يستعرض هذا المقال ، ليوان الغرايبه في بلدة حوارة الأبية ، موثقاً دوره التاريخي والاجتماعي والمعماري كصرح أصيلة للضيافة والصلح العشائري والتراث العريق .
ليوان الغرايبه في حوارة : ذاكرة المكان وحكاية مجدٍ لا يروى إلا كرامةً
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
حين تخطو قدماك في رحاب بلدة حوارة الأبية في شمال الاردن ، وتحديداً بالقرب من زوايا سوبر ماركت الحمدان ، يفوح عبق التاريخ من حجارة ناطقة بالمجد والمروءة . هنا ينهض ( ليوان الغرايبه ) شاهداً حياً على زمن الطيبة والرجولة الصادقة ، ومنارة اجتماعية أصيلة صاغت بوقارها وعراقتها ملامح الهوية الوطنية الأردنية الخالصة . لقد شُيد هذا الليوان على أرض مباركة تعود ملكيتها في الأصل للمرحوم داوود نايل الغرايبه ، ليكون منذ يومه الأول ملتقىً جامعاً لأبناء العشيرة ، ومأوىً لكل شخص يزور بلدة حوارة بشكل عام وعشيرة الغرايبه بشكل خاص ، ومالجأً لكل عابر سبيل ، لذلك كان يتم استضافته واكرامه واطعامه في هذا الليوان . لم يكن هذا المكان يوماً مجرد جدران صماء ترتص بجوار بعضها ، بل كان النبض المتدفق للعشيرة ، وملاذ الحكمة الذي تُعقد تحت سقفه رايات الصلح العشائري ، وتتلاقى في رحابه قلوب الأحبة على المحبة الخالصة والتكافل الإنساني العميق .
1 ) عراقة المشيخات والزعامات الشعبية :
أ ) مخاتير وزعامات حوارة التاريخية :
حين نستنطق ذاكرة الزعامة الشعبية في تلك الحقبة المضيئة من تاريخ الشمال الأردني ، يبرز اسم المختار أحمد عبد ربه الغرايبه الذي شغل منصب مختار بلدة حوارة بأكملها في أربعينيات القرن العشرين بجميع جهاتها وأطيافها . لم يكن عطاؤه محصوراً في حدود عشيرة الغرايبه وحدها ، بل فاض لينثر الخير ويشمل المجتمع بأسره ، فكان عنواناً بارزاً للوجاهة ، وحسن الإدارة ، والقدرة الفائقة على حل النزاعات بحكمة بالغة .
ب ) هيئة الاختيارية الاستشارية :
ومع تعاقب الأيام وتطور الإدارة المحلية في البلدة ، شهدت العائلة والمجتمع تحولاً إدارياً وازناً تمثل في تشكيل هيئة الاختيارية الاستشارية التي ترأسها المختار محمود محمد توفيق الغرايبه ( طبش ) . وقد ضمت هذه الهيئة في عضويتها نخبة طيبة من رجالات العشيرة ومخاتيرها الأوفياء ، أمثال المرحوم سليم الغرايبه ، والمرحوم سعيد الحميد الغرايبه ، وعبد الغني الأحمد الغرايبه ، وغيرهم ممن حملوا أمانة المسؤولية بقلوب صادقة بروح الشورى ووحدة الصف وخدمة أبناء البلدة بكل تفانٍ وإخلاص .
2 ) الحياة اليومية والوظائف الاجتماعية في رحاب الليوان :
أ ) ملتقى العشيرة ومناسباتها الجامعة :
لم يقتصر دور الليوان على كونه مساحة عادية ، بل كان الملتقى النابض بالحياة لأبناء العشيرة في مختلف الظروف والأحوال . فقد شكل المكان حاضنة كبرى لإقامة الأفراح والمناسبات السعيدة ، ومكاناً لتقبل التهاني ، فضلاً عن دوره الأساسي في استقبال المزينين وتقديم واجب العزاء في حالات الوفاة ، ليجسد بحق وحدة العائلة في السراء والضراء .
ب ) مجالس الشورى والصلح العشائري :
امتدت أدوار هذا الصرح لتكون منارة للحكمة والعدالة الاجتماعية ، إذ كان المكان المعتمد لعقد المشاورات المهمة التي تخص شؤون العشيرة . وإذا حدث خلاف لا قدر الله بين افراد العشيرة أو مع عشائر أخرى ، كان الليوان هو الموئل والمقصد لعقد جلسات الصلح العشائري ، ورتْب الصدع ، وإعادة الأمور إلى سابق عهدها من المحبة والألفة ونبذ الفرقة .
ج ) الكرم والضيافة للجميع :
إلى جانب استضافة الضيوف وعابري السبيل ، لم يقتصر دور الليوان على ذلك ، بل كان مأوى للأشخاص الذين كانوا يأتون للعمل عند الغرايبه سواء في الأعمال الزراعية أو أعمال البناء والعمال الأخرى ، ونظراً لأن هذه الأعمال كانت تتطلب المكوث أياماً طوال ، فقد كان الليوان هو المأوى لهم طيلة إقامتهم وعملهم في حوارة . وفي السياق ذاته ، كانت البيوتات المجاورة لليوان تتسابق في بسط موائد الكرم والعطاء ، فترفد الضيوف والعمال بكل ما تجود به مطابخها من زاد أُعد بحب وانتماء صادق للأرض وأهلها .
