يتناول هذا المقال دراسة توثيقية في تراث بلاد الشام حول مصطلح " أندبوري " ، مبيناً دلالاته الاجتماعية وجذوره اللغوية ، ومفرقاً بينه وبين تعبير " دندبوري " .
مفردات من رحيق الذاكرة الشامية : قراءة في جذور وتاريخ تعبير " أندبوري "
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
تختزن التعبيرات الشعبية المتداولة في ربوع بلاد الشام حكايات طويلة من عمر الزمن ، وتكشف عن ملامح الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي خبرها الآدباء والأسلاف .
ويأتي التعبير المركب " أندبوري " ( ويقترن أحياناً بلفظة " دندبوري " ) في صدارة تلك المصطلحات التي تجاوزت حدود المعنى البسيط لتصبح مرآة تنعكس فيها صور الكفاح ، وشظف العيش ، وحكايات الترحال المستمر بين الحواضر والقرى .
دلالات الفقر في الذاكرة الحياتية :
في المدن والبلدات الشامية ، دأب الناس على استخدام هذا النعت للدلالة على من بلغ الغاية في شدة الفقر والعوز ، بحيث لا يجد طعاماً ولا كساءً ، بل يكابد مرارة الحاجة .
وقد استندت الذاكرة البصرية التراثية إلى صورة متجول بسيط يطوف الأزقة ناقراً على دفّه الصغير ، ترافقه طفلة تخطو على أنغام إيقاعه طلباً للقوت ، مما جعل من هذه الهيئة رمزاً مجازياً مألوفاً للفاقة والتشرد في الوجدان الشعبي العام .
بين مسالك اللغة وتأويلات العامة :
تتوزع التفسيرات حول أصل هذا التعبير بين المسالك اللغوية الرصينة والمحاولات العفوية التي لجأ إليها العامة عبر التاريخ :
- الكلمة الأولى ( " نوري " ) : تحيل دلالتها التاريخية إلى الجماعات المتنقلة التي عرفت بنصب الخيام على حواف المدن والقرى ، واشتغلت بالصناعات اليدوية الخفيفة والفنون الترفيهية المتجولـة ، مما جعلها تعيش في عزلة نسبية عن النسيج الحضري المستقر .
- تحليلات اللغويين لجذر ( أندبوري ) :الموروث التركي العثماني : يذهب الباحثون إلى أن اللفظة وفدت مع حقب الإدارة العثمانية لتعبر عن الشخص المتشرد الذي لا يقر له قرار ، والذي يمتهن التجوال بحثاً عن الرزق اليسير .
- الروافد الشرقية والمقارنات : تشير بعض الاجتهادات التاريخية إلى تقارب الصدى الصوتي مع مفردات فارسية تدل على التنقل والحاجة ، مثل لفظة ( مندبور ) .
- الاشتقاق الشعبي الطريف : حاول بعض العامة تفسير الكلمة عبر دمج مصطلحي ( And ) و ( Poor ) في محاولة صوتية طريفة لربطها بالفقر ، رغم بطلان هذا التفسير تاريخياً .
- الجذور العربية : يرى فريق من أهل اللغة أن الأصل يرجع إلى الجذر ( بور ) المعبّر عن الجدب والقحط وعدم الخير ، كما في الأرض البور المعدومة العطاء .
الأبعاد الثقافية وأنثروبولوجيا التهميش :
مثلت تلك الجماعات المتنقلة رافداً هاماً من روافد التنوع الاجتماعي في بيئة بلاد الشام ، إذ أسهمت في نقل بعض الأهازيج البسيطة وأنماط العيش المرتحلة إلى المدن الكبرى .
وقد أفرز هذا التفاعل المستمر قاموساً شفوياً غنياً بالصور المجازية التي تصف حالات العوز الشديد وفقدان الملاذ الآمن .
الفصل الدلالي بين ( أندبوري ) و ( دندبوري ) :
يؤكد الباحثون في شؤون التراث الشعبي على ضرورة التمييز الدقيق بين التعبيرين لاختلاف مضامينهما السلوكية :
- الأندبوري : توصيف صريح ومحدد لحالة العوز المادي القاسي والترحال الدائم بلا استقرار .
- الدندبوري : تعبير يرتكز على الفعل والسلوك ، إذ يتألف من مقطع " دند " الدال على الكسل وقصر الهمة ، ومقطع " بور " الذي يعني انعدام النفع ، ليصبح وصفاً للمتكاسل الذي يرفض السعي ولا مروءة لديه ، بعيداً عن مجرد العوز المادي .
يظل تعبير " أندبوري " وثيقة شفوية حية تسبر أغوار الذاكرة الشامية ، وتضيء زوايا من التاريخ الاجتماعي للمنطقة ، مؤكدة قدرة الإنسان على صياغة لغته الخاصة للتعبير عن آلامه وطموحاته .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) د . حسني الحتاملة : دراسات في " التراث الشعبي الأردني واللهجات الدارجة " ، دار المجدلاوي ، عمان .
- 2 ) د . حنا عماري : كتاب " معجم الألفاظ والتعبيرات الشعبية في بلاد الشام " ، منشورات وزارة الثقافة ، عمان .
- 3 ) سليمان المنسي : بحث ميداني بعنوان " صور الترحال والتسول في تاريخ المدن الشامية " ، مجلة التراث الشعبي .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.