تُعَدُّ صناعة ** الطائرات الورقية ** ( أو الطيّارة او الطبق ) إرثاً شعبياً أردنياً عريقاً يجمع بين فنون البساطة ، وبهجة الصيف ، ودلالات التراث المجتمعي .

طائرات الورق في الأردن : تحليقٌ في سماء الذكريات وصناعة تنبض بالتراث

​بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تُعتبر صناعة الطائرات الورقية ( أو ما يُعرف محلياً في المدن والقرى والبلدات الأردنية بـ " الطيّارة أو الطبق " ) واحدة من أقرب الحرف اليدوية الشعبية لقلوب الأجيال السابقة في المجتمع الأردني . لم تكن مجرد لعبة طفولية تُصنع بأساليب بسيطة ، بل كانت طقساً جماعياً موسمياً يمارسه الصغار والكبار ، ومساحة حرة للتعبير عن البساطة والبهجة في الفضاءات الأردنية الواسعة .

​جذور الحكاية : الفن الكامن في البساطة :

​تعتمد هذه الصناعة التقليدية على مواد أولية متوافرة في البيئة المحلية ، ما جعلها متاحة لجميع الأطفال الأردنيين بغض النظر عن حالتهم المادية . وتتكون الطائرة الورقية الكلاسيكية في تفاصيلها الموروثة من :

​الهيكل : يتم استخدام عيدان رفيعة ومرنة من شجر القصب أو الخيزران ( البوص ) المنتشر على ضفاف الوديان والينابيع الأردنية .

​الغطاء : أوراق خفيفة أو أكياس نايلون ملونة تمنح الطائرة خفة الوزن والقدرة على التقاط الهواء .

​مادة اللصق والربط : الخيوط المتينة واللاصق لضمان تماسك أجزاء الهيكل بإحكام .

​ذيل الطائرة : شريط طويل من القماش أو الورق الممزق بعناية ، والذي يُعد عنصراً أساسياً لتوازن الطائرة واستقرارها أثناء التحليق .

​موسم الطائرات الورقية : بهجة الصيف في الفضاءات الأردنية :

​يرتبط تحليق الطائرات الورقية في الوجدان الشعبي الأردني ارتباطاً وثيقاً بموسم الصيف والعطلات المدرسية ، حيث ترتفع درجات الحرارة وتجتمع الظروف المناخية الملائمة لتفرغ الأطفال والشباب في الساحات العامة ، والتلال المكشوفة ، والقرى ، والمخيمات في الأردن التي طالما مثلت حاضنة دافئة لمثل هذه الفنون الشعبية ومتنفساً حقيقياً للبهجة والسعادة للأطفال في وجه ضغوط الحياة اليومية . وتتحول سماء المدن والبلدات الأردنية خلال هذه الأوقات إلى لوحة بصرية تعج بالألوان المتباينة .

​أشكال الطائرات الورقية وألوانها : لوحات مبرمجة في كبد السماء :

​تتعدد أشكال الطائرات الورقية ( الطيّارات ) وألوانها بتعدد أفكار صانعيها وإبداعاتهم ، وتتدرج من النماذج الكلاسيكية التراثية البسيطة إلى التصميمات المعاصرة ، وتبرز في محاور رئيسية تشمل :

​الأشكال الهندسية والتراثية :

1 ) الطائرة المعينية ( الكلاسيكية ) : وهي الشكل الأكثر شهرة وشيوعاً في الموروث الشعبي الأردني ، وتتخذ شكل المعين الهندسي وتتميز باتزانها وسهولة صنعها .

2 ) الطائرة المثلثية ( السمكة أو الصاروخ ) : تعتمد على هيكل ثلاثي يمنحها انسيابية عالية في اختراق الرياح والارتفاع بسرعة نحو الأعالي .

3 ) الطائرة الصندوقية ( المجسمة ) : تتميز بتصميمها ثلاثي الأبعاد الذي يعتمد على تجاويف هوائية تلتقط الرياح من عدة جهات .

4 ) أشكال الكائنات والطيور : طائرات مصممة على هيئة أشكال حيوانات أو طيور أو فراشات ملونة تضفي حيوية بصرية .

