يُمثّل المها العربي أيقونة الصحراء وسفيرها الحيوي ، وقصة نجاح عالمية في مواجهة الانقراض والعودة المظفرة إلى موائله الأصيلة في الأردن والمنطقة .
بقلم : قيصر صالح الغرايبه
تتألق الطبيعة الصحراوية في المشرق العربي وبادية الأردن والجزيرة العربية بتنوع حيوي فريد يعكس قسوة الجغرافيا وجمال الحياة الكامنة في ثنايا الرمال ، وتتربع على عرش هذا الغنى البري كائنات استثنائية اتخذت من رمال الصحراء موطناً تاريخياً لها . ويأتي في مقدمة هذه الروائع المها العربي ( Oryx leucoryx ) ؛ ليحمل بجدارة لقب سفير الصحراء والرمز الثقافي والبيئي الأصيل ، ممثلاً حياً لقدرة الكائنات الحية على الصمود والتكيف في أقسى البيئات القاحلة .
الرمزية الثقافية والتاريخية والارتباط بوجدان البادية :
حين يُذكر المها العربي في الأدبيات العربية والتراث البدوي الأصيل ، تتداعى إلى الذاكرة صور النقاء والرشاقة والشموخ التي طالما تغنى بها الشعراء والأدباء في قصائدهم ومعلقاتهم كرمز للجمال العذري والنقاء . فهذا الحيوان الثديي الجميل لم يكن مجرد جزء من التنوع البيئي فحسب ، بل شكل ركيزة أساسية من ركائز الهوية والثقافة والتراث في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام ، حاملاً في رمزيته معاني الصبر والتحمل والجمال الصامت وسط الصحراء الواسعة .
سحر اللون ودراما البناء الجسدي :
لا تقتصر فرادة المها العربي على مكانته الثقافية والتراثية ، بل تمتد إلى جماله البصري الأخاذ ؛ فهو يتميز بكساء جلدي ناصع البياض يعكس أشعة الشمس الحارقة ويحميه من درجات الحرارة المرتفعة في بيئته القاحلة ، وتتخلل أطرافه ووجهه علامات سوداء داكنة تمنحه مظهراً درامياً ساحراً . كما يمتلك قرنين طويلين مستقيمين أو شبه مستقيمين يتميزان بحلقات دقيقة تضفي عليه هيبة فريدة ، وتساعده في الدفاع عن النفس والتكيف مع متطلبات الحياة البرية .
الخصائص البيولوجية والتشريحية الفذة :
يتميز المها العربي بخصائص تشريحية وفسيولوجية معجزة تناسب بيئته الصحراوية القاسية ؛ فهو مزود بحوافر عريضة ومسطحة تساعده على السير والركض برشاقة فوق الكثبان الرملية الرخوة دون أن تغوص أقدامه فيها . كما أن لديه قدرة فسيولوجية مذهلة على تحمل العطش لفترات طويلة ، معتمداً على الرطوبة الموجودة في النباتات الصحراوية والأعشاب البرية ، فضلاً عن قدرته الفريدة على استشعار هطول الأمطار ومناطق تواجد الكلأ من مسافات بعيدة جداً ، وقدرته على قطع مسافات شاسعة تمتد لأكثر من سبعين كيلومتراً خلال الليل بحثاً عن مقومات البقاء .
قصة الإنقاذ الأسطورية والعودة من شفا الانقراض :
يحظى المها العربي بتقدير علمي وعالمي كبير لكونه قصة نجاح عالمية فريدة في مجال حماية الطبيعة ؛ فقد واجه هذا الكائن خطراً حقيقياً وفعلياً بالانقراض التام من البرية في منتصف القرن العشرين نتيجة الصيد الجائر وتغير الظروف المناخية . وبفضل تضافر الجهود الدولية والمحلية الحثيثة وجهود المؤسسات الوطنية العريقة في حماية البيئة في المنطقة — وفي طليعتها محمية الشومري للأحياء البرية التابعة للجمعية الملكية لحماية الطبيعة في الأردن ، ومحميات أبوظبي ومختلف دول الخليج العربي عبر برامج الإكثار الدقيقة وإعادة التوطين في بيئاتها الأصلية — تم إنقاذ هذا الكنز الحي ، ليتحول المها العربي من شبح الانقراض إلى رمز وطني وثقافي للفخر والاعتزاز البيئي .
