يُعد العصفور الوردي السينائي طائراً برياً فريداً اتخذ رمزاً وطنياً للأردن ويتميز بكسائه الوردي ، بينما يختلف جذرياً عن عصفور الدوري الأليف المرفق بالإنسان من حيث التصنيف والموطن والسلوك .

الطائر الوطني الأردني : العصفور الوردي السينائي سفير الصحراء والمنحدرات

بقلم : قيصر صالح الغرايبه

​تزخر الطبيعة الأردنية بتنوع حيوي فريد يعكس جمال البيئة البرية وسحر تضاريسها المتباينة ، وتتوسط هذا المشهد الغني كائنات برية استثنائية اتخذت من جبال ووديان المملكة موطناً أصيلاً لها . ويتربع على عرش هذا التنوع الطيور البرية العصفور الوردي السينائي ( Carpodacus synoicus ) ؛ ليحمل بجدارة لقب الطائر الوطني للمملكة الأردنية الهاشمية ، ممثلاً حياً لصلابة الطبيعة الصحراوية وجمالها الساحر .

​الرمزية الوطنية والارتباط بالمكان :

​حين وقع الاختيار على العصفور الوردي السينائي ليكون الطائر الوطني الرسمي للأردن ، لم يأتِ هذا الاختيار مصادفة ، بل انطلاقاً من ارتباطه الوثيق بجغرافية المكان وخصوصيته البيئية الفريدة . فهذا الطائر الصغير يمثل رمزاً حياً للصمود والتكيف مع قسوة الصحراء والمنحدرات الصخرية الوعرة . وإلى جانب ذلك ، فهو يبرز في الأدبيات البيئية والسياحية بوصفه جزءاً لا يتجزأ من السيادة الهوياتية والموروث الطبيعي الذي تفتخر به المؤسسات والدوائر الوطنية الأردنية .

​سر القصة على الدينار الأردني الجديد :

​أثارت صورة الطائر على الإصدار الجديد من الدينار الأردني التساؤلات لدى الأردنيين حول سبب وضع صورة طائر على فئة دينار واحد في الإصدار الخامس ، وهو ما لم يكن موجوداً على الدينار في الإصدار الرابع الذي كان يحمل على ظهره صورة من الثورة العربية الكبرى تظهر مجموعة جمال ورجال يحملون علم الثورة . وقد جاء اختيار هذا الطائر المدرج على الدينار والمعروف باسم الجزم السينائي ليعكس عمق الهوية البيئية والسياحية ؛ إذ تم اختياره بسبب لونه الوردي الذي يشبه لون البتراء ، والتي تعد جبالها مأوى مناسباً جداً لهذه العصافير بسبب تمويهها المحكم هناك ، حيث توفر لها الصخور الوردية مأوى متميزاً تتردد فيه ألحانها الجميلة ويسمع صداها على مدار السنة .

​لماذا سُمي بالطائر أو العصفور السينائي ؟

​يرجع سبب تسمية العصفور الوردي السينائي بهذا الاسم نسبةً إلى شبه جزيرة سيناء المصرية وتحديداً منطقة سانت كاترين وجبالها الوعرة ، حيث سُجل هذا النوع علمياً واكتُشف للمرة الأولى في تلك البيئة الصحراوية الجبلية الفريدة قبل أن يُرصد بانتشار واسع في مرتفعات جنوب الأردن وجنوب شرقي فلسطين وشمال غربي المملكة العربية السعودية . وتجسد هذه التسمية الارتباط الجغرافي التاريخي لموئل الطائر ضمن نطاق جنوب بلاد الشام والمناطق المجاورة لها .

​سحر اللون ودراما البناء الريشي :

​لا تقتصر فرادة العصفور الوردي السينائي على قدرته في العيش وسط التضاريس القاحلة ، بل تمتد إلى جماله البصري الأخاذ ؛ فهو يتميز بكساء ريشي فريد يجمع بين درجات اللون الوردي المشرق والقرنفلي الدافئ لدى الذكور في موسم التكاثر ، مما يمنحه مظهراً درامياً مبهجاً يكسو صخور الصحراء بلون الحياة . أما الإناث والطيور الفتية فتتخذ ألواناً باهتة تميل إلى البني الفاتح تساعدها على التمويه وحماية أعشاشها من العيون المفترسة في بيئتها الصخرية القاسية .

​الخصائص البيولوجية والسلوك الاجتماعي :

​يتميز العصفور الوردي السينائي بخصائص تشريحية وسلوكية دقيقة تناسب بيئته الصحراوية والجبلية الوعرة ؛ فهو مزود بمنقار مخروطي قوي وقصير مخصص لكسر البذور الصلبة والتقاط الأعشاب البرية . كما يعد طائراً اجتماعياً بامتياز فغالباً ما تتم مشاهدته في أسراب قد تصل إلى مئتي طائر ما عدا موسم التكاثر . ويبدأ موسم تكاثره من أواخر آذار ( مارس ) إلى تموز ( يوليو ) ، حيث تبني طيور الجزم السينائي أعشاشها في الشقوق الصخرية على ارتفاع خمسة أمتار من سطح الأرض ويكون العش ملاصقاً للأرض ، وتضع الأنثى ما بين أربع إلى خمس بيضات ذات لون أزرق شاحب مع خضرة خفيفة مبقعة بالبني والأسود ، وتستمر فترة حضنها قرابة الأربعة عشر يوماً بواقع حضنتين في السنة الواحدة .