​الألوان والزخارف البصرية :

1 ) الألوان الزاهية والمتباينة : تُصنع من أوراق ملونة أو أكياس شفافة مزخرفة لتكون واضحة ومرئية في السماء ، مثل الأحمر ، والأزرق ، والأصفر .

2 ) الرسومات الكرتونية والشعبية : في النماذج الحديثة والجاهزة ، تُطبع على الأغطية صور شخصيات كرتونية حديثة أو أشكال هندسية متداخلة .

3 ) أشرطة الذيل المتراقصة : يمتد التلوين إلى ذيل الطائرة الطويل المصنوع من أشرطة قماشية أو ورقية ملونة تتحرك بانسجام مع هبوب الرياح .

​شروط صناعة الطائرات الورقية وتطيرها :

​لم تكن صناعة الطائرات الورقية وتحليقها في البيئة الأردنية عملية عشوائية ، بل تحكمها قواعد هندسية وفنية دقيقة تورثها الأجيال بالخبرة والممارسة ، وأبرزها :

​شروط الصناعة والضبط الهندسي :

1 ) التماثل والتوازن : يجب أن يكون الهيكل الخشبي متماثلاً تماماً في الجهتين اليمين واليسار لضمان عدم ميلان الطائرة واختلال توازنها في الجو .

2 ) خفة الوزن : اختيار أعواد قصب دقيقة ورقيقة للغاية إلى جانب ورق خفيف الوزن لكي تتمكن الطائرة من الارتفاع بسهولة وعدم السقوط بفعل الثقل .

3 ) دقة الربط والزوايا : ضبط خيوط الشد ( الميزان ) بزوايا دقيقة تحدد نقطة اتصال خيط التحكم الرئيسي ، وهي المسؤولة عن زاوية ميلان الطائرة في مواجهة التيار الهوائي .

4 ) تناسب الذيل : حساب طول الذيل ووزنه بدقة ليتناسب مع حجم الطائرة ومساحتها ، فالذيل الطويل جداً يعيق الارتفاع ، والقصير جداً يفقدها الاتزان .

​شروط ومقومات التطير الناجح في الأجواء المحلية :

1 ) اتجاه وسرعة الرياح : اختيار الأوقات التي تهب فيها رياح معتدلة وثابتة ، فالرياح الضعيفة جداً تمنع الطائرة من الصعود ، والقوية جداً قد تؤدي إلى تمزيق الورق أو تحطيم الهيكل .

2 ) المكان المكشوف : الابتعاد عن الأشجار العالية وأسلاك الكهرباء والأبنية السكنية المكتظة ، والتوجه نحو الساحات الفسيحة والمرتفعات والتلال الأردنية المكشوفة التي تضمن حركة هواء سلسة .

3 ) طول وقوة الخيط : استخدام خيط متين وخفيف وقوي الاحتمال ( مثل خيط البكرة المخصص ) ، مع إعطاء مسافات تدريجية ومدروسة أثناء الصعود للسيطرة على حركة الطائرة في الأعالي .

​الطائرات الورقية في زمن الأزمات : نافذة تنفس في وجه الحظر :

​لم تقتصر رمزية الطائرات الورقية على كونها تسلية موسمية عادية ، بل أثبتت الأيام أن سماء الأردن والمنطقة وجدت فيها متنفساً حقيقياً خلال أوقات الأزمات والقيود الاستثنائية ، لاسيما إبان فترة الحظر الصحي وأزمة جائحة كورونا ، إذ تحولت هذه الهواية الشعبية إلى نشاط رياضي وذهني ممتع مارسته العائلات من فوق أسطح المنازل وفي الفضاءات المتاحة لتفريغ الطاقات النفسية ، وكسر روتين العزلة المنزلية ، وإعادة إحياء هذا الإرث الشعبي بأساليب متجددة عكست قدرة الإنسان على صنع البهجة وسط أصعب الظروف .

