يستعرض هذا المقال ، جذور الإدارة المحلية التقليدية والزعامات العشائرية في شمال الأردن وأدوارها في حفظ الاستقرار وصولاً لتأسيس البلديات.
تاريخ الإدارة المحلية والوجاهة في شمال الأردن
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تُعد دراسة البنى الاجتماعية والسياسية التقليدية في شمال الأردن مدخلاً أساسياً لفهم تطور الدولة الحديثة في المنطقة ، إذ لم تكن التجمعات القروية والريفية مجرد كيانات جغرافية معزولة ، بل نظّمت حياتها عبر أنظمة أهلية متكاملة استندت إلى العُرف ، والقانون غير المكتوب ، والسلطة الأدبية والمعنوية للوجهاء والشيوخ ، والروابط العشائرية المتينة.
وقد تشكلت هذه المنظومة الاجتماعية في ظل ظروف تاريخية وأمنية معقدة شهدت فراغاً سياسياً وإدارياً دفع بالمجتمعات المحلية إلى اعتماد شبكة صلبة من الوجاهة لإدارة شؤون الحياة اليومية ، وحفظ الأمن ، وفض النزاعات بالطرق العرفية.
ويأتي هذا المقال لتفكيك آليات الإدارة المحلية التقليدية ، واستعراض خريطة الزعامات والعائلات النافذة في شمال الأردن ، وتتبع مسار تحولاتها وصولاً إلى قيام مؤسسات الإدارة الحديثة والبلديات.
1 ) السياق التاريخي والأمني لتشكل الزعامات المحلية في شمال الأردن :
أ ) الواقع الأمنـي والفراغ السياسي ونشأة القائمقاميات :
قبل الحديث عن زعامات الشمال في العهد العثماني ، علينا أن نؤكد على جملة من النواحي الأمنية التي برزت مع وجود حالة من عدم الاستقرار في بعض مناطق الأردن بسبب وجود فراغ سياسي وأمني.
ونتيجة لذلك ، نشأ ما يُعرف بقائمقامية إربد ، والسلط ، والكرك ، حيث كانت أول قائمقامية أنشأتها السلطات العثمانية في إربد عام ( 1851 م ).
لاحقاً ، وفي عام ( 1867 م ) ، قام والي الشام راشد باشا على رأس حملة كبيرة بالسيطرة على السلط وأنشأ قائمقامية ألحقت بمتصرفية البلقاء.
وهذا يعني أن الأردن زمن الحكم التركي كان يوجد فيها متصرفية في الكرك ومتصرفية في البلقاء.
ثم قام حسين باشا حلمي متصرف الكرك بتجهيز حملة كبيرة لإخضاع الوسط والجنوب لتكون مناطق تابعة للكرك ، وكانت مركز متصرفية تحكم الجنوب الأردني عام ( 1894 م ).
وقد أدت هذه التحركات إلى استقرار نسبي وملحوظ في الجانب الجغرافي والأمني ، حيث كانت تحدث صراعات للسيطرة على المناطق المأهولة بالسكان ، ولذلك التجأ العديد من سكان المناطق إلى السكن بالقرب من مراكز الثقل العشائري ، إن كان في الجنوب ، أو الوسط ، أو الشمال ، ولتعريف القارئ على المشيخات والزعامات التي كانت تمارس السيطرة الأمنية أو تساعد القائمقاميات على ضبط الأمن في المناطق ذات الكثافة السكانية.
ب ) خريطة المشيخات والزعامات في شمال الأردن ( القرون 17 - 19 ) :
توزعت الاستوطنات البشرية في شمال الأردن المستندة إلى السهول الخصبة والمرتفعات على شكل قرى زراعية ومضارب رعوية ارتبطت ببعضها بشبكة من التحالفات.
واستناداً إلى الوثائق والمصادر التاريخية مثل كتابات الباحث تحسين أحمد التل وغيره ، فقد برزت خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر والمرحلة اللاحقة مشيخات وزعامات محددة لكل ناحية :
وقد نالت هذه العائلات والزعامات مكانتها عبر آليات متعددة :
ج ) السلطة التقليدية في مواجهة السلطة المركزية العثمانية :
لم يغب شرق الأردن عن التنظيمات الإدارية العثمانية ، فقد كان حاضراً بسبب الجغرافيا المهمة التي ترتكز عليها هذه المنطقة آنذاك بالنسبة للدولة العثمانية.
وخلال أواخر العهد العثماني ، ولا سيما بعد تطبيق قانون الأراضي لسنة ( 1858 م ) وتطبيق قانون الولايات العثماني ، سعت الدولة المركزية إلى إخضاع مناطق الشام لسيطرتها المباشرة وفرض الضرائب.
وفي هذا السياق ، لعبت الزعامات المحلية في شمال الأردن دور الوسيط الضروري :
1 ) جباية الضرائب : استخدم الشيوخ والوجهاء أحياناً كحلقة وصل لجمع الميرية والضرائب والأمريات لصالح الإدارة العثمانية والمتصرفيات وقائمقاميات مثل إربد وعجلون.
2 ) حفظ التوازن : حماية الفلاحين من تعسف جباة الضرائب أو البدو ، وحفظ استقرار الحيز الجغرافي للقرى ، مقابل الحفاظ على مواقعهم ونفوذهم الاعتباري والقيادي داخل مجتمعاتهم المحلية.
