يتناول هذا المقال جبل الشيخ باعتباره قمة شامخة ورمزاً للشموخ والإرث التاريخي والطبيعي في بلاد الشام، مستهلاً عرضه من مشهد بانورامي التُقط من بلدة حوارة الأردنية. ويستعرض المقال موقع الجبل الاستراتيجي الممتد عبر سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة وارتفاعه البالغ 2814 متراً، متطرقاً إلى تسمياته التاريخية المتعددة مثل "حرمون" و"شنير". كما يبرز أهميته الدينية والحضارية كمركز قديم للتقديس والآثار، ويناقش أهميته العسكرية والاستراتيجية والتوغل الإسرائيلي في أجزائه. ويختتم المقال بتسليط الضوء على خصائصه الجغرافية والمائية والبيئية والمعدنية الفريدة التي تجعله خزاناً استراتيجياً للمياه والصخور الطبيعية ومقصدًا سياحيًا وبيئيًا بارزًا في المشرق العربي.

جبل الشيخ : هرم بلاد الشام الشامخ وحارسها الأبيّ

بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه

​حين يتأمل الناظر إلى قمم بلاد الشام العالية ، وتتراءى لعينيه تلك الهضاب والجبال التي طالما شكلت حصناً منيعاً ورمزاً للشموخ ، يبرز جبل الشيخ بوصفه أروع آيات الجمال الطبيعي والإرث التاريخي المتجذر في أعماق الذاكرة العربية . إنه ليس لمجرد قمة جغرافية عابرة ، بل هو عملاق من سلسلة جبال عربية أصيلة يتربع على عرش الطبيعة ، تساقطت على ثلوجه حكايات الأمم ، وتناثرت في جنباته شواهد التاريخ والزمان لتنطق بمداد من الأصالة والرفعة . وإذا ما أمعن المرء النظر في الصورة الرئيسية المرفقة لهذا المقال ، فإنه يرى مشهداً بانورامياً أخاذاً التُقط من قلب بلدة حوارة الأردنية في شمال إربد ، حيث ترتفع مئذنة مسجد أسامة بن زيد شامخة في وسط البلدة ، وفي الأفق البعيد يتراءى جبل الشيخ كالهرم الأبيض العظيم حارساً أميناً لكل الديار .

​قصة الجبل وموقعه الاستراتيجي :

​يحتل جبل الشيخ مكاناً فريداً ضمن سلسلة جبال عربية شامخة ، ويقع في منطقة استراتيجية بالغة الحساسية تمتد حدوده وتتوزع قطاعاته عبر ثلاث دول أساسية :

1  ) سوريا : يشكل الجزء الأكبر والأساسي من جبل الشيخ ، ويمتد ضمن محافظتي ريف دمشق والقنيطرة ، مقترباً بعاصمتها دمشق بمسافة تقارب 40 كيلومتراً .

2  ) لبنان : يحتضن القسم الغربي من الجبل ، ويمتد ضمن محافظة البقاع ، ويبعد عن العاصمة اللبنانية بيروت مسافة 85 كيلومتراً تقريباً .

3  ) فلسطين المحتلة : يشمل الأجزاء الجنوبية من الجبل ، وخاصة في المناطق المرتفعة من هضبة الجولان المحتلة ، حيث يخضع لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي .

​وما يمنحه فرادة استثنائية هو إطلالته البانورامية الواسعة ؛ فهو لا يقع بين سوريا ولبنان فحسب ، بل يطل بمرأاه الساحر على فلسطين والأردن ، لتكون رؤيته ممكنة بوضوح من الكيانات السياسية الأربعة التي كانت تشكل قديماً بلاد الشام التاريخية ( سوريا ، الأردن ، لبنان ، وفلسطين ) ، وكأنما يناجي شمال الأردن ويقف حارساً تاريخياً لكل هذه الديار .

​يبلغ ارتفاع هذا الجبل الأشم نحو 2814 متراً فوق سطح البحر ، مما يجعله أعلى قمة جبلية في المنطقة ، ومنارة طبيعية ترى من مسافات بعيدة عبر مساحة جبلية ضخمة تقدر بنحو 1000 كيلومتر مربع .