​الأبعاد والآثار النفسية لتطيير الطائرة الورقية :

​لا تقتصر متعة تطيير الطائرات الورقية على البهجة البصرية فحسب ، بل تمتد لتترك أثراً نفسياً وعاطفياً عميقاً في نفوس ممارسيها من مختلف الأعمار :

​تفريغ التوتر وضغوط الحياة : يمنح مراقبة الطائرة وهي تحلق بانسجام في الفضاء المفتوح شعوراً غامراً بالاسترخاء ، ويساهم في خفض مستويات هرمونات التوتر والقلق عبر تشتيت الذهن عن المنغصات اليومية .

​تعزيز الشعور بالحرية والانطلاق : يرتبط تحليق الطائرة في الأفق الواسع رمزياً برغبة الإنسان الدائمة في التحرر والانعتاق من القيود ، مما ينعكس على النفس شعوراً بالخفة والاتساع الداخلي .

​تنمية الصبر والانضباط الذاتي : تتطلب عملية إطلاق الطائرة وموازنتها والتحكم بخيطها في مهب الريح قدراً عالياً من الصبر ، والتركيز ، والتعامل بحكمة مع المتغيرات ، مما يعزز مهارات ضبط النفس .

​تعزيز الروابط الاجتماعية والأسرية : تمثل هذه الهواية طقساً جماعياً جامعاً يربط الأبناء بالأهل والأصدقاء في الساحات المفتوحة ، مما يخلق ذكريات دافئة ويدعم الشعور بالانتماء والأمان العاطفي .

​إحياء البهجة والشعور بالإنجاز : يمنح نجاح إقلاع الطائرة ووصولها إلى الأعالي شعوراً عميقاً بالفخر والرضا والثقة بالنفس ، مستنداً إلى قدرة الإنسان البسيط على صنع بهجته بيديه .

​محطات إبداعية وطموحات شبابية : الطائرات الاستثنائية في الأردن :

​تجاوزت هذه الهواية في المشهد المحلي حدود الأنماط التقليدية المعتادة ، لتتحول في محطات عديدة إلى مساحة لإبراز الإبداع الشبابي وقدرات الابتكار الفردي والجماعي ، حيث شهدت سماء المملكة على مر السنوات محاولات فريدة لصناعة طائرات ورقية ذات أحجام استثنائية وعملاقة . لعل أبرزها تلك المبادرات التي أقدم عليها مجموعة من الشباب في مخيم حطين بلواء الرصيفة ، حيث نجحوا في تصميم وبناء طائرة ورقية ضخمة يبلغ طولها نحو ستة أمتار وتتزين بألوان العلم الأردني النابضة بالفخر . وقد جسدت مثل هذه التجارب روح التحدي الجماعي ، وأثبتت كيف تظل هذه المهارة الشعبية العريقة نافذة متجددة لطموحات الشباب وشغفهم في ترك بصمتهم الخاصة في الفضاءات المفتوحة .

​مخاطر الطائرات الورقية وسلبياتها الميدانية :

​على الرغم من الرمزية التراثية الجميلة والبهجة التي تحملها الطائرات الورقية ، إلا أن غياب الوعي أو سوء الممارسة في بعض الأحيان يقترن ببعض المخاطر والآثار السلبية التي تتطلب الحذر والرقابة :

​مخاطر شبكات الكهرباء : يؤدي إطلاق الطائرات بالقرب من خطوط التوتر العالي وأسلاك الكهرباء في الأحياء السكنية إلى تشابك الخيوط ، مما قد ينجم عنه تماس كهربائي خطير ، أو انقطاع التيار الكهربائي ، أو تعريض حياة الأطفال لمخاطر الصعق .

​الحوادث المرورية والسلامة العامة : انشغال الأطفال والشباب بملاحقة الطائرات أو استعادة خيوطها المقطوعة وسط الشوارع العامة والطرقات السريعة يعرضهم لمخاطر الدهس وحوادث السير المفاجئة .

​النفايات والتلوث البيئي : ترك الهياكل المكسورة والخيوط البلاستيكية المتناثرة بعد انتهاء الموسم في الحدائق والتلال والساحات العامة يساهم في تشويه المشهد البيئي ويلحق الضرر بالطيور والبيئة المحلية .

