يتناول هذا المقال ، بأسلوب علمي وتراثي رصين ، كيف اتخذ الإنسان من أطرافه وجسده مقياساً أولياً للكون والتشريع والطب قبل ظهور النظم الحديثة .

هندسة الأجساد وذاكرة الحضارات : حين كانت أطراف الإنسان مساطر للكون والطب والشرع

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​في عالم تضبطه اليوم شاشات رقمية دقيقة ونظم ميتريَّة بالغة الصرامة ، ينسى المعاصرون أن الإنسان الأول لم يحتج إلى أدوات معقدة لتقدير محيطه ، بل اتخذ من جسده مرآةً ومقياساً . فقد كانت أصابع الكف ، وبسط الذراع ، ووقع القدم ، هي الوحدات الأولى التي أتاحها الخالق للبشر بيسر وسهولة ، فنسجوا بها حضاراتهم ، وقاسوا بها أراضيهم ومسافاتهم ، واستندوا إليها في تقدير معاملاتهم قبل أن تعرف البشرية الأمتار والكيلومترات الموحدة .

وحدات القياس التراثية : من الأنملة إلى القدم :

​تؤكد الدراسات التاريخية والتراثية ، وما وثقته الموسوعات والمصادر المتخصصة كـ " المدرسة العربية " عبر دروس الرياضيات الأساسية ووحدة المساحة ، ومقالات " إسلام أون لاين " عن " مقاييس وأوزان أهل زمان " ، إلى جانب السجلات العالمية المعنية بوحدات القياس الأنثروبومترية المستندة إلى جسم الإنسان ومواقع التوثيق المرئي والمعرفي ، أن هذه المقاييس لم تكن عشوائية ، بل اعتمدت على تقديرات دقيقة تراعي متوسط البنيان البشري . فالأنملة - وهي عرض مفصل الإصبع - قُدرت بسنتيمتر واحد تقريباً ، بينما وُضع الإصبع الواحد ليعادل نحو سنتيمترين . وتدرجت الوحدات صعوداً لتشمل الفتر بنحو 2.50 سنتيمتر ، والشبر الذي يُقيس المسافة بين طرف الإبهام وطرف الخنصر ليستقر عند نحو 11.592 سنتيمتراً . أما القدم ، التي استندت إلى طول قدم الإنسان ، فاستقرت عند نحو 30.8 سنتيمترًا .

هندسة الأطراف الكبرى : الذراع والباع والمسالك :

​ولم تتوقف هندسة الجسد عند الأطراف الصغرى ، بل امتدت لتصنع وحدات كبرى ضبطت حركة البناء والترحال . فالذراع - الممتدة من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى - قُدرت بنصف متر ، بينما بلغ ( الوار ) مسافة متر كامل . وعندما يُمد الذراعان في اتجاهين متعاكسين ، يتجسد ( الباع ) ليصل إلى نحو مترين تقريباً ، ليكون الفيصل في قياس الأعماق والمسافات الواسعة ، إلى جانب استخدام الخطوات والمسافات البصرية والزمنية في تقدير السير والمسالك .

الموازين الشرعية والاقتصادية : حفظ الحقوق والأقوات :

​ولم تقتصر هذه الوحدات على الأطوال المادية وحدها ، بل امتدت في الفقه الإسلامي والتراث العربي لتنظم الحياة الاقتصادية والشرعية بدقة متناهية ، حيث ظهرت الموازين المعدنية والنقدية كالمثقال والدينار والدرهم لتقدير الأثمان والزكوات ، إلى جانب الموازين الحجمية والكيال مثل المدّ والصاع والوسق التي استخدمت لكيال الأقوات والحبوب بناءً على مقادير أهل المدينة النبوية .

الجسد البشري في الطب والرياضة المعاصرة :

​وفي السياق العلمي المعاصر ، تطور هذا المفهوم الأنثروبومتري ليتبوأ مكانة بارزة في الطب والرياضة - كما تفصل الدوريات الطبية الحديثة المعنية بتقييم تكوين الجسم ، ومقاييس الأداء ، والتحرر من الهوس المطلق بالميزان التقليدي نحو الصحة الشاملة - ليبقى الجسد البشري الإطار المرجعي الأبدي لتقييم صحة الإنسان وتكوينه .

الإنسان مقياس كل شيء :

​إن هذه الأنظمة البديلة والفريدة تعكس عبقرية الإنسان في ترويض بيئته واعتماد ذاته أداةً للقياس والتشريع والعلم . فقبل أن تُسطر القوانين الحديثة وتُبنى آلات الدقة العالية ، كانت ذراع الإنسان هي التي تبني البيوت ، وباعُه هو الذي يقيس البحار والأرض ، وموازينه هي التي تحفظ الحقوق ، لتظل هذه الوحدات التاريخية شاهداً حياً على أن الإنسان كان ولا يزال هو مقياس كل شيء .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) المدرسة العربية لتعليم الرياضيات : وحدات القياس الأساسية ووحدة المساحة .
  3. 2 ) موقع إسلام أون لاين : أرشيف المقالات والتراث ، مقال " مقاييس وأوزان أهل زمان " .
  4. 3 ) ويكيبيديا ، الموسوعة الحرة : قائمة وحدات القياس المستندة إلى جسم الإنسان ( List of human-based units of measurement ) .
  5. 4 ) المجلة الألمانية للطب الرياضي ( German Journal of Sports Medicine ) : دراسة قياس الأنثروبومتريا وتقييم تكوين الجسم ( Anthropometry Assessment of Body Composition ) ، عدد 3 ، 2022 .
  6. 5 ) موقع العلوم الحقيقية : مقالات علمية وبيولوجيا الإنسان ، مقال " التحررر من الميزان : قياس الوزن المثالي " .
  7. 6 ) شبكة بينترست ( Pinterest ) : منصة التوثيق المرئي والإنفوجرافيك التعليمي لوحدات القياس والخرائط التاريخية .