جغرافية الحضور والتنوع البيئي في الأردن والمنطقة :
تتوزع مساحات انتشار برامج إعادة توطين المها العربي في تناغم مذهل مع المحميات الطبيعية الكبرى ؛ إذ تشكل محمية الشومري الموطن التاريخي الأول والنموذجي لإطلاق هذه الأيقونة الصحراوية وإكثارها في الأردن ، وصولاً إلى رصدها بوضوح في أحضان المحميات التاريخية والبرامج البيئية المخصصة ومحميات الحماية الخاصة في أبوظبي ومختلف مناطق البادية العربية التي توفر لها بيئة آمنة تشبه موطنها التاريخي الأصلي . هذا الحضور البيئي يرفع من قيمة هذه المواطن في قطاع السياحة البيئية والمستدامة ، فاتحاً الباب أمام الباحثين وعشاق الطبيعة لمراقبة هذا التراث الحي عن قرب .
مسؤولية وطنية وثقافية لصون الإرث البري :
على الرغم من النجاح الكبير في إعادة إحياء أعداد المها العربي وعودته إلى مواطنه الطبيعية ، إلا أن بقاءه واستمراره في البرية يظل بحاجة إلى يقظة دائمة ؛ فهو يواجه تحديات معاصرة تتمثل في التغير المناخي ، ومخاطر الرعي الجائر ، والزحف البشري على الموائل الطبيعية . وهو ما يستدعى استمرار الجهود الرسمية ، والمجتمعية ، والمحميات الطبيعية لتوفير الحماية الصارمة والمراقبة الدورية لمواطن عيشه .
وفي هذا السياق ، ومع إقبال فصل الربيع وموسم الرحلات البرية ، ندعو كافة المتابعين والأهل والأصدقاء إلى ضرورة حماية هذا التراث الحي ومواطن عيشه في البادية العربية والأردنية ، وإعطاء البيئة البرية الفرصة للتجدد لنتمكن من رؤية هذه الرموز الأصيلة عاماً بعد عام ، دون الإزعاج أو الإضرار باستقرارها .
إن حماية المها العربي وإبقائه يجوب سهول الرمال والوديان ليست مجرد خطوة بيئية عابرة ، بل هي التزام أخلاقي ووطني وثقافي تجاه موروثنا التاريخي والطبيعي ، ليبقى هذا السفير الصحراوي شاهداً أبدياً على عراقة الأرض وجمالها الباقي .




قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع
- 1 ) الجمعية الملكية لحماية الطبيعة ، محمية الشومري للأحياء البرية : قصة نجاح إعادة توطين المها العربي في الأردن ، تقارير وبرامج الإرث البيئي ، عمان .
- 2 ) الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة ( IUCN ) ، القائمة الحمراء للأنواع المهددة بالانقراض : المها العربي ( Oryx leucoryx ) ، تقارير الحماية والوضع التصنيفي العالمي .
- 3 ) الهيئة العامة للبيئة وبرامج صون الطبيعة في أبوظبي ، استراتيجيات إكثار وإعادة توطين المها العربي في شبه الجزيرة العربية ، منشورات التنوع الحيوي .
- 4 ) منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ( اليونسكو ) ، برامج التراث الطبيعي والمحميات الحيوانية في منطقة الشرق الأوسط ، وثائق ومراجع حماية الموائل البرية .
- 5 ) شبكة الجزيرة الإعلامية ، المها العربي : الرمز الثقافي والبيئي لمنطقة شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام ، مقالات ودراسات التراث البيئي والملاحق الصحفية .
- 6 ) مؤسسات الصحافة والثقافة العربية ، أرشيف المقالات والتقارير الصحفية حول أيقونات الصحراء العربية وإنجازات حماية الحياة البرية في الأردن .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.