يشكل اليوم العالمي لمحو الأمية محطة سنوية لتقييم الجهود الدولية والمحلية ، بينما يُعتبر الأردن قصة نجاح بارزة في تقليص نسب الأمية بفضل الرؤية الوطنية والتشريعات المستمرة .

نور المعرفة وسراج العقول : وقفة مع اليوم العالمي لمحو الأمية :

​بقلم : قيصر صالح الغرايبه

​يُحتفل باليوم الدولي لمحو الأمية في الثامن من أيلول من كل عام لتسليط الضوء على أهمية القراءة والكتابة كحق أساسي من حقوق الإنسان ، وهو محطة سنوية بالغة الأهمية لتقييم الجهود الدولية والمحلية المبذولة لاجتثاث جذور الجهل وبناء مجتمعات واعية قادرة على النهوض والتطور . إن الأمية ، التي يُراد بها تقليدياً القدرة على القراءة والكتابة والتي توسع معناها ليشمل أيضاً القدرة على استخدام اللغات والأرقام والصور والوسائل الرقمية الحديثة للفهم والتعامل ، لم تعد مجرد عجز تقليدي فحسب ، بل هي حاجز منيع يعيق طاقات الإنسان ويحد من قدرته على الاندماج الفاعل في مسيرة التنمية المستدامة .

​أولاً : النشأة والتاريخ وأهداف المناسبة :

​تعود جذور هذا الاحتفال العالمي إلى إعلان منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ( اليونسكو ) في عام 1965 م ، ليكون الاحتفال الأول في عام 1966 م بهدف زيادة الوعي بأهمية العلم وتسليط الضوء على المكتسبات والتقدم المحرز في تحقيق معدلات محو أمية أعلى عالمياً . وتتجسد أبرز أهداف اليوم العالمي لمحو الأمية فيما يأتي :

​1 ) تذكير العالم : إبراز أهمية التعليم لكل فرد كحق أصيل لا غنى عنه للكرامة الإنسانية .

2 ) بناء المجتمعات : مساعدة الناس على العيش بسلام وعدالة وتنمية قدراتهم الكامنة لبناء مجتمعات أكثر استدامة .

3 ) دعم الحقوق : تمكين الإنسان من معرفة حقوقه وواجباته والمشاركة بفاعلية في مسيرة التنمية الشاملة .

​ثانياً : أرقام وتحديات عالمية وإقليمية :

​لا تزال مسيرة محو الأمية تواجه عقبات جسيمة وواقعاً مقلقاً على الصعيد العالمي والمحلي تتطلب تضافر كافة الجهود :

​1 ) الأرقام العالمية : تشير البيانات إلى وجود نحو ( 773 ) مليون بالغ حول العالم لا يجيدون القراءة والكتابة ، مما يفرض تحديات هيكلية أمام العدالة الاجتماعية والتمكين الاقتصادي .

2 ) الواقع الإقليمي : يبرز هذا التحدي بوضوح في العديد من الدول العربية ، حيث يُقدَّر عدد الأميين في العراق - على سبيل المثال - بنحو ( 11 ) مليون شخص ، مما يستدعي خططاً وطنية استثنائية لاجتثاث هذه الظاهرة .

3 ) الأطفال خارج المدرسة : لا يزال عدد كبير من الأطفال المحرومين من الفرص التعليمية العادلة خارج المدارس النظامية ، محرومين من تعلم المهارات الأولى للتعليم التي تشكل أساس مستقبلهم .

​ثالثاً : الأردن .. قصة نجاح وطنية في محاربة الأمية :

​يشكل ملف محاربة الأمية في الأردن قصة نجاح وطنية بارزة تعكس اهتمام الدولة المبكر بالتعليم باعتباره الركيزة الأساسية للتنمية البشرية والاجتماعية . لقد مر قطاع التعليم ومعدلات محو الأمية بمحطات تاريخية هامة منذ تأسيس إمارة شرق الأردن وحتى يومنا هذا :

​مراحل تطور نسب الأمية في الأردن :

​1 ) مرحلة التأسيس وبدايات الإمارة ( عشرينيات القرن العشرين ) :

​الواقع التعليمي : مع تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921 م ، كان الواقع التعليمي متواضعاً للغاية ؛ حيث اقتصرت المدارس على عدد محدود جداً من الكتاتيب والمدارس الابتدائية البسيطة في المدن الرئيسية ( مثل إربد ، والسلط ، والكرك ، وعمان ) .

