تؤكد الوثائق التاريخية أن الحضارة الإسلامية سبقت إلى ابتكار ونظم ( جوازات السفر ) وأوراق الطريق عبر عصورها المختلفة لضبط الأمن ، وحفظ الهوية ، وتسهيل حركة التنقل والتجارة .
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
يعتقد الكثيرون أن مفهوم ( جواز السفر ) بوصفه وثيقة رسمية لتنظيم حركة الأفراد وإثبات الهوية هو من مبتكرات العصور الحديثة وثمار المدنية المعاصرة ، إلا أن تتبع التاريخ الإداري والحضاري يكشف عن حقيقة تاريخية تؤكد أن العرب والمسلمين قد سبقوا إلى وضع لبناته الأولى وتنظيمه قبل قرون طويلة لتلبية احتياجات الدولة الأمنية والإدارية وحفظ استقرار البلاد .
المفاهيم والتسميات التاريخية :
لقد عرفت الحضارة الإسلامية هذا النظام المتقدم تحت مسميات عدة تؤدي الوظيفة ذاتها مثل ( جواز المرور ) ، أو ( جواز السفر ) ، أو ( بطاقة الطريق ) ، أو ( صك المسافر ) . وقد نشأت هذه الوثائق في العصور الزاهرة مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية ، بهدف مواجهة تسلل الغرباء من جواسيس وقطاع طرق ، ولحماية الثغور والحدود ، وجعلها وسيلة ضرورية يحملها كل من يدخل بلداً أو يجتاز حدود دولة إلى أخرى في مهمة رسمية أو تجارية .
أصول النشأة والتوثيق المبكر :
تذكر المصادر التاريخية أن بدايات هذه التنظيمات تعود إلى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي منع السفر إلى أرجاء الدولة إلا بإذن منه لمدة معينة وبوثيقة موقّعة بخطّ يده بعد أن بدأت الدسائس والفتن تدخل على المسلمين ، بينما يرجع بعض الباحثين بدايات اتخاذ الجواز المكتوب إلى أوائل المئة الثانية للهجرة في ديار المشرق ومصر والشام والعراق . ومن أبرز الشواهد التاريخية على ذلك وثيقة من العصر الأموي أوردها المستشرق جروهمان في كتابه ( أوراق البردي العربية ) ، والتي صدرت في سنة ست عشرة ومئة للهجرة لعامل أشمون وتضمنت الإذن لشاب يدعى قسطنطين بالعمل لوفاء جزيته والتماس معيشته مع تأمينه وعدم التعرض له طوال مدة أجله .
التطور المؤسسي في العصور الإسلامية المختلفة :
تتبعت النظم الإدارية مسيرة جواز السفر عبر العصور المتعاقبة ، فبلغ الاهتمام به في عهد الدولة الطولونية مبلغاً عظيماً حيث لم يكن يجوز لرجل الخروج من مصر إلا بجواز . وفي بلاد الشام ، يرجع صدور أول جواز سفر إلى سنة 242 هـ في عهد المعتضد بالله العباسي الذي عُني بضبط الثغور وتحرير أجوزة السفر للخارجين والداخلين . وفي عهد عضد الدولة البويهي ، أُحدث لأول مرة نظام مراقبة الأبواب في شيراز لمنع الخارج إلا بجواز وحبس الداخل والمجتاز . وفي العصر المملوكي ، وُضع نظام دقيق لأوراق الطريق حالت دون التنقل بغير إذن ولي الأمر ، وعُني السلطان الناصر محمد بن قلاوون بإصدارها لتجار عصره لتوفير الطمانينة لهم ، بينما اقتصرت في الأندلس ومراكش على مراقبة السابلة وقت الحروب .
شكل الوثيقة وصيغتها الرسمية :
كانت أوراق الطريق أو جوازات السفر تُكتب في قطع صغير وتتخذ صيغة دقيقة تبدأ بسطر يحدد نوع الوثيقة ثم مرسوم سلطاني أو إداري يمكّن الحامل من التوجه لجهة قصده والعود منها ، وتتضمن عبارات الإكرام والاحترام للأمراء وأعيان الناس أو الوصية بالرعاية لغيرهم ، مع إمكانية تضمينها صرف نفقات يومية تعادل بدل السفر والمبيت والإعاشة .
تسجيل البيانات وإدارة الجوازات :
تولى شؤون هذه الوثيقة موظفون مختصون يُعرف الواحد منهم بـ ( متولّي الجواز ) مثل يوسف بن القابني متولي الجواز في بغداد . وكان السجل يتضمن تدوين اسم المسافر ، واسم مرافقيه ، وأعمارهم ، وبلدهم ، وما يرافقه من مال ومتاع وبضائع لضمان حفظ حقوقه وورثته من الضياع في حال التعرض لأي طارئ ، مما يثبت رقي الإدارة الإسلامية وحرصها الشديد على حماية الإنسان وأمن المجتمع .



قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) القرآن الكريم ومصادر السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي العام المتعلقة بضبط الثغور وحركات التنقل ومؤسسات الدولة الأمنية .
- 2 ) المعاجم اللغوية ومصادر التراث ( مثل القاموس المحيط و أساس البلاغة ) حول مدلولات لفظ ( جواز ) و ( أجوزة السفر ) .
- 3 ) الدراسات والأبحاث التاريخية المتخصصة في نظم الإدارة الإسلامية ( مثل أبحاث مجلة الفيصل ومجلة حراء حول تاريخ جواز السفر في الحضارة الإسلامية ) .
- 4 ) المصادر الوثائقية والبرديات العربية التاريخية ( مثل كتاب أوراق البردي العربية للمستشرق جروهمان ) المتعلقة بوثائق الإذن بالعمل والمرور والعهد الرسمي .
- 5 ) كتب التاريخ والتراجم والرحلات الإسلامية ( مثل كتب الطبري وابن الساعي والمقدسي وابن سعيد المغربي ) حول أدوار ( متولي الجواز ) ومراقبة الأبواب وأوراق الطريق في العصور الأموية والعباسية والطولونية والمملوكية .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.