​الإصابات الجسدية : استخدام خيوط رفيعة وقوية جداً ( أو معالجة بمواد حادة أحياناً ) قد يسبب إصابات بالغة ، وجروح قطعية في اليدين أو الأصابع أثناء شد الخيط بسرعة أو احتكاكه المفاجئ بالجلد .

​التغييرات التي طرأت على صناعة الطائرات الورقية : من الصنعة اليدوية إلى السلع الجاهزة :

​شهدت صناعة الطائرات الورقية وتداولها في المجتمع الأردني عبر العقود الماضية تحولات جذرية عكست تبدل أنماط الحياة وثقافة الاستهلاك :

​اندثار المهارة اليدوية : كانت صناعة الطائرة في السابق مهارة يدوية متأصلة ومتاحة للجميع ، يعتمد فيها الطفل على قص القصب وتجهيز الورق بحرفية منزلية ، بينما تراجعت هذه الممارسة اليوم لصالح المنتجات الجاهزة .

​غزو المنتجات المستوردة : تحولت الطائرات من قطع يدوية بسيطة إلى بضائع استهلاكية مستوردة بالكامل من الخارج ( لا سيما من المصانع الصينية ) ، لتفقد بذلك جزءاً كبيراً من روحها التراثية وحميميتها اليدوية .

​التصاميم الحديثة والجاهزة : دخول أغطية بلاستيكية مطبوعة برسومات كرتونية وشخصيات حديثة وأشكال مجسمة معقدة ، بدلاً من الأوراق الملونة البسيطة أو أكياس النايلون التقليدية .

​تغير دوافع الهواية : انتقال التركيز لدى الأجيال الجديدة من متعة الصنعة اليدوية والصبر على البناء إلى مجرد الاستهلاك السريع ، في ظل منافسة قوية فرضتها الشاشات والألعاب الرقمية .

​نافذة أمل اقتصادية ومجتمعية : مشاريع أسرية وفعاليات ثقافية :

​على الرغم من التحديات والانحسار النسبي للحرفة ، فقد برزت وجوه أخرى إيجابية لهذه الهواية في المشهد المحلي الأردني :

​مشاريع أسرية ومصدر رزق : تحولت هذه الحرفة التراثية عند بعض الأفراد والأسر المنتجة في الأردن إلى مصدر دخل مشروع ومبتكر ، حيث تمكنت بعض الشابات والأسر – بدعم من مؤسسات تمويل أصغر وطنية – من تأسيس مشاريع صغيرة قائمة بذاتها لإنتاج وبيع الطائرات الورقية ، وتحويل الشغف الشخصي إلى قصة نجاح اقتصادية تلبي الطلب الواسع في موسم الصيف .

​فعاليات مجتمعية لإحياء التراث : تنظم مراكز ثقافية وبلديات وجهات متعددة في المملكة – مثل مركز زها الثقافي وبرامج الأمم المتحدة – ورشات عمل دورية لإطلاق وصناعة الطائرات الورقية ، بهدف جمع الأجيال الأردنية معاً ، واسترجاع ذكريات الطفولة الجميلة ، وحماية هذا الموروث الشعبي من الانقراض .

​إن صناعة الطائرات الورقية في الأردن ليست مجرد قطع من الورق والخشب ، بل هي رمزٌ للحنين إلى الزمن الجميل ، وتجسيدٌ لقدرة الإنسان البسيط على صنع السعادة من لا شيء ، وتحليق الروح نحو آفاق أوسع من الحرية والخيال .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1   ) الغرايبه ، قيصر صالح ( 2026 م ) . أبحاث في الموروث الشعبي والتراث الأردني .
  3. 2   ) أرشيف جريدة الدستور الأردنية ( مقال : « الطائرات الورقية » تحلق في الأعالي جلبة البهجة والسعادة للأطفال ) .
  4. 3   ) أرشيف وكالة الأنباء والمواقع المحلية ( تقارير حول صناعة الطائرات الورقية الكبيرة في مخيم حطين - لواء الرصيفة ) 2020 م - 2026 م .
  5. 4   ) صحيفة الغد الأردنية ( مقالات متفرقة حول الرياضات والأنشطة الشبابية في الأوقات الاستثنائية ) 2020 م .