يُعدّ سيل عمّان الشريان التاريخي و النواة الأساسية التي نشأت وتطورت حولها العاصمة الأردنية عبر مختلف العصور ، ليمتد مجراه المائي دافعاً بالحياة والخصوبة نحو الشمال ليصب في نهر الزرقاء العريق .
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
يُعدّ سيل عمّان أو ما يُعرف تاريخياً بـ ( نهر عمّان ) الشريان الحيوي الأول والأساسي الذي قامت على ضفافه أقدم الحضارات وازدهرت حوله التجمعات البشرية منذ آلاف السنين ، إذ يمثل النواة الحقيقية التي نشأت وتطورت حولها مدينة عمّان عبر مختلف العصور التاريخية ، ليمتد هذا المجرى المائي دافعاً بالحياة والخصوبة نحو الشمال ليصب في ( نهر الزرقاء ) العريق .
المسار الجغرافي والخصائص الطبيعية :
ينبع سيل عمّان التاريخي من منطقة رأس العين ( حيث تلتقي ينابيع المياه العذبة الغزيرة ومياه الأمطار ) ، ليشق طريقه متعرجاً نحو الشمال الشرقي لمسافة تقارب ستة كيلومترات ، ماراً بوسط البلد وعين غزال ، ليصب في النهاية كرافد أساسي في نهر الزرقاء ( ثالث أنهار الأردن طولاً ، والنهر الوحيد الذي يجري بين المدن ) . وقد شكّل هذا الوادي المائي الخصيب بيئة مثالية للاستقرار البشري منذ العصر الحجري ، مانحاً المنطقة هويتها الخضراء وطابعها المائي المميز .
عَمَّان مطلع القرن الماضي : بلدة النهر والتاريخ :
في مطلع القرن العشرين ، كانت عَمَّان بلدة وادعة ينبض في قلبها " سيل عَمَّان " ( النهر القديم ) النابع من رأس العين ، حيث شكّل هذا النهر شريان الحياة الأساسي للمدينة ، فعلى ضفافه الخضراء المليئة بأشجار الصفصاف والبساتين ، قامت البيوت وتوزعت الطواحين المائية . وكانت القناطر والجسور القديمة لا تزال قائمة وشاهدة على التاريخ ، تربط بين ضفتي السيل وتستخدمها الدواب والقوافل للعبور ، في بيئة بكر تعتمد كلياً على مياه النهر العذبة للشرب والزراعة .
مشاهدات من عبق التاريخ : عمّان عام 1915 م :
تجسد صور الذاكرة الحية لمدينة عمّان في عام 1915 م ملامح الحياة اليومية البسيطة والنابضة بالحياة في وسط البلد ، حيث كان نهر عمّان ( السيل ) يجري عذباً وصافياً ، محاطاً بالجدران الحجرية الأثرية القريبة من سبيل الحوريات والمدرج الروماني . وفي هذا المشهد العفوي الجميل ، كان يجتمع أهالي المدينة حول شريان الحياة الأول لغسيل الملابس ، وتبادل الأحاديث ، وتسيير تفاصيل يومهم الفطري قبل أن تتبدل ملامح المكان .
أيام النهر والسيل في وادي عمّان الجميل :
تستحضر الذاكرة الشعبية وصحافة التراث تلك الايام الخوالي التي كان فيها ( سيل عمّان ) يجري بكامل رونقه وجماله في قلب وادي عمّان ، حيث كانت ضفافه تمثل متنفساً طبيعياً ساحراً تزينهن البساتين الغناء ، والأشجار المثمرة ، وحقول الخضروات التي ترويها مياه النهر العذبة . وكانت طواحين المياه التاريخية تدور على وقع خرير المياه ، صانعةً مشهداً ريفياً وحضارياً متكاملاً يعبق بالحياة والنشاط الاقتصادي والاجتماعي .
