يستعرض هذا المقال تاريخ منطقة عين الباشا في محافظة البلقاء ، كنموذج للتطور الأردني الذي يمزج بين شواهد الحضارات القديمة في " رجم المضمار " وبين مسيرة تنموية حديثة ، جعلت منها مركزاً إدارياً وثقافياً واقتصادياً حيوياً .

عين الباشا : ذاكرة البلقاء التي لا تشيخ وموقع " رجم المضمار " بين عراقة التاريخ وصرخة الإهمال

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

​في رحاب محافظة البلقاء، حيث تتعانق تضاريس الطبيعة الساحرة مع عبق التاريخ الإنساني، تبرز "عين الباشا" كعلامة فارقة في الوجدان الوطني الأردني. تقع البلدة على بُعد حوالي 30 كم شمال غرب عمّان، على الطريق الحيوي التاريخي الذي كان يربط شمال الأردن بجنوبه (الطريق الواصل بين صويلح ومدينة جرش). لتكون بحق مخزناً للذاكرة الحية التي ضربت جذورها في أعماق الأرض منذ فجر التاريخ، مازجة بين شواهد الحضارات الغابرة ومسيرة التنمية الحديثة التي جعلت منها مركزاً إدارياً وثقافياً واقتصادياً حيوياً.

​رحلة في رحاب التسمية

​كثيراً ما يتساءل الباحثون والمهتمون عن سر هذا الاسم الذي يتردد على الألسنة بكل فخر واعتزاز : "عين الباشا". إنها التسمية التي اختزلت حقبة زمنية مفصلية من تاريخ المنطقة الحديث، حيث تُجمع الروايات التاريخية المتواترة على أن هذا النبع المائي المبارك قد شهد وقوف القائد إبراهيم باشا (نجل محمد علي باشا، والي مصر) بجيوشه وعسكره أثناء حملته التاريخية على بلاد الشام في القرن التاسع عشر الميلادي. لم تكن العين مجرد مورد للرواء والمياه العذبة الغزيرة، بل كانت محطة استراحة استراتيجية للقادة والجيوش، فاقترن اسمها بلقب "الباشا" ليبقى رمزاً خالداً يربط الأرض بتلك الأحداث الكبرى.

​صفحات من التاريخ المنسي : الحضارات المتعاقبة على عين الباشا

​بفضل وفرة مصادرها المائية وخصوبة أراضيها السهلية والجبلية، توالت على موقع عين الباشا الحضارات البشرية منذ أقدم العصور :

​1 ) العصور القديمة (العصران البرونزي والحديدي) :

تشير الأدلة والمسوحات الأثرية إلى أن فترة الاستيطان الرئيسية في الموقع تعود إلى العصر البرونزي المتأخر (1550–1200 ق.م) والعصر الحديدي (1200–330 ق.م). وقد ضم الموقع في تلك الحقب مجموعة من الأبنية الضخمة المُشيدة من كتل حجرية ضخمة فوق مساحة واسعة، لتشكل حصوناً دفاعية ومراكز متقدمة لتأمين المجتمع وحماية الطرق التجارية المارة عبر حوض نهر الزرقاء.

​2 ) العصور الإسلامية والوسيطة (الفترة المملوكية والعثمانية) :

مع تتابع الحضارات الإسلامية، استمر استغلال الموقع استراتيجياً؛ حيث حظيت المنطقة باهتمام واسع خلال الفترة المملوكية (648 - 922 هـ / 1250 - 1517 م). وقد دلت الحفريات الأثرية (ولا سيما موسم عام 1974 م بالتعاون بين دائرة الآثار العامة وقسم الآثار في الجامعة الأردنية) على إعادة استثمار الكهوف الطبيعية غير المنتظمة وإضافة عدة غرف جانبية لها لتخزين الحبوب، والسكن، وإيواء الحيوانات. وكانت هذه الممارسات شائعة في العصور الإسلامية المتأخرة والعصر العثماني، خاصة في فترات القلاقل والاضطرابات، حيث تشير الدراسات إلى أن السكان كانوا يلجأون أحياناً إلى الكهوف والمواقع الطبيعية لفترات مؤقتة لتجنب دفع الضرائب للسلطات الرسمية أو اتقاءً للأخطار.

​موقع "رجم المضمار" : بين الروايات التاريخية وواقع الإهمال

​يزخر محيط عين الباشا بالعديد من المعالم الأثرية والتاريخية التي وثّقتها قواعد بيانات المتاحف الدولية، ويأتي في مقدمتها موقع "رجم المضمار" الأثري، الذي تتجاذبه روايات تاريخية متعددة حول طبيعة استخدامه القديم :

  1. الرواية الرومانية والعسكرية : تشير إلى أن الموقع شُيّد كقلعة مراقبة أو حصن دفاعي يشرف على الطرق التجارية القديمة ويسهم في حماية خطوط الإمداد والمواصلات في حوض نهر الزرقاء.
  2. رواية المخازن العثمانية : تذهب روايات أخرى إلى أن الموقع استُخدم في مرحلة لاحقة كمجموعة من مخازن الدولة أو قلاع التخزين والإمداد ذات الطراز العسكري المتين لحفظ الغلال والمؤن.

