تعد ( النزالة ) إرثاً أردنياً أصيلاً يجسد قيم التكافل الاجتماعي وحسن الجوار ، وتمثل امتداداً لقيم الكرم العربية القديمة التي عززتها الشريعة الإسلامية السامية كقربة وواجب إنساني مستمر عبر الأجيال .

النزالة : عُرف الجيرة الأصيل في التراث الأردني

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تعد المجتمعات العربية عموماً والمجتمع الأردني خصوصاً منارة في حفظ العهود ورعاية حق الجار ، ومن أروع تجليات هذه القيم المتجذرة في الذاكرة الجمعية تبرز عادة ( النزالة ) ( أو قِرَى الجار ) كتقليد اجتماعي أصيل ومفعم بالمعاني النبيلة . وهي عادة حسنة ورثها أبناء الأردن عن آبائهم وأجدادهم ، وتعتبر من أجمل العادات التي تجمع بين الكرم وحق الجار بإقامة وليمة " عزيمة " تكريماً للجار الجديد الذي يقطن الحي ، سواء أكان ذلك عن طريق شراء منزل جديد أو استئجاره .

​جذور النزالة وقيمتها الاجتماعية :

​1 ) الامتداد التاريخي الجاهلي والعربي : إن جذور إكرام الجار وحماية القادم الجديد وتقديم القِرى تعود إلى أزمنة موغلة في القدم سبقت الإسلام ؛ فقد مثلت هذه الممارسات ركناً أساسياً من أركان المروءة والشرف العربي الأصيل ، حيث تنافست القبائل في إظهار الكرم وتقديم الذبائح وإقامة الولائم لمن ينزل في جوارهم ، وجعلوا من إكرام الجار التزاماً أخلاقياً رفيعاً يتفاخرون به في أشعارهم وأعرافهم .

2 ) الأصول والتقاليد الأردنية : عادة قديمة اعتاد أهالي الأردن عامة وشمال الأردن خاصة القيام بها منذ القدم استمراراً لهذا الإرث العريق ، حيث يقوم كل شخص بذبح الشاة ( الخراف ) تكريماً لجاره الذي نزل بجواره . فعندما ينزل جار جديد سواءً في الحي أو القرية أو العشيرة ، يجب أن يكرم ويقوم الجار بإقامة وليمة كبيرة له ، ويمهل الجار الأقرب ثلاثة أيام قبل أن تنتقل للآخر ، حيث يقوم المعزب بذبح الخراف تكريماً للقادم الجديد وتعريفه ببقية الجيران .

3 ) التكافل رغم شح الرزق : فالعرب مشهورون وخصوصاً أبناء شمال الأردن بالكرم العريق ؛ فعلى الرغم من ضيق ذات اليد وحياة الشح والفقر سابقاً ، كان أبناء العشيرة في شمال الأردن يجتهدون كي يظهروا ويجاهدوا بأنفسهم حتى على قوتهم وقوت عيالهم لإكرام ضيفهم وجارهم وتكثر هذه العادة عند الساكنين في بيوت الشعر سابقاً . ولو لم يجد الشخص ما يقدمه لجاره الجديد ، كان يتصرف بأي طريقة لتأمين تحضير الطعام ودعوة بقية الجيران .

​البُعد الشرعي ورد النزالة والتحديات المعاصرة :

​1 ) الاستناد الشرعي : جاء الإسلام ليقرر هذه القيم النبيلة الموروثة ويرفع شأنها ويضفي عليها طابعاً عقدياً وروحياً ؛ فانطلاقاً من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف والشريعة الغراء التي حثت عناية فائقة على إكرام الجار وجعلت ذلك من أصول الإيمان كقوله تعالى : ( وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ ) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) ، تجسد النزالة تطبيقاً عملياً لحديث إطعام الطعام وتفقد الجار ، لتصبح العادة عبادة وقربة يؤجر صاحبها عليها .

2 ) رد النزالة والتناوب : يتناوب بقية الجيران على عزيمة الجار الجديد وإقامة وجبة غداء له بشكل دوري . وإذا اشترى أحد منزلاً جديداً يجب أن يقوم بعمل النزالة كوجبة طعام أو عزيمة كبيرة للجيران ، ويقوم بعدها بقية الجيران برد العزيمة وعزيمة الجار الجديد بالتناوب . وإذا كان الجار غريباً وجب عليه رد النزالة بالمثل .

3 ) الواقع المعاصر والامتداد الفلكلوري : النزالة من العادات التي كانت عند العرب قديماً وحديثاً ، وربما قلت في هذه الأيام وخاصة في المدن والقرى الكبرى ؛ فإكرام الجار قربة وطاعة يؤجر صاحبها عليها إن احتسب ذلك ، وإذا وصف به الإنسان فهو اسم للأخلاق والأفعال الحميدة التي تظهر منه . ونحمد الله أن كثير من هذه العادات لا تزال موجودة وسارية لوقتنا هذا ولم تندثر بين الناس ، يتوارثها الأبناء من الآباء في جميع مناطق شمال الأردن لكونها تشكل أحد أشكال التراث والفلكلور المتواصل المتأصل .

​تظل ( النزالة ) عنواناً للشهامة ورمزاً للروابط الإنسانية العميقة في مجتمعنا الأردني ، فهي ليست مجرد وجبة طعام عابرة ، بل هي ميثاق محبة وعهد جيرة متين يربط القلوب قبل البيوت ، ولبنة أساسية في بناء مجتمع متماسك تسوده المحبة والوئام عبر الأجيال .


قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) السجل الوطني للتراث الثقافي غير المادي : وزارة الثقافة الأردنية .
  3. 2 ) التراث الشعبي الأردني : العادات والتقاليد الاجتماعية : إرث البادية الشمالية وقرى حوران .
  4. 3 ) الغرايبه ، قيصر صالح 2026 م : " النزالة وعراف الجيرة في التراث الأردني : أصالة القيم وتحديات المدن " ( مقال منشور ) .