يستعرض هذا المقال الاسم التاريخي المندثر لمدينة إربد الأقحوانة ومكانتها عبر العصور الإسلامية والتاريخية .

الأقحوانة : الاسم التاريخي المندثر لمدينة إربد في بعض المصادر العربية والإسلامية

​بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تتألق مدن التاريخ بأسماء تروي حكايات الأرض وتضاريسها ، ويبقى لكل بقعة جغرافية سر دفين يختبئ بين طيات الزمن . وإذا كانت مدينة إربد اليوم تُعرف بعروس الشمال وعاصمة الثقافة العربية ، فإن لؤلؤة السهول الشمالية هذه قد حملت عبر العصور المتعاقبة ألقاباً وأسماء متعددة تعكس تعاقب الحضارات وخصوبة ذاكرتها التاريخية ؛ إذ تشير المصادر العربية والإسلامية بوضوح إلى أن « الأقحوانة » كان اسماً من أسماء مدينة إربد ومحيطها كما ورد في بعض المصادر العربية والإسلامية في فترة زمنية محددة من العصر الإسلامي الوسيط - وتحديداً خلال الحقبة الفاطمية وعصر الحروب الصليبية والقرون الهجرية الوسطى - علماً بأن هذا الاسم يعد غير معروف وغير مستخدم في الفترة الحالية نهائياً - وذلك استجابةً لروعة طبيعتها وغطاء نباتها البري الذي يكسو سهولها بأزهار الأقحوان كلما أقبل الربيع . وهو الوصف الراسخ الذي تناقلته الأقلام العربية المعاصرة بحنين وتقدير بالغين - كما ظهر جلياً في إفادة جريدة الأهرام المصرية العريقة التي خاطبت المدينة محتفيةً باختيارها عاصمة للثقافة العربية بنداء « الأقحوان » - إلى جانب أسمائها العريقة الأخرى مثل « أرابيلا » الهلنستية والرومانية ، وتحريفاتها اللغوية والتاريخية المتعددة كاسم « بيت إربل » ( الذي ورد في العصر الإسلامي الوسيط ) ومشتقات « الرُبدة » ( التي تداولها المؤرخون واللغويون في العصر الإسلامي الوسيط وما تلاه دلالةً على لون التربة الحمراء والصخور البازلتية السائدة ) .

​وقد أشار إلى هذه التسميات ومكانتها أعلام التاريخ الإسلامي ، مثل السلطان المنصور ( في العهد الأيوبي ، متوفى سنة 617 هجرية م ) ، لتشكل هذه البقعة حلقة وصل بين بلاد الأردن وتخوم نهر اليرموك ووادي الأردن .

​التسلسل التاريخي والتسميات في المصادر الجغرافية :

​استمدت إربد حضورها التاريخي من تعاقب الحضارات وتدرج التسميات عبر المحطات الزمنية المختلفة ، وفق التسلسل الآتي :


​العصور التي ترددت فيها تسمية « الأقحوانة » :

​ظهرت تسمية « الأقحوانة » واقترنت بالمجال الجغرافي لمدينة إربد ومحيطها خلال فترة زمنية محددة وثقتها المصادر العربية والإسلامية ، وتحديداً في :


​الموقع الجغرافي والحدود لـ « الأقحوانة » :

​بحسب ما تذكره المصادر الجغرافية التراثية ، لم تعبر « الأقحوانة » عن نقطة ضيقة ، بل أشارت إلى النطاق الجغرافي الواسع الممتد من إربد ومحيطها وربوع الشونة الشمالية وحتى ضفاف نهر اليرموك ووادي الأردن ، متداخلة مع تخوم سهول حوران الجنوبية والغربية .


