يستعرض هذا المقال ملحمة معركة ذات الصواري وأسبابها وتكتيكاتها العسكرية ودلالاتها التاريخية البارزة .
معركة ذات الصواري : ملحمة الفتح المبين وسيادة المسلمين على البحار
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
تُعد معركة ذات الصواري البحرية التي وقعت في عام 35 للهجرة الموافق لسنة 655 للميلاد خلال عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه ، نقطة تحول كبرى وعلامة فارقة في تاريخ الإسلام والمنطقة . إنها ليست لمجرد اشتباك عسكري عابر ، بل هي أول معركة بحرية كبرى يخوضها المسلمون بكل اقتدار ، لتنطلق منها سيادتهم البحرية وتحتدم على صخورها أمجاد الإمبراطوريات التليدة . وإذا ما تأمل المرء أبعاد هذا النصر العظيم ، فإنه يرى ملحمة من ملاحم البطولة التي جسدت إرادة الأمة الإسلامية وقدرتها على تطويع الصعاب وخوض غمار البحار بعد أن كانت السيطرة البحرية حكراً على الروم لقرون طويلة .
خلفية المعركة وتأسيس الأسطول :
كانت الإمبراطورية البيزنطية تسيطر سيطرة مطلقة على مياه البحر المتوسط بأسطولها الضخم الذي يضم مئات السفن ، مما جعلها تتحكم في التجارة وتمنع أي سفينة من العبور دون إذنها . ومع تزايد نفوذ المسلمين في الشام ومصر ، أدرك معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ( و الي الشام في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ) خطورة هذه الهيمنة على الشواطئ الإسلامية ، فاقترح إنشاء أسطول إسلامي لمواجهة البيزنطيين ، لتكتمل نواة هذا الأسطول وتتجسد قوتها في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه .
وعندما علم الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الثاني ( ابن أخي الإمبراطور هرقل ) بقوة الأسطول الإسلامي الناشئ ، جمع نحو ألف سفينة حربية متوجهاً للقضاء على هذا الخطر الجديد . لكن الخليفة عثمان لم يتردد ؛ فأمر القائد البطل عبد الله بن سعد بن أبي السرح ( و الي مصر ) ومعاوية بن أبي سفيان ( و الي الشام ) بتجهيز الأسطول الإسلامي الذي لم يتجاوز مئتي سفينة مباركة ، لمواجهة العدو في عرض البحر .
إضاءة على قائد الأسطول : عبد الله بن سعد بن أبي السرح
هو عبد الله بن سعد بن أبي السرح العامري القرشي ، وُلد قبل الهجرة النبوية وكان من أصحاب الفطنة والذكاء والشجاعة ، وقد أسلم وصار من كبار قادة المسلمين وولاتها . وُليَ إمارة مصر في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وقاد حركة الفتوحات الإسلامية الكبرى في شمال إفريقيا محققاً انتصارات باهرة ، ليُخلد التاريخ اسمه بوصفه القائد العبقري الذي قاد الأسطول الإسلامي الموحد في هذه المعركة الخالدة وأدار المواجهة بحنكة عسكرية فائقة انتهت بتحطيم الأسطول البيزنطي .
التحديد الجغرافي الدقيق لموقع المعركة :
تُشير المصادر التاريخية والجغرافية إلى أن تحديد النقطة الدقيقة لمعركة ( ذات الصواري ) يخضع لاختلافات واجتهادات بين المؤرخين نظراً لطبيعة المعارك البحرية في عرض البحار المفتوحة ، غير أن الإحداثيات الجغرافية والترجيحات الأرجح تنحصر في الآتي :
1 ) الموقع العام : دارت رحى المعركة في المياه الشرقية للبحر المتوسط ، وتحديداً في المنطقة الواقعة بين سواحل مصر الشمالية وسواحل آسيا الصغرى ،
2 ) سواحل ليكيا ( آسيا الصغرى ) : تذهب غالبية المراجع التاريخية الموثقة إلى أن الاشتباك وقع قبالة ساحل إقليم ليكيا في جنوب غرب الأناضول ( قرب موقع يُعرف تاريخياً بـ « فينيكس » ) ، نظراً لغنى تلك السواحل بغابات السرو المستخدمة في صناعة صواري السفن ،
3 ) السواحل المصرية : يرجح بعض الباحثين أن المعركة دارت في الجهة المقابلة للسواحل المصرية الغربية ( غرب مدينة الإسكندرية أو بالقرب من مرسى مطروح ) انطلاقاً من مساعي الأسطول البيزنطي لضرب القواعد البحرية الإسلامية في مصر .
أساليب القتال وفنونه العسكرية في المعركة :
بدأت مجريات المعركة بأن أرسل عبد الله بن سعد نصف قواته بقيادة بسر بن أبي أرطأة لاستطلاع تحركات العدو ، فعادوا بخبرٍ مقلق يفيد باقتراب ألف سفينة بيزنطية ضخمة . وقف عبد الله بن سعد أمام جنوده يشحذ هممهم ويسألهم عن رأيهم في مواجهة هذا الجمع الغفير ، فنهض رجل من المسلمين بثبات وإيمان عميق مردداً قوله تعالى : ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) ، فارتفعت الروح المعنوية وانطلق الأسطول الإسلامي لملاقاة عدوه .