​نسبة الأمية : قدرت نسبة الأمية في تلك الفترة ببداية الدولة بنحو تزيد عن ( 85 % ) إلى ( 90 % ) بين عامة السكان ، نظراً لغلبة الطابع البدوي والريفي وانتشار الفقر وشح الموارد .

​2 ) مرحلة التوسع التعليمي التدريجي ( من الاستقلال حتى سبعينيات القرن العشرين ) :

​الواقع التعليمي : شهدت هذه المرحلة بعد إعلان الاستقلال عام 1946 م صدور أول قانون للتعليم وضعت الدولة من خلاله اللبنات الأولى لتنظيم المناهج وتوسيع مظلة المدارس الحكومية لتشمل القرى والبادية . ومع صدور قانون إلزامية التعليم للمرحلة الأساسية في ستينيات القرن الماضي ، بدأت الفجوة التعليمية تضيق تدريجياً .

​نسبة الأمية : انخفضت النسب بشكل ملحوظ مقارنة بسنوات التأسيس لتصل في أواخر السبعينيات إلى حدود نحو ( 32 % ) إلى ( 35 % ) .

​3 ) مرحلة الطفرة والجهود الوطنية المنظمة ( ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين ) :

​الواقع التعليمي : انطلقت الاستراتيجية الوطنية الشاملة لمحو الأمية وتعليم الكبار ، بتعاون وثيق بين وزارة التربية والتعليم والقوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي ( التي لعبت دوراً تاريخياً بارزاً في تعليم المجندين والأهالي ) ، إلى جانب دور مراكز تعليم الكبار ومحو الأمية المنتشرة في المحافظات .

​نسبة الأمية : شهدت هذه الفترة هبوطاً حاداً في أرقام الأمية ؛ حيث انخفضت النسبة من ( 16.7 % ) في عام 1991 م إلى حوالي ( 11 % ) في عام 2000 م ، لتصل في تسعينيات القرن الماضي إلى أقل من ( 12 % ) .

​4 ) مرحلة التحديث الرقمي والوصول إلى المستويات الدنيا ( من عام 2000 م حتى الآن ) :

​الواقع التعليمي : ركز الأردن على سد الثغرات المتبقية لا سيما بين كبار السن وفي بعض جيوب الفقر والمناطق الريفية والنائية ، مع دمج برامج التعليم المستمر واستخدام التقنيات الحديثة ، والوصول بنسبة الالتحاق بالتعليم الأساسي إلى ما يقارب ( 100 % ) .

​نسبة الأمية : واصلت النسب تراجعها الملحوظ لتصل إلى ( 4.9 % ) في نهاية عام 2021 م وعام 2022 م ، ثم انخفضت وصولاً إلى ( 4.5 % ) في عام 2024 م ، بينما استقرت التقديرات الرسمية في بعض المؤشرات العامة عند مستويات متدنية للغاية لا تتجاوز ( 1.8 % ) إلى ( 2 % ) .

​الفئات العمرية : سجلت الفئة العمرية الشابة ( 15 - 24 عاماً ) أدنى معدلات للأمية بلغت نحو ( 0.7 % ) فقط في عام 2024 م ، مما يعكس النجاح الكبير للسياسات التعليمية في استيعاب الأجيال الجديدة وتجفيف منابع الأمية من جذورها .

​التوزيع بين الجنسين : تشير التقارير إلى تفاوت طفيف بين الذكور والإناث في إحصائيات سابقة ، حيث بلغت نسبة الأمية بين الذكور ( 2.5 % ) مقابل ( 7.4 % ) بين الإناث ، مع استمرار الانخفاض التدريجي المستمر في صفوف الإناث بفضل رغبتهن المتزايدة في التعليم والانخراط في سلك التعليم العالي وقوة العمل .