د ) مجالس السمر وعبق التراث :
ولم تقتصر أدوار الليوان على الجد وقضايا العشيرة ، بل كان واحة روحية وثقافية تعقد في جنباته أمسيات السمر الجميلة التي تروى فيها القصص والحكايات التراثية الأصيلة إلى جانب مجالس الشعر والربابة . ولعل أهم ما يقدم في هذه السهرات والمجالس هو القهوة العربية السادة وكذلك الشاي في حفلات السمر وغيرها ، مما يعكس أصالة الضيافة وحسن الكرم . ومن فيض ذاكرة والدي المرحوم الحاج صالح مصطفى الغرايبه ( أبو خلدون ) ، نستعيد بكل شغف أمسيات الشاعر التراثي عبود الشبيل ، وهو ينثر أشعاره العذبة ويشجي قلوب الحاضرين بأنغام ربابته التي تلامس الروح وتتردد أصداؤها بين جدران الحجر البازلتي .
3 ) محطات الفداء والوفاء في ذاكرة العائلة :
أ ) فاجعة الحريق الأليم :
إن مسيرة التاريخ لا تخلو من محطات قاسية ومواقف اختبار للجلاد والصبر . فاستناداً إلى شهادات حية موثقة ، وفي مقدمتها ما رواه والدي المرحوم الحاج صالح مصطفى الغرايبه ( أبو خلدون ) باعتبارها شهادة طفل صغير عاش تفاصيل تلك اللحظات الحرجة وشهد أهوالها ، فقد تمكن بفضل الله من النجاة هارباً عبر شباك الليوان دون أن يصاب بأذى . كما نستذكر بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره فاجعة حريق الليوان الأليمة التي وقعت في منتصف أربعينيات القرن الماضي ، راح ضحيتها ثلة نقية من خيرة شباب ورجال العائلة الأوفياء : حامد العبد الرحمن الداود الغرايبه ، وحيدر العبد الغرايبة ، ونجيب العوض الغرايبه ، رحمهم الله جميعاً وأسكنهم فسيح جناته .
ب ) صمود وجرحى المحنة :
كما أسفرت تلك الحادثة المفجعة عن تعرض عدد من الأشخاص لإصابات بالغة لكنهم لم يتوفوا ، وكان في مقدمتهم المرحوم تركي سعيد الحميد الغرايبه ( أبو عدنان ) ، الذي جسد بصبره الجميل وصلابة جرحه معاني التحدي والوفاء ، ليغدو رمزاً من رموز الصمود في مواجهة المحن وقوة الانتماء لجذور هذه العائلة التاريخية العريقة .
4 ) الهندسة المعمارية والاستدامة البيئية :
أ ) هندسة ( الربد ) الحجرية :
يُعد ليوان الغرايبه بتصميمه الفريد بمثابة ( مختبر ميداني ) ذكي ومبكر يبرز عبقرية الأجداد في تطويع قسوة الجغرافيا والتأقلم مع المناخ المحلي . فقد اعتمد البناء على استخدام الحجر البازلتي الأسود البركاني المتين في تشييد أسقف ( الربد ) الحجرية التقليدية ، وهي ذلك النمط المعماري العريق القائم على رصف الحجارة السوداء الطويلة فوق القناطر المحكمة لتغطية أسقف البيوت والدواوين القديمة ، مما منحها لوناً داكناً مهيباً وقوة استثنائية صمدت بقوة في وجه تقلبات الزمان .
ب ) مدرسة في الاستدامة الاجتماعية :
إن هذا الصرح المعماري المتميز يتجاوز مفهوم البناء التقليدي ليمثل مدرسة متكاملة في الاستدامة الاجتماعية والبيئية . إنه أيقونة خالدة تُعلم الأجيال الناشئة كيف تُبنى البيوت باحترام عميق للطبيعة ، وكيف تُحفظ الذاكرة الجماعية لتظل تنبض بحيوية الهوية العربية الأصيلة الممتدة في جذور التاريخ .
يبقى ليوان الغرايبه في حوارة شمعة مضيئة في كتاب الوطن ، وحكاية وفاء متجددة ترويها الأجيال عن عائلة بذلت الغالي والنفيس لتبقى الراية عالية والروابط متينة . إنه رمز للعطاء الذي لا ينضب ، ومعلم من معالم الأصالة الأردنية التي تجمع بين صلابة الحجر ولين القلوب ، ليظل هذا السفر الخالد مرجعاً حياً لكل محب للتراث والانتماء الصادق للتربة الطاهرة .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) مدونة الأستاذ قيصر صالح الغرايبه .
- 2 ) شهادة ومرويات والدي المرحوم الحاج صالح مصطفى الغرايبه ( أبو خلدون ) ، التي وثقت تفاصيل فاجعة الحريق التاريخية وذكريات الطفولة وتفاصيل الحياة اليومية في الليوان .
- 3 ) شهادة وذكريات السيد أبو مهران كمال الغرايبه ، باعتباره شاهداً عيانياً على تفاصيل المناسبات والأحداث الاجتماعية في الليوان .
- 4 ) الشهادات الحية والموثقة من الأديب الأستاذ هاشم البديوي غرايبه والسيد نواف عبد الله الغرايبه حول تفاصيل المحطات التاريخية وفاجعة الحريق .
- 5 ) الروايات الشفوية العشائرية المتواترة والموثقة عن تاريخ زعامات ومخاتير بلدة حوارة وتطور الإدارة المحلية فيها خلال حقبة أربعينيات القرن العشرين وما قبلها .
- 6 ) الموروث الثقافي والتراثي المحلي المرتبط بسيرة الشاعر التراثي عبود الشبيل وذكريات مجالس السمر والربابة .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.