تاريخ المكان والحضارات المتعاقبة :
عُرف المكان قديماً بنهره العذب الصافي الذي أقيمت على ضفافه عواصم وممالك عريقة ، فقد اتخذه العمونيون عاصمة لهم ( ربت عمون ) ، وشهد العصر الروماني تطوراً هندسياً بارزاً تضمن نظام صرف صحي متطور ومعالم أثرية خالصة أقيمت بالقرب من مجرى المياه مثل سبيل الحوريات والمدرج الروماني ، مروراً بالعصور الإسلامية المتعاقبة التي عُنيت بتنظيم مياهه والانتفاع ببساتينه الغناء وطواحينه المائية .
مشروع ( سقف السيل ) وتحولات الحداثة :
مع تزايد أعداد السكان والتوسع العمراني في منتصف القرن العشرين وتحديداً في سبعينات القرن الماضي ، تم اتخاذ قرار هندسي وتنظيمي لتغطية مجرى النهر ( سقفه ) بسبب جفافه الجزئي وحاجة المدينة الملحة لتوسعة الطرق . ونتيجة لذلك ، تحول مجرى السيل القديم في منطقة وسط البلد إلى شارع رئيسي معروف اليوم باسم ( شارع قريش ) أو منطقة ( سقف السيل ) ، بينما تسير مياهه المتبقية اليوم في قنوات مغلقة تحت الأرض لترفد ( نهر الزرقاء ) ومحمياته الطبيعية وسد الملك طلال . وقد واكب هذا التحول الهندسي محطات وتحديات خدمية وبنية تحتية هامة تمثلت في متابعة وصيانة العبارات الضخمة والتحذير من مخاطر انسدادها لضمان انسيابية المياه وسلامة العاصمة . ورغم سقف السيل وتحويله إلى شوارع حديثة في منتصف القرن الماضي ، إلا أن ذاكرة النهر تظل القصة الأساسية لنشأة العاصمة الأردنية .
على الرغم من تغطية مجراه الظاهر في قلب العاصمة وتحديات التلوث والزحف العمراني الذي واجهته ضفافه طوال العقود الماضية ، إلا أن سيل عمّان ونهر الزرقاء يظلان حاضرين بقوة في الذاكرة التاريخية والوجدان الشعبي ، بوصفهما الجوهر الخفي والعمق البيئي الذي وُلِدت على صوته حضارات التاريخ ، وبقيت روحه تسري في ملامح العاصمة وعراقتها المتجددة .


قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) الموسوعة الحرة ( ويكيبيديا ) : مادة ( سيل عمان ) و ( نهر الزرقاء ) .
- 2 ) مقالات الصحافة المحلية ( صحيفة الرأي : مقال "أيام النهر والسيل في وادي عمان الجميل" ، ومقال "سقف السيل أقدم شارع في عمان" ، ومقال "سقف سيل عمان وخطورة انسداده" ) .
- 3 ) تقارير الصحافة الإخبارية والتوثيقية ( وكالة عمون الإخبارية : مقال "حين غاب نهر عمان عن الأنظار" ) .
- 4 ) التقارير الوثائقية والتقارير الثقافية المعاصرة ( شبكة الجزيرة الإعلامية : تقارير وثائقية حول ضفة نهر الزرقاء وتاريخ المياه في المدن الأردنية ) .
- 5 ) بوابات التاريخ الوطني والموسوعات التوثيقية ( موسوعة تاريخ الأردن : توثيق المحطات التاريخية والتراثية والجغرافية لعاصمة المملكة ) .
- 6 ) المدونات والدوريات الثقافية المتخصصة ( مدونة أصدقاء المكتبة والكتب الأردنية : توثيق سيرة مدينة عمان وتاريخ سيل عمان وسيل الزرقاء ) .
- 7 ) الأرشيف التاريخي والدوريات الثقافية ( مجلة السجل ومقالات التراث العمراني : توثيق التحولات التاريخية والبنية الحضرية لوسط البلد في عمان ) .
- 8 ) الأرشيف التاريخي والصور المرئية لمدينة عمّان ( صور الحياة اليومية في وسط البلد عام 1915 م ونظام الصرف الصحي والآثار الرومانية ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.