​رابعاً : العوامل الرئيسية وراء النجاح الأردني :

​الرؤية الوطنية والاستقرار التشريعي : الاعتقاد الراسخ بأن الإنسان الأردني هو الثروة الأغلى ، وترجمة ذلك إلى تشريعات تلزم بالتعليم الأساسي وتجرم التسرب المدرسي المبكر .

​الدور التشاركي للمؤسسات : تضافر جهود وزارة التربية والتعليم مع مؤسسات المجتمع المدني ، والجامعات ، والقوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي عبر مراكز الثقافة العسكرية المنتشرة في البادية والأطراف .

​التركيز على تمكين المرأة : حقق الأردن نجاحاً لافتاً في تقليص الفجوة الجندرية في نسب الأمية بين الإناث والذكور ، حيث تسجل الفئات العمرية الشابة معدلات أمية تكاد تكون منعدمة تماماً للجنسين .

​خامساً : الشعار والمفهوم الحديث لمحو الأمية :

​لم يعد محو الأمية في عصرنا الحاضر يقتصر على فك الحروف والأرقام البسيطة فقط ، فقد امتد ليشمل أيضاً المهارات الرقمية واستخدام التقنية الحديثة لمواكبة متطلبات العصر المتسارعة . ويأتي الاحتفال وفق التوجهات الحديثة لليونسكو تحت شعار يركز على أهمية تعزيز أسس السلام والازدهار من خلال القراءة والكتابة ، وتسخير الابتكار التكنولوجي لخدمة قضايا التعلم مدى الحياة ، مع ضرورة تضافر الجهود الدولية والمؤسسية لتقليص الفجوات المعمارية والتعليمية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة المرتبطة بالتعليم الجيد للجميع .

​ملحوظة : على الرغم من انخفاض النسبة الإجمالية اليوم إلى مستويات دنيا ، إلا أن التحدي الحالي يتركز غالباً في فئات كبار السن ممن لم تُتاح لهم فرص التعليم في صغرهم ، إلى جانب التعامل مع مفهوم ( الأمية الوظيفية أو الرقمية ) لدمج المواطنين في متطلبات العصر الرقمي الحديث .

​يظل الثامن من أيلول تذكيراً حياً بأن العلم هو السلاح الأبقى لبناء الأمم ورفعتها . إن الاستثمار في محو الأمية هو استثمار في مستقبل البشرية جمعاء ، لتظل شعلة المعرفة متوهجة في كل بيت ومدينة وقرية ، وليتمكن كل إنسان من كتابة فصول مستقبله بيده ووعيه .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  )  منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ( اليونسكو ) : التقارير والإحصائيات السنوية الخاصة باليوم الدولي لمحو الأمية ومعدلات التعليم العالمية .
  3. 2  )  وزارة التربية والتعليم الأردنية : التقارير والإحصائيات الرسمية الصادرة حول نسب الأمية ومراكز تعليم الكبار ومحو الأمية .
  4. 3  )  دائرة الإحصاءات العامة ( الأردن ) : المسح السكاني والمسوح المتعلقة بمستويات التعليم ومعدلات الأمية حسب الفئات العمرية والجنس .
  5. 4  )  الأرشيف التاريخي لتعليم الكبار في الأردن : الوثائق والتشريعات المتعلقة بقوانين التعليم وقانون إلزامية التعليم والجهود الوطنية المشتركة مع القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي .
  6. 5  )  المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ( الأكسو ) : التقارير الدورية حول جهود محو الأمية وتعليم الكبار في الوطن العربي .
  7. 6  )  البنك الدولي : تقارير التنمية العالمية ومؤشرات رأس المال بشقيها التعليمي والمعرفي .
  8. 7  )  مديرية الثقافة العسكرية ( القوات المسلحة الأردنية ) : الأدبيات والوثائق التوثيقية حول دور الجيش العربي في نشر التعليم ومحاربة الأمية في البادية والأطراف .