اللبن الكثيف أو الكريم .
3 ) التطبيق والطلاء : يُطرش البيت بهذا المزيج المتجانس باستخدام فرشاة عريضة وخشنة لتوزيع الطلاء على شكل طبقات رقيقة متتالية ( وجه أول ووجه ثانٍ ) ، مع ترك وقت كافٍ لكل طبقة حتى تجف وتمتص ثاني أكسيد الكربون من الهواء لكي تتصلب وتحول المادة مجدداً إلى صخر جيري متماسك .
قراءة فنية وحرفية :
تشير هذه العمليات التحضيرية المتقنة إلى إدراك عميق لخصائص المادة ، فالشيد الناضج جيد التخمير والمضاف إليه لمسات الزيت والملح يتميز بقدرة فائقة على الالتصاق والتحمل لفترات طويلة دون أن يتساقط أو يتأثر بالعوامل الجوية القاسية ، وهو ما يفسر بقاء آثار التبييض واضحة على جدران بعض البيوت التراثية المعمرة حتى يومنا هذا .
الطقوس الاجتماعية والبهجة الموسمية :
لم تكن عملية دهان المنازل بالشيد عملًا فرديًا جافًا ومجرد جهد عضلي ، بل تحولت في المجتمع الريفي قديماً ، وتحديداً في شمال الأردن ، إلى لوحة ناطقة بأروع صور التآلف الاجتماعي وتقديم الخدمات المتبادلة فيما عرف اصطلاحاً بـ " المعونة " أو " الفزعة " ، إذ يبرز التكاتف الأصيل عندما يتداعى أهل القرية ومعظم جيرانهم لمؤازرة صاحب البيت ومشاركته في أعمال التحضير وخلط الكلس وتوزيع الطلاء بمهارة عالية على الجدران الداخلية والخارجية لضمان إنجاز العمل بأسرع وقت ممكن وبأفضل صورة . وغالبًا ما كانت نسوة الحي يشاركن في اللمسات الأخيرة ، لتغدو حوائط المنازل بيضاء ناصعة تسر الناظرين وتضفي شعورًا بالاتساع والنقاء يغمر الأرجاء .
قراءة تحليلية تنظيمية واجتماعية :
إن طقوس تبييض المنازل بالكلس والشيد قبل الأعياد الدينية والوطنية أو قبيل مواسم الحصاد والزواج تعكس تماسك النسيج المجتمعي ، حيث تشير هذه الممارسات إلى ترابط الأسرة والحي في ورشة عمل جماعية تعزز روح الانتماء والمحبة ، كما تبرز الاعتماد على الذات وثقافة الاكتفاء الذاتي من موارد البيئة المحلية دون تكلف أو إسراف .
بصمات الجمال والمميزات البيئية :
رغم بساطة الأدوات وقلة الإمكانات المتاحة في ذلك الزمن الجميل ، إلا أن الأيدي الماهرة أبدعت في إضفاء مسحات جمالية مميزة على جدران البيوت ، كإضافة بعض الصبغات الطبيعية الملونة أحيانًا لتحديد إطار النوافذ والأبواب أو رسم أشكال هندسية بسيطة تضفي دفئًا وألفة على المكان . وقد جاء هذا الاختيار انعكاساً لمزايا فيزيائية وصحية فريدة تتجلى في النقاط الآتية :
1 ) تنفس الجدران ( النفاذية ) : تتيح الطراشة بالكلس للجدران "التنفس" بخروج الرطوبة المحتبسة دون تقشر الطلاء ، بخلاف الدهانات البلاستيكية الحديثة المعزولة تماماً .
2 ) مقاومة العفن والبكتيريا : بفضل طبيعة الكلس القلوية للغاية ، تُمنع تماماً الفطريات والبكتيريا ، مما يخلق بيئة منزلية صحية ونقية .
3 ) عزل حراري طبيعي : يعكس اللون الأبيض الناصع أشعة الشمس ، مما يحافظ على برودة المنزل صيفاً واعتداله شتاءً .
4 ) صديقة للبيئة وخالية من السموم : تخلو تماماً من المركبات العضوية المتطايرة أو المواد الكيميائية الضارة ، لتكون آمنة صحياً على الجهاز التنفسي .
التحديات والعودة الحديثة :
ورغم مميزاتها الجمة ، تراجعت الطراشة التقليدية مع ظهور الدهانات الحديثة الجاهزة نظراً لاحتياج الكلس إلى وقت أطول للجفاف واحتمالية ترك أثر أبيض عند لمسه والمعروف بـ ( التجيير ) إن لم يُحضر ويثبت بالشكل الصحيح . ومع ذلك ، تشهد العمارة المستدامة وحركة ترميم المباني الأثرية اليوم نهضة قوية للدهانات الجيرية وطراشة الكلس ، فقد أدرك المعماريون أن استخدام الدهانات الحديثة فوق المباني الطينية أو الحجرية القديمة يؤدي إلى حبس الرطوبة وتدمير الجدران ، بينما تعيد الطراشة بالشيد والكلس للمبنى القديم روحه وقدرته الطبيعية على البقاء ومقاومة الزمن .
واخيراً ، إن استذكار فنون طلاء المنازل قديماً بالشيد والكلس يتجاوز حدود التوثيق المادي العابر ، ليغدو وفاءً لذاكرة الوطن وبناة الأجيال الأوائل الذين صنعوا الجمال من رحم البساطة والقحط ، فبقيت بيوتهم الطينية والحجرية وشوارع قراهم الناصعة شهادات حيّة على نقاء القلوب وعراقة الانتماء للأرض والإنسان .


قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) مرويات الذاكرة الشعبية والتاريخ الشفوي حول العمارة التقليدية ومواد البناء وطريقة عمل الأتون في الريف الأردني ومنطقة حوارة .
- 2 ) دراسات التراث الشعبي الأردني وأنماط الحياة الاجتماعية في قرى الإمارة والقرن العشرين .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.