يُمثِّل البيت الريفي التقليدي في شمال الأردن وحدة إنتاجية ومعيشية متكاملة تواجه قسوة الطبيعة وتعكس أصالة التراث الاجتماعي والتكافل المجتمعي للأجداد .

ملامح العمارة الشعبية : مواصفات وشكل البيت الريفي القديم في شمال الأردن

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​يُمثِّل البيت الريفي الأردني القديم في قرى وأرياف شمال الأردن مرآة ناطقة للهوية الثقافية والاجتماعية ، وسجلاً حياً لذاكرة المكان قبل دخول الإسمنت والحديد . لقد تجاوز هذا المسكن كونه مجرد جدران تؤوي السكان ، ليشكل وحدة إنتاجية ومعيشية متكاملة تتناغم بحكمة تامة مع تقلبات الطقس وقسوة الشتاء وتلبي احتياجات العائلة الفلاحية .

أولاً : التصميم الخارجي والهيكل الإنشائي  :

​تميزت العمارة الريفية بانسجامها التام مع تضاريس الأرض واعتمادها المطلق على موارد البيئة المحلية المستمدة من الطبيعة المجاورة :

​1   )  الهيكل الصخري والجدران السميكة  : كان البيت يُبنى على شكل مستطيل أو مربع من الحجارة الغشيمة ( غير المصقولة ) أو شبه المصقولة التي تُجمع من الأراضي المجاورة . وتُربط الفراغات بينها بـ " الملاط " وهو طين مخلوط بالتبن لزيادة التماسك وعزل الحرارة والبرودة ، حيث تلعب هذه الجدران السميكة دور العازل الطبيعي لتجعل البيت دافئاً شتاءً وبارداً في الصيف .

2   )  الأسقف الخشبية والطينية  : لعدم توفر الخرسانة قديماً ، اعتمد الأجداد في تسقيف بيوتهم على جذوع الأشجار المحلية القوية ( كالبلوط والبطم والكينا ) التي تُعرف بـ " الزراجين " أو " الخشاب " ، وتُصف فوقها فروع الأشجار الكثيفة وأشتال البلان والقصيب . ثم يُفرش فوقها طبقة سميكة من الطين المخلوط بالقش ، وتُرص وتنضغط بدقة بالغة باستخدام أسطوانة حجرية ثقيلة تُسمى " والمحدلة " أو " الدّكّاك " لمنع تسرب مياه الأمطار .

3   )  الساحة الخارجية ( الحوش )  : فناء مكشوف يحيط بالبيت أو يقع بين غرفه ، ويُعد فضاءً حيوياً تتركز فيه الأنشطة اليومية ، كدرس الحبوب ، وطهي الطعام ، والخبز ، وتجمع العائلة والأقارب صيفاً في أجواء من الألفة .

4   )  النوافذ والأبواب  : اتسمت النوافذ بصغر حجمها وقله عددها للحفاظ على درجات الحرارة الداخلية وحماية المسكن ، بينما كانت الأبواب خشبية سميكة وقصيرة الارتفاع نسبياً ومحكمة البناء .

ثانياً : التقسيم الداخلي والمواصفات المعمارية  :

​لم يكن البيت الريفي القديم يتكون من غرف كثيرة بمعايير اليوم ، بل غلب عليه تنظيم دقيق ومفتوح يقسم المساحة الداخلية بذكاء لتؤدي غايات متعددة :

​1   )  قاع البيت  : القسم السفلي من الغرفة الرئيسية والقريب من المدخل ، والذي كان يُخصص قديماً لوضع الأدوات الزراعية أو مبيت الدواب والأنعام ( خاصة في الشتاء ) لحمايتها وتوفير التدفئة المتبادلة .

2   )  المصطبة  : أرضية مرتفعة نسبياً عن " قاع البيت " بنحو نصف متر ، وتمثل المساحة المخصصة لمعيشة الأسرة ، ونومها ، وتناول طعامها ، واستقبال ضيوفها .

3   )  النقرة ( الموقد أو الكانون )  : تجويف أو حفرة في وسط المصطبة يُشعل فيه الحطب أو الجمر لأغراض التدفئة ، والطهي ، وإعداد القهوة العربية السادة .