2 ) آليات تنظيم شؤون القرى والمجتمع المحلي :
قبل ظهور المجالس البلدية والقروية الرسمية ، أدارت العائلات والزعامات المحلية شؤون الحياة اليومية وفق هندسة اجتماعية دقيقة استندت إلى منظومة من القواعد والتقاليد غير المكتوبة؛ شملت الجوانب الآتية:
أ ) إدارة الموارد الاقتصادية والزراعية ( نظام المياعة والشياع ) :
ب ) إدارة قطاع المياه والموارد المائية :
صيانة الينابيع والبرك : نظّمت الزعامات المحلية عمليات تنظيف قنوات الري ، وصيانة البرك التقليدية مثل برك تجميع مياه الأمطار في القرى والسهول ، وتحديد الحصص المائية اليومية لكل عائلة سقيًا وزراعة ، منعاً للنزاعات التي قد تنفجر بسبب شح المياه في موسَم الجفاف.
ج ) التكافل الاجتماعي والأمن الغذائي :
الديوان أو المضافة : شكلت المضافة أو الديوان التابع للزعيم أو العائلة البارزة المؤسسة الإدارية الأولى ، ففيها تُتخذ القرارات ، وتُناقش قضايا القرية ، ويُطعم الضيف وابن السبيل ، وقاد الوجهاء جهود إغاثة المحتاجين وتدبير شؤون التضامن وقت الأزمات والمجاعات.
3 ) القضاء العشائري وفض النزاعات ( الإدارة العدلية التقليدية ) :
مثّل فض النزاعات الميدان الأبرز الذي تجلت فيه هيبة الزعامات المحلية والوجهاء عبر الاحتكام إلى العرف وقواعده المتوارثة.
وقد غابت المحاكم النظامية بالمعنى الحديث لقرون طويلة في الفضاءات الريفية ، فحل محلها القضاء العشائري الذي تم إدارته عبر نخبة من شيوخ العرف والقضاة العارفين بالأصول والأعراف.
أ ) أنواع النزاعات التي تم التعامل معها :
ب ) أدوات ومؤسسات التقاضي العشائري :
1 ) المجالس العرفية ( الجلسات ) والقصاص : عالج وجهاء القرى قضايا الدم والنزاعات من خلال العرف العشائري وقضاة العرف من القصاص والدواوين.
2 ) الجاهة والعطوة والصلح : عندما تقع جريمة أو نزاع كبير ، تتحرك الجاهة المكونة من وجهاء وزعامات مشهود لها بالحكمة لتطويق الأزمة عبر طلب العطوات لتحقيق الصلح وحقن الدماء ، وغالباً ما تبدأ بطلب عطوة أمنية وهي هدنة مؤقتة لمنع ثورة الدم أو تصعيد الخلاف ، تليها مفاوضات شاقة للوصول إلى الصلح العشائري وإصدار الأحكام. وقد فرضت الزعامات هيبتها لتنفيذ هذه القرارات ، مما منع تحول الخلافات الفردية إلى صراعات دموية واسعة النطاق تهدد بقاء القرى واستقرارها الزراعي.
3 ) الكُفّار والمُقاضاة : اللجوء إلى قضاة العرف المتخصصين مثل قضاة الدم ، وقضاة التواريع ، وقضاة السنع ، وهم الذين صارت قراراتهم ملزمة للطرفين مدعومة بقوة الردع الاجتماعي والمقاطعة لمن يرفض الحكم.
4 ) السنع والعادة : الاحتكام إلى مجموعة القواعد المرعية المتوارثة التي تحدد الديات ، والعقوبات المالية ، وحقوق الجوار ، وآليات رد الاعتبار مثل البيضة المنكسرة أو إعلان البراءة.
4 ) التحول التاريخي نحو البلديات الحديثة ( فترة إمارة شرق الأردن وما بعدها ) :
تراجع النفوذ المطلق للزعامات التقليدية تدريجياً مع تطبيق قانون الولايات العثماني وتأسيس أول مجلس بلدي في بلدية إربد عام ( 1883 م ) ، ثم تشكيل لجان وأقضية جديدة.
لقد شكلت الإدارة المحلية والوجاهة في شمال الأردن النظام الفقري الذي ضمن استقرار المجتمعات الريفية واستمراريتها في وجه تقلبات السلطة المركزية وشح الموارد ، لاسيما عبر إدارة الممتلكات والأنظمة الزراعية الدقيقة مثل نظام المياعة.
وقد أثبتت العائلات والزعامات المحلية قدرة عالية على التكيف التنظيمي عبر إدارة الأراضي والمياه وفض النزاعات بصرامة العدالة العرفية التي حالت دون تفكك النسيج الاجتماعي.
ومع قيام الدولة الحديثة وتأسيس البلديات والمجالس المحلية ، لم تختفِ هذه الأدوار بل تحولت من الأطر البحتة الأهلية والعشائرية إلى روافد أساسية ساهمت في بناء مؤسسات الإدارة المحلية الرسمية وإرساء الاستقرار السلمي والمجتمعي.
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) كتاب تاريخ شرق الأردن واقتصاده خلال القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين ، للدكتور رؤوف أبو جابر ( 2009 م ).
- 2 ) كتاب تاريخ شرقي الأردن وقبائلها ، للقائد العسكري اللفتنانت كولونيل فريدريك بيك ، الطبعة الأولى ( 1998 م ).
- 3 ) وثائق نيابة عشائر الأردن ، برئاسة سمو الأمير شاكر ، عثمان قاسم كاتب نيابة العشائر ، تاريخ ( 23 - 8 - 1922 م ).
- 4 ) كتابات ومخطوطات الباحث تحسين أحمد التل ، وتحديداً حول زعامات الشمال في القرن الثامن عشر الميلادي ومخطوط الحياة السياسية في الأردن خلال مئة عام ( 1920 - 2020 م ) وعدد من الوثائق في الأرشيف الشخصي.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.