تستعرض المقالة حكاية " خبز الغرايبه وصل إسطنبول " من تراث حوارة وذاكرة الحرب الكبرى ، مؤكدة منهجية الباحث في تمحيص الروايات الشفوية بالوثائق والسجلات التاريخية .
خبز الغرايبه وصل إسطنبول ... حكاية من رحم الذاكرة وعنفوان التاريخ
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
في مجالس العشيرة العامرة ، وبين طيات الحكايات التي تُروى لتُضيء دروب الماضي ، تتردد أحياناً عبارات طريفة ومجازية تحمل في بطونها تاريخاً كاملاً من التضحيات ، ولعل أبرز هذه العبارات التي طالما توقفت عندها طويلاً ، هي المقولة الشهيرة والمتداولة بين أفراد عشيرة الغرايبه : ( خبز الغرايبه وصل إسطنبول ) .
لفهم هذه الحكاية وأبعادها التاريخية بشكل متسلسل ، تجدر الإشارة أولاً إلى سياق تلك المرحلة ، حيث تُطلق كلمة ( السفربرلك ) تاريخياً على فترة التجنيد الإجباري والنفير العام التي فرضتها الدولة العثمانية في أواخر عهدها ، وتحديداً خلال سنوات الحرب العالمية الأولى العجاف بين عامي ( 1914 - 1918 م ) . وقد تركت هذه المرحلة - بما رافقها من سوق قسري للشباب نحو جبهات القتال البعيدة كالقوقاز والدردنيل ، وما خلّفته من جوع وتهجير ومآسي الفراق - آثاراً عميقة ومؤلمة في الذاكرة الجمعية لأهل المشرق العربي .
ولأن بلدة حوارة تقع في قلب سهول حوران المباركة ، فقد تمتعت عبر التاريخ بشهرة واسعة في زراعة القمح وإنتاج الحبوب بمواسم وفيرة وخيرة . وقد انعكس هذا الخير على الحياة اليومية لسكان المنطقة عامة وأهالي حوارة خاصة ، إذ كان القمح المادة الخام الأساسية والعمود الفقري لجميع مأكولاتهم الشعبية التقليدية . وفي هذا السياق ، يُعد الخبز البلدي الفلاحي في إربد خبزاً تقليدياً أصيلاً يصنع من دقيق القمح الكامل أو الشعير دون إضافات صناعية ، ويُخبز غالباً على الصاج أو في أفران الطين التقليدية ، وهو يتكون من دقيق قمح بلدي أردني 100% يحتوي على النخالة والألياف المفيدة ، حيث يتم تحضير العجين عبر مزج الدقيق مع الماء الدافئ والملح وقليل من الخميرة الطبيعية ويترك ليتخمر ، ثم يُرق العجين باليد على شكل أقراص دائرية ليُخبز على ( الصاج ) الحار أو في الفرن البلدي ، مما يمنحه طعماً ريفياً مميزاً وقواماً طرياً .
من رحم هذه البيئة المعطاءة ، وفي ظل قساوة ذلك الزلزال الإنساني ، ظهرت قصتان رئيسيتان تفسران أصل مقولة ( خبز الغرايبه وصل إسطنبول ) وفق التسلسل Zمني لأحداث تلك الفترة :
السبب الأول ( مع بداية الحرب العالمية الأولى والتجنيد الإجباري ) : مع إعلان التجنيد في مستهل الحرب العالمية الأولى وسوق أبناء عشيرة الغرايبه إلى جبهات القتال البعيدة التي كانت تمتد حتى عاصمة الخلافة ( إسطنبول ) ، حرص أولئك الرجال على ألا يخرجوا خالي الوفاض ، بل تزودوا بـ ( المونة ) وخبز الدار البلدي المصنوع من قمح حوران والمجفف بعناية ليرافقهم في رحلتهم الطويلة عبر الفيافي والقفار ويعينهم على قساوة الطريق وغربة المسير .
السبب الثاني ( مع نهاية الحرب العالمية الأولى وانسحاب الجيش العثماني ) : مع إسدال الستار على سنوات الحرب العالمية الأولى وهزيمة الجيش التركي ، وأثناء عودة فلول وفرق هذا الجيش من بلاد الشام بشكل عام ومنطقة شرقي الأردن بشكل خاص ، مرّت فلول الجيش العثماني ببلدة حوارة وأقاموا فيها لفترة بسيطة من الوقت . وأثناء تواجدهم هناك ، أصدر رجالات عشيرة الغرايبه وعلى رأسهم في ذلك الوقت مختار العشيرة توجيهاتهم لنسوة العشيرة بإعداد الخبز ، فاجتمعت النسوة معاً وقمن بإعداد كميات وفيرة منه لتزويد تلك الفرق العسكرية به ليتزودوا به أثناء عودتهم إلى تركيا ، وبقي هؤلاء الجنود يحتفظون بذلك الخبز حتى وصلوا إلى تركيا وتحديداً إلى العاصمة ( إسطنبول ) .
من هنا ولدت الحكاية بأبعادها المختلفة ، وتحولت تلك اللقطات الواقعية لخبز الأمهات والزوجات وهو يشق طريقه برفقة الرجال أو ضيوف الديار حتى عاصمة الدولة إلى رمز طريف ومجازي يتردد في المجالس ، للتعبير عن بلوغ الصيت أبعد مدى ، والاعتزاز بالقدرة على الإطعام وتحمل الصعاب بكرامة وعصامية .