​إربد عبر العصور : محطات وإشراقات تاريخية :

​عاشت إربد عهوداً متتابعة شكلت ملامح هويتها الحضارية عبر التاريخ وفق التسلسل الزمني الآتي :

​1  ) العصور القديمة البرونزي والحديدي والروماني والبيزنطي : تشهد آثار تل إربد على استيطان يعود إلى نحو 4500 سنة ، مروراً بالعصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية التي ترك فيها الرومان والبيزنطيون معابدهم وأنفاقهم وكنائسهم الفسيفسائية .

2  ) العصر الإسلامي والفتوحات : أصبحت مركزاً من مراكز الفتح الإسلامي بقيادة شرحبيل بن حسنة ، وشهدت أرضها معركة اليرموك الكبرى بقيادة خالد بن الوليد ، ومر منها موكب النصر الأموي ، وأقام فيها القائد صلاح الدين الأيوبي في طريقه إلى حطين .

3  ) العصور الإسلامية اللاحقة : مثلت المدينة ملتقًى لطرق التجارة ومحطة بريدية وحمام زاجل في العصر المملوكي ، وبنيت فيها معالم عثمانية بارزة كمبنى السرايا عمره 130 عاماً ومبنى المدرسة الرشدية عمره 127 عاماً .

4  ) المرحلة المعاصرة والدولة الأردنية : بعد قيام المملكة الأردنية الهاشمية عام 1921 م ، شارك أهالي إربد في تأسيس الإمارة والمؤتمرات الوطنية ، وتوجت مسيرتها باختيارها عاصمة الثقافة العربية لعام 2022 م .

​الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية :

​مثلت « الأقحوانة » ومحيطها في المصادر التاريخية ركيزة استراتيجية واقتصادية بالغة الأهمية :


​بين تجليات الأرض وزرقة السماء ، تظل إربد حكاية أزلية تتناوب على صياغتها أجيال خلف أجيال ، لا تقتصر هويتها على اسم واحد ، بل تتسع لتتسع لكل هذه الذاكرة الخصبة الممتدة من عمق التاريخ البشري وحتى يومنا هذا . إن استنطاق الأسماء القديمة كـ « الأقحوانة » واستجلاء ملامحها المندثرة ليس مجرد نبش في رفوف الدفاتر الصفراء ، بل هو إعادة اعتبار لروح المكان الذي أبت حجارته وسهوله إلا أن تبقى وفية لخصوبتها وطيب أصلها . فمن أزهار الربيع التي منحت سهولها ذلك الاسم البهي في العصور الوسيطة ، إلى عروس الشمال المتألقة بتاريخها وحضارتها ، تظل إربد منارة تتكئ على إرث عريق من المجد والعروبة والإنسان ، حافظةً للعهد بين الأجداد والأحفاد ، وموقدةً لشمعة المعرفة في مشرق الأرض ومغربها .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) كتب البلدانيات والمسالك والممالك الإسلامية الوصف الجغرافي لتخوم جند الأردن ومخاليف بلاد الشام .
  3. 2 ) مؤرخو وبلدانو العصر الإسلامي الوسيط وعصر الحروب الصليبية إشارات السلطان المنصور في العهد الأيوبي ، المتوفى سنة 617 هجرية م حول تسمية الأقحوانة .
  4. 3 ) معجم البلدان لياقوت الحموي .
  5. 4 ) الأبحاث والدراسات الأكاديمية المعاصرة في جغرافية المدن وتاريخ إربد الإداري وتطور التسميات التاريخية في شمال الأردن بما في ذلك دراسات قسم الآثار في جامعة اليرموك .
  6. 5 ) المؤلفات التوثيقية والبحثية المعاصرة في تراث إربد والجوار مثل مؤلفات الباحثين هند أبو الشعر ، ومحمود عبيدات ، وزياد محمود أبو غنيمة في سفره إربدي يتذكر .
  7. 6 ) المقالات والدراسات التاريخية الصحفية والمنصات العربية والعالمية مثل تغطيات ومقالات جريدة الأهرام المصرية ، وما نشر حول عروس الشمال وأسمائها التاريخية .