4   )  الكواير ( مخازن المؤن )  : خزانات أسطوانية أو مربعة مبنية من الطين والتبن تلتصق بجدران البيت الداخلية ، وتُخصص لتخزين الحبوب الاستراتيجية كالقمح والشعير والعدس لمواسم الشح والجفاف .

ثالثاً : المرافق الخارجية والبيئة الزراعية الملحقة  :

​امتدت فضاءات البيت الريفي في شمال الأردن لتخدم العجلة الاقتصادية والإنتاجية للعائلة الفلاحية ، وتضم :

​1   )  حظيرة الماشية والطيور  : مساحة ملحقة لإيواء الأغنام والماعز والأبقار ، وبعض الطيور المنزلية كالدجاج والحمام .

2   )  ركن الطابون أو الصاج  : مخصص لخبز الطابون التقليدي أو إعداد رغاق الصاج على حطب الطبيعة .

3   )  الحاكورة  : قطعة الأرض أو البستان المحيط بالمسكن والذي يُخصص لزراعة الخضار والمحاصيل البعلية لتوفير الاكتفاء الذاتي للأسرة .

رابعاً : الأثاث والمتاع الداخلي  :

​عكست محتويات البيت الريفي الأصالة والاعتماد على الصناعات اليدوية المنزلية والمشغولات المصنوعة من صوف الطبيعة :

​1   )  البسط والمفارش  : منسوجات يدوية متقنة من صوف الأغنام وشعر الماعز الطبيعي ، ويغلب عليها الألوان الدافئة المستوحاة من البيئة كاللونين الأحمر والأزرق .

2   )  القطيفة  : سجادة صغيرة مصنوعة يدوياً من الصوف الطبيعي ، تتوسط غرفة الضيوف أو صدر المصطبة كعلامة بارزة على الحفاوة والترحيب بالزائرين .

3   )  الأدوات والمقتنيات التراثية  : يزدان البيت بأدوات عريقة لا غنى عنها ، مثل " القنديل " للإنارة ، " طبق القش " الملون ، " الصاج " ، " الرحى " اليدوية لطحن الحبوب ، و " المهباش " لدق القهوة العربية الأصيلة .

خامساً : مظاهر التكافل المجتمعي وعمارة الجاور  :

​لم تقتصر العمارة الشعبية في قرى شمال الأردن على البناء المادي فحسب ، بل امتدت لتجسد منظومة قيّمة من العلاقات الاجتماعية المتبادسة والروابط الإنسانية :

​1   )  عونة البناء ( الفزعـة )  : تقليد اجتماعي متأصل يتمثل في هبة أهالي القرية والأقارب لمساعدة صاحب البيت الجديد في جمع الحجارة ، ونقل الطين ، ورفع الأسقف ، وتأمين المتطلبات دون أجر مادي ، تعبيراً عن التضامن والتكافل .

2   )  حق الجار ( الجِوار )  : التزام اجتماعي صارم بحماية الجار ومشاركة أفراحه وأتراحه ، حيث كانت بيوت القرية متلاصقة أو متقاربة تشترك في الفضاءات والممرات ، مما يعزز روح الجماعة والترابط الأسري والمجتمعي .

​يظل البيت الريفي في شمال الأردن شاهداً حياً على عبقرية الإنسان الأردني وقدرته على تطويع عناصر الطبيعة لبناء مسكن مستدام وآمن . لقد تجسدت في هذه البيوت أسمى مهارات العمارة التقليدية ووحدات التكافل الاجتماعي ، لتظل ذاكرة الأجيال تنبض بروح الأصالة والانتماء العميق لأرض شمال الأردن الطيبة وأهلها الأوائل .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع  :
  2. ​1   )  مرويات الذاكرة الشعبية والتاريخ الشفوي حول العمارة التقليدية ومواصفات البيوت الريفية في قرى شمال الأردن .
  3. 2   )  مدونات التراث المعماري والدراسات الميدانية حول أنماط الحياة الاجتماعية والعمرانية في القرى الأردنية .
  4. 3   )  مدونة الأستاذ قيصر صالح الغرايبه المتخصصة في التاريخ الاجتماعي والتراث الأردني .