​التسميات والدلالات التاريخية العريقة :

​تتعدد التفسيرات والتسميات التاريخية والحضارية التي أُطلقت على هذا الجبل العظيم عبر العصور ، وتتجسد أبرزها في الآتي :


​الأهمية التاريخية والدينية والحضارية :

​شكل جبل الشيخ عبر العصور المتعاقبة بؤرة استقطاب ديني والحضاري بالغة الأهمية :


​الأهمية الاستراتيجية والعسكرية والتوغل الإسرائيلي :

​احتلت إسرائيل أجزاء واسعة من هضبة الجولان وجبل الشيخ خلال حرب عام 1967 لما له من أهمية عسكرية وجغرافية بالغة . ومع التطورات الميدانية الأخيرة وسقوط نظام الحكم في سوريا ، سارع الكيان الصهيوني للسيطرة على المزيد من أجزاء الجبل المرتفعة ، وذلك لعدة أسباب استراتيجية وعسكرية جوهرية :

​1  ) موقع استراتيجي حاكم ، الجبل يُطل على مناطق واسعة في الجولان وسوريا ولبنان وفلسطين ، مما يمنح السيطرة عليه تفوقاً عسكرياً هائلاً ورصدًا دقيقاً للحدود وعمق البلدان المجاورة .

2  ) الموارد المائية الحيوية ، المنطقة غنية بالمياه وتعتبر خزاناً استراتيجياً للثلوج التي تغذي الأنهار والينابيع ، وهو مورد حيوي ومصيري في المنطقة .

3  ) أهمية عسكرية وإنذار مبكر ، إقامة شبكات واسعة من أنظمة الرادار والمراكز العسكرية الحصينة على قممه لتأمين مراقبة وتحكم أمني واستخباراتي واسع النطاق ( ويُعرف أحياناً بـ ( عيون الدولة ) ) .

4  ) التأثير على التوازن الاستراتيجي ، السيطرة المطلقة على القمة تؤثر بشكل مباشر على موازين القوى والتوازن الاستراتيجي في الإقليم .

5  ) السياسة التوسعية ، تأتي هذه الخطوة استمراراً لنهج الكيان التوسعي واستغلالاً للفراغات الميدانية على حساب استقرار دول المنطقة .

​المميزات الجغرافية والمائية والبيئية والمعدنية :

​يتميز جبل الشيخ بخصائص طبيعية وجغرافية فريدة جعلت منه شريان حياة حقيقياً للمنطقة المحيطة به :


​هكذا يبقى جبل الشيخ شمعةً مضيئة في سماء المشرق العربي ، وعنواناً للشموخ والتجذر في تراب الوطن . إن ما تنطوي عليه هذه القمة الشامخة من إرث تليد ، وأهمية استراتيجية وتاريخية وأسطورية ، يكفل لها دوام الحضور في ذاكرة التاريخ والوجدان . ويقترن توثيق هذه المعالم بوفاء الأجيال لأرضها وسيرتها العطرة ، لتظل مناراً تهتدي به عيون الناظرين ، وعربون حب دائم لتراب المنطقة الطهور .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  ) ملحمة جلجاميش ( نصوص الشرق الأدنى القديم والترجمات الأثرية لتوثيق أراضي جبل حرمون ) ،
  3. 2  ) كتابات مؤرخي الشرق القديم ومدونات الحضارات الأمورية والفينيقية والآشورية حول جبل حرمون ( شنير وسيريون ) ،
  4. 3  ) أدبيات الجغرافيا التاريخية لبلاد الشام ودراسات التسميات المكانية والتراثية في المشرق العربي ،
  5. 4  ) الموسوعات الجغرافية والتوثيقية حول سلاسل جبال لبنان الشرقية وحوض نهر الأردن ،
  6. 5  ) الموسوعة الحرة ( ويكيبيديا العربية والإنجليزية ) - مادة جبل الشيخ / ( Mount Hermon ) ،
  7. 6  ) التقارير الاستراتيجية والبيئية حول التحولات الميدانية في مرتفعات الجولان وسفوح جبل الشيخ .