وحين تقابل الأسطولان في تلك البقعة الاستراتيجية ، برزت عبقرية الفن العسكري الإسلامي في التكيف مع ميدان المعركة الجديد :
1 ) رفض الاقتتال البري : أرسل المسلمون رسالة إلى البيزنطيين يقترحون فيها القتال على البر لتجنب مخاطر البحر ، إلا أن الروم رفضوا ذلك وقالوا : ( بل البحر بيننا وبينكم ) ،
2 ) ليلة الاستعداد والسكينة : هبت ليلة المعركة رياح عاتية ، فأمضى المسلمون ساعات الليل في تلاوة القرآن والذكر والدعاء والتضرع لله ، بينما قضى البيزنطيون ليلهم في اللهو وشرب الخمر ،
3 ) تكتيك ( التثبيت والالتحام المباشر ) : مع هدوء الرياح وانقشاعها ، استخدم المسلمون تكتيكاً عسكرياً فريداً تمثل في ربط سفنهم بسفن العدو بالحبال والخطاطيف الحديدية لتثبيتها ،
4 ) تحويل البحر إلى معركة برية : أدى ربط السفن إلى شل حركة الأسطول البيزنطي الضخم وألغى ميزة التفوق العددي لديهم ، وتحولت المعركة المائية إلى التحام مباشر وجهاً لوجه بالسيوف والرماح على ظهر السفن ، ليصبح البحر قرمزياً بدماء الفريقين وتغطى جثث القتلى سطح الماء .
وقد سُميت المعركة بـ « ذات الصواري » لكثرة صواري السفن المشاركة والمتشابكة التي ازدحمت بها مياه المعركة حتى بدت كغابة من الأخشاب وحديد الصواري تتحدى الأمواج ، وقيل أيضاً لأن أسطول الروم كان يرفع الصلبان على صواريه بينما كان المسلمون يرفعون الهلال .
نهاية المعركة والنصر الساحق :
انتهت المعركة بفضل الله بنصر إسلامي باهر وساحق ، حيث أُبيد الكثير من جنود الروم وقتل منهم ما لا يحصى ولا يُعد ، ودُمِّر أسطولهم وتشتت بقاياه بفعل هبوب الرياح مجدداً ، وغنم المسلمون من حطام السفن والعتاد غنائم لا حصر لها . وأصيب الإمبراطور قسطنطين الثاني بجروح بالغة وفر بمركبه مهزوماً إلى صقلية ، حيث قتله أهلها غضباً من هزيمته الساحقة التي أضرت بهم . عادت سفن المسلمين سالمة ترسو في ميناء عكا ، وبعث القائد عبد الله بن سعد ومعاوية بن أبي سفيان برسالة البشرى إلى الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ففرح الخليفة وابتهج المسلمون بهذا النصر العظيم .
الدلالات التاريخية والسياسية :
لم تكن هذه المعركة مجرد نصر عسكري ميداني عابر ، بل أسفرت عن نتائج استراتيجية عميقة الأثر تتمثل في الآتي :
1 ) إنهاء السيادة الرومية المطلقة التي دامت لقرون طويلة على مياه البحر المتوسط ،
2 ) إثبات كفاءة المسلمين العالية في القتال البحري وتأسيس قواعد الأساطيل الإسلامية القوية الدائمة ،
3 ) تأمين السواحل الإسلامية وفتح آفاق جديدة أمام المد الإسلامي البحري في حوض المتوسط .
هكذا بقيت معركة ذات الصواري صفحةً ناصعة البياض في تاريخ المشرق العربي والإسلامي ، وعنواناً للشموخ والتفوق في مواجهة التحديات . إن ما تنطوي عليه هذه الملحمة من إرث بطولي وأهمية تاريخية واستراتيجية ، يكفل لها دوام الحضور المشرق في ذاكرة التاريخ والوجدان .

قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) الموسوعة الحرة ( ويكيبيديا العربية ) - مادة معركة ذات الصواري ،
- 2 ) شبكة الجزيرة الإعلامية ( مقالات ومدونات التاريخ الإسلامي : الفتح البحري الأول ذات الصواري ) ،
- 3 ) موقع عربي بوست ( تقارير التاريخ الإسلامي : معركة ذات الصواري ) ،
- 4 ) موقع طارق السويدان ( قصة معركة ذات الصواري ) ،
- 5 ) موقع وزارة الأوقاف المصرية ( صفحات تاريخية : ذات الصواري ) ،
- 6 ) موقع تاريخنا ( دراسات وتحليلات معركة ذات الصواري البحرية ) ،
- 7 ) مجلة الجندي ( القوة البحرية في التاريخ الإسلامي ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.