صرخة في وجه الإهمال :

على الرغم من القيمة الأثرية الكبيرة التي يمثّلها هذا الموقع، إلا أنه يعيش اليوم واقعاً مُؤلماً ومُحزناً من التهميش؛ إذ يحيط به سياج ممزق وباب مفتوح دون أي حراسة أو رقابة رسمية، مما يجعله عرضة للعبث والتخريب وضياع ملامحه التدليلية. وتطرح هذه المشهدية - التي وثقتها بحائطة واقتدار عدسة المصور ساهر قدارة - تساؤلات مؤرقة لكل غيور : لماذا هذا الإهمال المستمر للمواقع الأثرية في الأردن؟ إن الإجابة تكمن في شح التخصيصات وضعف برامج الترويج والحراسة الميدانية.

​التطور الإداري والنمو الديموغرافي الحديث

​شهدت عين الباشا تحولات إدارية وعمرانية لافتة عبر العصر الحديث :

  1. البدايات الإدارية : تأسس أول مجلس قروي في عين الباشا عام 1965 م، ثم تحولت إلى أول مجلس بلدي عام 1974 م برئاسة المرحوم علي فاضل الفاعوري، حيث كانت مساحتها آنذاك قرابة 8 كم² وتعداد سكانها حوالي 3000 نسمة.
  2. مخيم البقعة : أُنشئ مخيم البقعة للاجئين بالقرب منها عام 1968 م ليكون أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في الأردن، وهو ما ساهم بشكل كبير في توسع المنطقة ديموغرافياً وعمرانياً واقتصادياً.
  3. استحداث اللواء : تحولت البلدة رسمياً إلى مركز لـ " لواء عين الباش ا" مطلع عام 1996 م بموجب نظام التقسيمات الإدارية، لتضم عدداً من القرى والبلدات المجاورة مثل صافوط، وموبص، والرمان.

​عين الباشا اليوم

​تتمتع عين الباشا بمناخ متنوع؛ حار جاف صيفاً وممطر بارد شتاءً. واليوم، تشهد المنطقة نهضة تنموية شاملة؛ إذ أصبحت مركزاً صناعياً وحرفياً حيوياً يضم عشرات المصانع وآلاف الورش. وتتعزز أهمية اللواء بوجود مؤسسات حكومية محورية تقدم خدماتها للمواطنين بتميز، وعلى رأسها متصرفية اللواء، والمحاكم الشرعية والصلح، ومديريات التربية والتنمية الاجتماعية، بالإضافة إلى الصرح الطبي الشامخ "مستشفى الأمير الحسين بن عبد الله الثاني". وتتويجاً لدورها الريادي التاريخي والثقافي، استُحق اختيارها (مدينة للثقافة الأردنية) في عام 2013 م.

​إن الحجارة الصماء في المواقع الأثرية كـ "رجم المضمار" ليست مجرد صخور بالية، بل هي شهود صدق على عظمة حضاراتنا، وحمايتها وصيانتها أمانة وطنية؛ فالصقور والذاكرة لا تروق لها الشناشن المنسية، وحماية الإرث هو واجب لضمان بقاء ذاكرة البلقاء حية لا تشيخ للأجيال القادمة.

​قائمة المصادر والمراجع

قائمة المصادر والمراجع

  1. ​1 ) دائرة الآثار العامة الأردنية : تقارير المسوحات والحفريات الأثرية لمحافظة البلقاء .
  2. 2 ) موسوعة "اكتشف الفن الإسلامي" (Discover Islamic Art) : قاعدة بيانات المواقع الأثرية في الأردن (موَضَع : عين الباشا، إعداد : د. محمد النجار، ترجمة : د. غازي بيشة) .
  3. 3 ) الموسوعة الفلسطينية والأردنية (المجلدات الجغرافية) : توثيق المواقع والقرى الأردنية .
  4. 4 ) الأرشيف الوثائقي لجريدة الغد الأردنية : تحقيقات صحفية حول المواقع التاريخية والموقع الأثري "رجم المضمار" (بعدسة المصور ساهر قدارة) .
  5. 5 ) بيانات بلدية عين الباشا الجديدة : السجلات التاريخية لتأسيس المجلس القروي والبلدي والتطور الديموغرافي .
  6. 6 ) موسوعة ويكيبيديا : مداخل جغرافية وإدارية حول لواء عين الباشا .
  7. 7 ) الذاكرة الشفوية المحلية : الروايات المتواترة حول قصة القائد إبراهيم باشا وعسكره .