​موطن العصفور وغذاؤه الطبيعي :

​يتواجد العصفور الوردي السينائي حصراً في منطقة محددة من الشرق الأوسط تمتد من الجنوب الشرقي لفلسطين وصولاً إلى الأردن وصحراء سيناء وفي سانت كاترين تحديداً ، إضافة إلى الشمال الغربي للسعودية . وتفضل هذه الطيور العيش في الجبال القاحلة والجافة وعلى طول الوديان والتلال وحواف الجلاميد الكبيرة في المناطق الصخرية . أما من حيث الغذاء ، فعلى الرغم من أن المعلومات عنه محدودة في الطبيعة ، إلا أنه يتغذى على العديد من أنواع البذور والنباتات البرية مثل لسان الثور والبذور الصغيرة .

​الفروق الجوهرية بينه وبين عصفور الدوري (الدويري) :

​على الرغم من تقارب الحجم العام لكونهما من الطيور الصغيرة ، إلا أن هناك فروقاً جوهرية بين العصفور الوردي السينائي وعصفور الدوري التقليدي أو ما يُعرف محلياً بالدويري ( Passer domesticus ) ؛ فبينما ينتمي العصفور السينائي إلى عائلة الشرشوريات ( Fringillidae ) ويتألق بكسائه الوردي البري مبتعداً عن التجمعات البشرية ليسكن الجبال الصخرية الوعرة في أودية البتراء ووادي رم ، ينتمي عصفور الدوري إلى عائلة العصافير الحقيقية ( Passeridae ) ، ويُعد طائراً أليفاً ومرافقاً للإنسان يعيش بقرب المدن والقرى والأسواق معتمداً على تجمعات ومخلفات البشر بألوانه الترابية والبنية المعتادة .

​لماذا يُعتبر طائراً نادراً ومميزاً ؟ :

​يحظى العصفور الوردي السينائي بتقدير علمي وعالمي كبير لكونه طائراً شبه متوطن ومقيد النطاق في مناطق محددة من الشرق الأوسط ، ويُعد الأردن الحاضنة الأساسية والأبرز لتواجده البري . وتشكل قسوة البيئة الصحراوية وتغيرات المناخ وندرة الموارد تحديات مستمرة لوجوده ، فضلاً عن حساسيته العالية تجاه أي اضطرابات بشرية في موطن عيشه الطبيعي .

​جغرافية الحضور والتنوع البيئي :

​تتوزع مساحات انتشار العصفور الوردي السينائي في تناغم مذهل مع التضاريس الجيولوجية العريقة في الأردن ؛ إذ يمكن رصد ومتابعة هذا الطائر بوضوح في المنحدرات الصخرية الشاهقة لمدينة البتراء الوردية ، وفي أودية محمية وادي رم الطبيعية ، وصولاً إلى الجبال الصخرية المطلة على وادي عربة وجنوب المملكة . هذا الانتشار السياحي والبيئي يجعل منه مقصداً بارزاً لعشاق مراقبة الطيور والمهتمين بالسياحة البيئية والمستدامة .

​مسؤولية وطنية لصون الإرث البري :

​على الرغم من جماله الفريد ورمزيتة العالية ، يواجه العصفور الوردي السينائي تحديات معاصرة تتمثل في التغير المناخي ، والرعي الجائر ، والزحف البشري على المواطن البرية . وهو ما يستدعى تضافر الجهود الرسمية ، والمجتمعية ، والمحميات الطبيعية لإطلاق برامج توعية وحماية صارمة تضمن الحفاظ على بيئته الطبيعية البكر .

​وفي هذا السياق ، ومع إقبال فصل الربيع وموسم الرحلات البرية ، ندعو كافة المتابعين والأهل والأصدقاء إلى ضرورة حماية هذا الطائر الجميل ومواطن عيشه ، وإعطائه الفرصة للتجدد لنتمكن من رؤيته عاماً بعد عام ، وعدم الإزعاج أو العبث بموائله الطبيعية ، لتظل عدسات الكاميرات تلتقط أبهى لقطات وجوده وصور مهاراته دون الإضرار باستقراره .

​إن حماية العصفور الوردي السينائي وإبقائه يصدح بألوانه الوردية في جبال الأردن ووديانه ليست مجرد خطوة بيئية عابرة ، بل هي التزام أخلاقي ووطني تجاه موروثنا الطبيعي ، ليبقى هذا السفير الصحراوي شاهدةً أبدية على عراقة الأرض وجمالها الباقي .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1   ) الجمعية الملكية لحماية الطبيعة ، التقارير الدورية حول الطيور المقيمة والمهاجرة والتنوع الحيوي في الأردن ، 2025 م .
  3. 2   ) البنك المركزي الأردني ، إصدارات النقد الأردني وتفاصيل الإصدار الخامس للدينار الأردني والدلالات الوطنية لصورة العصفور السينائي ، 2026 م .
  4. 3   ) وكالة الأنباء الأردنية ( بترا ) ومنصة وكالة الأنباء الأردنية ، تقارير ومتابعات صحفية حول الرموز الوطنية والطيور المميزة في البيئة الأردنية ، 2026 م .
  5. 4   ) دراسات ميدانية في تصنيف وتوثيق الطيور البرية والمنزلية وشبه المتوطنة في جنوب بلاد الشام ، عمان ، 2023 م .
  6. 5   ) تقارير الصحافة البيئية والسياحية العربية والدولية حول الطائر الوطني الأردني ومسارات مراقبة الطيور ، 2026 م .