منهجية التوثيق وقراءة الرواية التاريخية :
وفي هذا السياق المنهجي الرصين ، تجدر الإشارة إلى أن مثل هذه القصص والنوادر المتناقلة تعتمد في كثير من تفاصيلها على الروايات الشفوية وذاكرة المجالس العشائرية ، ورغم ما تحمل هذه الروايات في طياتها من دلالات اجتماعية عميقة وصدق وجداني يعكس طبيعة المرحلة ، إلا أنها قد تفتقر أحياناً إلى الدقة المطلقة في توثيق الحيثيات الدقيقة للأحداث. من هنا ، فإن الباحث المتميز لا يكتفي بالرواية الشفوية وحدها ولا يتخذها مصدراً نهائياً للاحتجاج التاريخي الصارم ، بل يدرك جيداً أن البحث العلمي الرصين يعتمد أساساً على الوثائق الرسمية ، والسجلات التاريخية المدونة ، والأوراق الثبوتية الموثقة التي تمنح الرواية سندها التاريخي المتين وتعصمها من طامّة التغيير والاجتهاد الشخصي ، لتبقى الرواية الشفوية مكملاً تراثياً ووجدانياً يضيء عتمة التاريخ لا بديلاً عن وثائقه الصلبة.
بطولات ومحطات لا تُنسى في الذاكرة :
تخليداً لذكرى أولئك الأجداد وتضحياتهم الجسام في تلك الظروف القاسية ، تروي لنا الذاكرة الشعبية قصصاً عجيبة تحكي بطولاتهم وطرائف رحلتهم وعودتهم ، ومن هؤلاء الأبرار :
رحلة الهروب الكبير والعودة مشيا على الأقدام :
حين اشتدت قسوة الخدمة وظروفها ، اتخذ كل من : محمد علي الشحادة الغرايبه ، واحمد محمود الغرايبه ، وعبد الله الصالح الغرايبه قرار العودة والفرار من جحيم الجبهات ، فصعدوا إلى قطار العودة المتوجه نحو بلاد الشام ، وما إن بلغ القطار الأراضي السورية حتى أقدموا على مغامرة جريئة بالقفز منه وهو يسير ، ليكملا مسير العودة الطويل شقاً عبر الفيافي مشياً على الأقدام حتى وصولوا إلى بلدة حوارة سالمين . وفي خضم تلك الرحلة المثيرة ، وأثناء مرورهم بإحدى القرى السورية ، تفاجأوا بفتاتين تستقيان الماء من أحد الآبار ، فلما رأتهما صختا بصوتها صارختين : ( هؤلاء فرارات ! هؤلاء فرارات ! ) ( أي الفارّين من الخدمة العسكرية ) ، وخوفاً من أن ينكشف أمرهم ويُفتضح أمر هروبهم ، بادر الشبان بالإمساك بهما ووضعهما في البئر لحماية أنفسهم ، ثم انطلقوا مسرعين في طريقهم حتى بلغوا ديارهم سالمين غانمين .
بطولة البحري وبسالة المدفع :
وفي مشهد آخر يروي أسمى آيات الشجاعة والإقدام ، يبرز اسم الجندي محمود عبد الرحمن الغرايبه ، الذي خدم بشجاعة فائقة ضمن صفوف البحرية العثمانية في البحر المتوسط . وفي خضم المعارك البحرية ، وعندما لاحت في الأفق سفينة حربية بريطانية معادية ، لم تردّد محمود لحظة ، بل سارع ببطولة وثبات إلى تصويب مدفع السفينة العثمانية نحوها بدقة محكمة ، وأطلق عليها قذيفة مباشرة أصابتها في مقتل وأغرقتها في عرض البحر . وتكديراً لهذه البسالة الفريدة وتخليداً لشجاعته النادرة ، منحت الدولة العثمانية للبطولة حقها ، فكرّمته بمنحه وساماً رفيعاً للشجاعة في حفل عسكري خاص .
إن هذه القصص والأسماء والذاكرة الحية التي تناقلتها الأجيال تترك لنا دلالات عميقة تعكس روح الاعتماد على النفس ، وقسوة ظروف تلك المرحلة التاريخية ، وقدرة الذاكرة العشائرية على تحويل الألم والتعب إلى قصص فخر وبطولة تخلد ذكرى هؤلاء الرجال في سجل العز والمجد .


قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) الروايات الشفهية والذاكرة العشائرية المتواترة لأبناء عشيرة الغرايبه في بلدة حوارة .
- 2 ) الوثائق والسجلات العثمانية الخاصة بالتجنيد الإجباري ( السفربرلك ) وكتائب الخدمة العسكرية خلال الحرب العالمية الأولى ( 1914 - 1918 م ) .
- 3 ) مدونة الأستاذ قيصر صالح الغرايبه .
- 4 ) الغزي ، كامل بن حسين . ( نهر الذهب في تاريخ حلب ) .
- 5 ) الأرشيف العثماني العسكري ( قيادة الحملات في الحرب العالمية الأولى ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.