يستعرض هذا المقال ، بأسلوبه التوثيقي ، جذور اللهجة الأردنية وتنوعها الجغرافي ، وتأثيرات الحضارات المتعاقبة عليها ، وعوامل تغيرها في العصر الحديث .

اللهجة الأردنية : جذور التاريخ ، فسيفساء الجغرافيا ، وروافد الحضارة

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تُعد اللهجة الأردنية وثيقة تاريخية وثقافية حية ، ترتكز على جذور ضاربة في القدم ، وتتداخل فيها التأثيرات العربية والسامية والحضارية المتعاقبة لتعكس ذاكرة المكان والإنسان .

​المفهوم اللغوي : تعريف اللهجة والفرق بينها وبين اللغة

​تُعرف اللهجة لغة واصطلاحاً بأنها مجموعة من الخصائص الصوتية والدلالية والنحوية التي تتميز بها جماعة أو بيئة جغرافية معينة ضمن إطار اللسان الواحد ، وتتوارثها الأجيال للتعبير عن تفاصيل حياتها اليومية ومحيطها المعاش . وأما عن الفرق الجوهري بين اللغة والثقافة اللسانية ، فاللغة تمثل النظام الشامل المشترك بقواعده العامة ومفرداته الفصيحة وأدبه المكتوب الذي تتحدث به أمة بأسرها وتتوحد تحت مظلته عبر النصوص والكتب ، بينما تُعتبر اللهجة فرعاً حياً وتفرعاً مكانياً أو اجتماعياً لتلك اللغة الأم ، إذ تتميز اللهجات بتنوع نبراتها ومفرداتها المحلية تبعا لتغير الجغرافيا والبيئة الاجتماعية ، لتشكل اللهجة بذلك مظهراً شفوياً مرناً يرفد اللغة ويثريها دون أن ينفصل عن جذورها الكبرى .

​الجذور اللغوية العميقة والتأصيل التاريخي

​تستمد اللهجة مقوماتها من مزيج أصيل يجمع بين مفردات العربية الفصحى ، والإرث النبطي العريق ، والجذور الآرامية والسريانية والكنعانية التي تظهر بوضوح في أسماء المزروعات ، والتقنيات الفلاحية ، والمعمار ، والبيئة الريفية ، لتشكل بذلك طبقات لسانية متراكمة تعبر عن تعاقب الحضارات على أرض الأردن المباركة .

​تعاقب القوى والحضارات وأثره في تشكيل اللهجة

​لم تكن اللهجة الأردنية يوماً جزيرة معزولة ، بل كانت مرآةً حية لتعاقب الحقب التاريخية والسياسية التي صاغت نسيجها المعجمي والصوتي :


​عوامل التغير والتأثير في اللهجة الأردنية المعاصرة

​تتعرض اللهجة الأردنية لعمليات تغير مستمرة في العصر الحديث نتيجة مؤثرات اجتماعية وثقافية أدت إلى تحول ملحوظ في طريقة النطق وتداول المفردات ، ومن أبرزها :


​الجغرافيا اللغوية وتنوعاتها المكانية

​تتوزع اللهجة ضمن عائلة اللهجات المشرقية إلى تنوعات محلية متناغمة تعكس التنوع الجغرافي والثقافي في البلاد ، وتشمل اللهجة الشمالية ( الحورانية ) ، والوسطى ( البلقاوية والمدنية ) ، والجنوبية ( المؤابية ) ، إلى جانب اللهجات البدوية ذات الامتداد الجزيري العريق التي تحفظ الكثير من خصائص الفصاحة الأولى .

​المعجم الدارج والتعبيرات اليومية الأصيلة

​يزخر المعجم الأردني بتعبيرات فريدة ومصطلحات شعبية أصيلة تعكس دقائق الحياة اليومية والمواقف المختلفة ، مثل ( أقْظِب ) أو ( إعزق ) بمعنى التمسك بقوة ، و ( إتعربش ) للتسلق ، و ( أمْزُط ) للهرب السريع ، و ( اصطهج ) للفرح العارم ، و ( معنعن ) للثقة الزائدة ، و ( مدعدر ) للمنتفخ ، و ( مهوي ) للطائش ، و ( خرط ) بمعنى كذب ، و ( بالمشرمحي ) أو ( على بلاطة ) بمعنى بصراحة ، إلى جانب مفردات تراثية دقيقة مثل ( قَمْطَة ) لغطاء الرأس ، و ( بَقْجَة ) لصرة الثياب ، و ( إسْكَمْلَة ) للطاولة الصغيرة .

​مصطلحات المطبخ التراثي وأساليب الطهي

​ينعكس التراث المادي للشعب الأردني بوضوح في مصطلحات الأكل والطبخ الشعبية ( بتصرف عن الباحث نبيل عماري ، مع حفظ حقوق الطبع والنشر ) ، والتي توثق أساليب تحضير الطعام وتناوله بدقة لغوية فريدة ، ومن أبرزها في أساليب الشرب والأكل ، شرب الشنينة ( طرقوع لبن ) ، وشرب الماء ( كرع ) أو ( زنقعة ) أو ( زغللة ) ، وسرعة الأكل ( لهط ) ، والتسالي ( نقرشة ) . وفي معالجة الغذاء والطبخ ، طبخ المفتول ( تهبيل ) ، وتقطيع البندورة ( فغم ) ، وتقطيع التفاح ( جغم ) ، ومرس الجميد ، وتقميع البامية ، وفرط الرمان والعنب والزيتون ، ورصيع الزيتون ، وجرش البرغل ، ورق العجين ، ودعك الكبة ، إضافة إلى الأدوات والمسميات مثل سلة الخبز ( طباقه ) ودلة القهوة ( بكرج ) .

