يستعرض المقال إرث " المقثاة " بوصفه رمزاً للهوية الزراعية والاجتماعية في شمال الأردن ، مسلطاً الضوء على أساليب الزراعة التقليدية وتحديات الحفاظ عليها وسط المتغيرات المعاصرة .

" حكاية التراب والسماء " : ذاكرة " المقاثي " ... صيفٌ لا يغيب في ريف الشمال الأردني

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تتشكل هوية الريف الأردني من تفاصيل بسيطة وعميقة في آن واحد ، حيث ترتبط ذاكرة الإنسان بالأرض ارتباطاً وجودياً يمتد عبر الأجيال . ولعل " المقثاة " ، بكونها فضاءً للإنتاج والعمل الموسمي ، لم تكن يوماً مجرد حقلٍ زراعي ، بل كانت مرآة تعكس ثقافة المجتمع الشمالي وقيمه التي قامت على العونة والاعتماد على الذات . إن هذا الإرث الزراعي الذي يفوح برائحة " الفقوس البلدي " ودفء " العريش " ، يحمل في ثناياه فلسفة حياةٍ ارتبطت بدورة الطبيعة وسخاء السماء ، مما يجعله اليوم شاهداً حياً على أصالة الفلاح الأردني الذي صاغ من شح الموارد وموسمية الخير تاريخاً يروى .

​ميثاق الأرض والبعل :

​حين يرحل الشتاء وتلفظ الأرض ما في جوفها من خير ، يبدأ " ميثاق المقثاة " في أواخر آذار وبداية نيسان . إنها ليست مجرد زراعة ، بل هي " هندسة فلاحية " تعتمد على ذكاء الأجداد ، حيث الحراثة العميقة التي تروي التربة بالرطوبة المكنونة ، والخُطوط التي تُخط بعناية لتغدو بيوتاً للفقوس ، والبطيخ ، والشمام . إن سرّ نكهة " المقتي " ( الفقوس ) في شمالنا ، التي لا تُضاهيها أي نكهة ، يكمن في بذرها " بعلاً " ، تستمد غذاءها من رطوبة الأرض لا من ريِّ الآلات ، فجاءت ثماراً تعكس كرم التراب .

​ذاكرة " العريش " والحصاد :

​لا يمكن الحديث عن المقاثي دون استحضار صورة " العريش " ، ذلك الملاذ البسيط من القش والجريد ، الذي كان يقضي فيه الناطور أو الفلاح ليالي الصيف تحت ضوء القمر . كان العريش قلباً نابضاً للضيافة ، ومساحةً للعونة والتعاون بين الأهل والجيران . كان موسم " اللقاط " في هذه السهول عيداً يجمع القلوب ، حيث يُقسم المحصول بالحب ، وتُتبادل أطباق الفقوس الطازج كعربون مودة بين بيوت القرية .

​تنوعٌ في تضاريس الخير :

​تتميز جغرافية الشمال بأنها مزيجٌ فريدٌ من الأنماط الزراعية . فبينما تعتمد سهول إربد وحوران على اتساع الأفق وتربة " الحمراء " الخصبة التي تنتج أفخر أنواع الفقوس ، ترسم مرتفعات جرش وعجلون لوحة مغايرة ، حيث المقاثي التي تتغذى على مياه العيون وتتداخل مع أشجار التين والزيتون في تلاحمٍ بين الجبل والسهل . أما الكورة ودير أبي سعيد ، فتأتي كحدائق معلقة ، تنعم بدفءٍ يسبق الموعد ، لتعلن بداية موسم الخير قبل غيرها .

​نداء للحفاظ على الإرث :

​اليوم ، وبينما يزحف الإسمنت على السهول الخضراء ، وتتصارع المقثاة التقليدية مع تحديات المناخ وتغير أنماط الاستهلاك ، يبقى سؤالنا معلقاً في هواء الشمال العليل : كيف نحمي هذا التراث ؟ إن " المقثاة " ليست مجرد خضروات ، بل هي " هوية بيئية " وجزء لا يتجزأ من تراثنا المعنوي . إن الحفاظ على الأصناف البلدية ، ودعم المزارع الذي يصرّ على زراعة الأرض " بعلاً " رغم القسوة ، هو واجبٌ وطني للحفاظ على ذاكرة الشمال .

​فليظل شمالنا دائماً " مقثاة " للخير ، وليبقَ طعم " الفقوس البلدي " في ذاكرتنا عنواناً للأصالة ، وشاهداً على أن الفلاح الأردني كان ، وما زال ، صانعاً للحياة في قلب الجفاف ، وحارساً للتراب حين تشتد الأزمات . إن استعادة هذا الزخم التراثي ، بوعيٍ وحب ، ليس فقط رداً للجميل للأرض التي أطعمتنا ، بل هو تثبيتٌ للهوية الأردنية في وجه رياح التغيير ، لنضمن بقاء " المقثاة " مدرسةً للقيم والعمل ، يتوارثها الأبناء كأمانةٍ مقدسة في مواسم الخير القادمة .

​قائمة المصادر والمراجع :

​1 ) معجم المعاني الجامع ، تعريف ومصطلحات زراعية عربية .

2 ) موقع موضوع ، أنواع المحاصيل الزراعية الصيفية .

3 ) مقالات التراث الزراعي في بلاد الشام ، ذاكرة الريف الشمالي .

4 ) تقارير إخبارية حول الزراعة الصيفية في الأردن ومخاطر التغير المناخي .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) معجم المعاني الجامع ، تعريف ومصطلحات زراعية عربية .
  3. 2 ) موقع موضوع ، أنواع المحاصيل الزراعية الصيفية .
  4. 3 ) مقالات التراث الزراعي في بلاد الشام ، ذاكرة الريف الشمالي .
  5. 4 ) تقارير إخبارية حول الزراعة الصيفية في الأردن ومخاطر التغير المناخي .