​الزراعة والتقنيات الفلاحية التقليدية في المعجم المحلي

​يحفل المعجم الأردني بمنظومة متكاملة من مصطلحات الفلاحة والزراعة البعلية والمروية التي تعود جذورها إلى آلاف السنين ، وتضم مفردات خاصة بمواسم الحراثة ( مثل الشق والقطيع ) ، ومسميات أدوات الأرض التاريخية ( مثل المحراث الخشبي والنير ) ، فضلاً عن المصطلحات المرتبطة بمواسم القمح والعدس والبساتين والتي تؤكد عمق الارتباط الوجداني والتاريخي بتربة الوطن .

​الأمثال الشعبية والحكم المرتبطة ببيئة المكان

​تمثل الأمثال الشعبية رافداً أساسياً من روافد اللهجة الأردنية ، إذ تختزل تجارب أجيال كاملة وتلخص فلسفة الحياة في البادية والريف والمدينة . وتتخذ هذه الأمثال من عناصر البيئة المحلية والطبيعة الأردنية رموزاً دلالية معبرة ، مثل الارتباط بالأرض ، ومواسم الحصاد ، وصبر الإنسان الأردني على نوائب الدهر ، مما يجعلها مرآة صادقة لترسيخ منظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية .

​الحضور في الفضاء العربي والثقافة الفنية

​تتميز اللهجة الأردنية بوسطيتها اللسانية التي تجعلها بمثابة لغة بيضاء مفهومة لدى مختلف الشعوب العربية ، مدعومة بانتشارها الواسع عبر الفنون الشعبية والأعمال الدرامية البدوية والريفية التي نقلت إيقاع الحياة الأردنية وتراثها العفوي إلى نطاق عربي أوسع من خلال فنون كالدحية والسامر .

​رواد التراث الموسوعي وتوثيق الذاكرة المحلية

​قاد جهود توثيق التراث الشعبي الأردني رواد كبار وضعوا اللبنات الأساسية لحفظ الذاكرة الجمعية ، وفي مقدمتهم روكس بن زايد العزيزي في موسوعاته الشاملة للأمثال والعادات ، والأستاذ الدكتور أحمد عويدي العبادي في توثيق المفردات البدوية والريفية وخصائص البيئة المحلية .

​مدرسة المعاجم والدراسات اللغوية الأكاديمية

​برزت أسماء أكاديمية لامعة في التأصيل المعجمي واللهجي للألفاظ الأردنية ، وعلى رأسهم العالم الجليل المرحوم الأستاذ الدكتور عبد الله طلال الشناق ( السومي ) ( ابن بلدة حوارة الأبيّة ) الذي أثنى المكتبة العربية بـ ( معجم العبارات الريفية في شمال الأردن ) و ( معجم مصطلحات الترجمة ) ، إلى جانب الجهود العلمية الرصينة للأستاذ الدكتور محمد الحنيطي والدكتور عبد القادر السمهوري .

​الباحثون واللغويون المعاصرون وحفظ المأثورات

​تواصلت مسيرة البحث العلمي والأكاديمي من خلال قامات بارزة أسهمت في حفظ المأثورات والمصطلحات الدارجة للأجيال القادمة ، منهم الأستاذ الدكتور عبد الناصر هياجنة في دراسات الصوت والدلالة ، والدكتورة إنعام الور في جغرافية اللهجات ، والأستاذ الدكتور سليمان إبراهيم إطيمش في النحو والدلالة ، إلى جانب جهود الباحثين نايف النوايسة ، ومحمود الرجبي ، والدكتور هاني صبح .

​تمثل اللهجة الأردنية سجلاً حضarياً متكاملاً يترجم روح الانتماء ويعكس عراقة المكان والزمان ، متناغمة مع الجهود الأكاديمية والمؤسسية لعلماء الوطن وأبنائه الأوفياء في مختلف الميدان الثقافية ، لتظل هذه اللهجة نبعاً متجدداً ينبض بأصالة الإنسان الأردني ويعبر عن هويته الحضارية المتجذرة .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع
  2. ​1 . ابن منظور ، لسان العرب .
  3. 2 . العزيزي ، روكس بن زايد ، معلمة التراث الأردني .
  4. 3 . الحنيطي ، محمد ، اللهجات العربية في الأردن .
  5. 4 . الشناق ، عبد الله طلال ، معجم العبارات الريفية في شمال الأردن .
  6. 5 . الشناق ، عبد الله طلال ، معجم مصطلحات الترجمة .
  7. 6 . السمهوري ، عبد القادر ، معجم الألفاظ الدارجة في الأردن وفلسطين .
  8. 7 . العبادي ، أحمد عويدي ، في التراث الشعبي الأردني .
  9. 8 . النوايسة ، نايف ، التراث الشعبي في جنوب الأردن .
  10. 9 . عماري ، نبيل ، موسوعة المصطلحات والأكلات الشعبية الأردنية ( مع حفظ حقوق النشر للمؤلف ) .
  11. 10 . منصة التراث الثقافي الأردني ( ICH ) ، ومنصة معجم اللهجات العربية ، ووكالة جراسا الإخبارية ، ومديريات التراث بوزارة الثقافة الأردنية .