يتناول المقال السيرة النضالية والجهادية لشيخ الشهداء عمر المختار " أسد الصحراء " ، مستعرضاً نشأته ، ومحطاته العسكرية والتفاوضية ضد الاحتلال الإيطالي ، وصولاً إلى أسره وإعدامه عام 1931 م ليبقى رمزا تاريخيا خالدا للحرية والمقاومة .

شيخ الشهداء عمر المختار : العباءة التي هزت عرش الإمبراطورية

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تصادف اليوم الأربعاء 16 أيلول 2026 م الذكرى الخامسة والتسعون لاستشهاد شيخ المجاهدين " أسد الصحراء " عمر المختار ، الذي أعدمه الاحتلال الإيطالي في بلدة سلوق عام 1931 م ، حيث تتجدد في الذاكرة العربية والإسلامية الذكرى العطرة للرمز الخالد للحرية والمقاومة ، الذي قاد النضال ضد الاستعمار الإيطالي لأكثر من عقدين من الزمان ، وظل سداً منيعاً أمام المطامع التوسعية في الساحل والداخل الليبي .

​النمير السنوسي : من محراب العلم إلى ميدان الجهاد :

​يعود نسب عمر بن مختار بن عمر المنفي إلى بيت فرحات من قبيلة المنفة القاطنة في منطقة البطنان بشرق ليبيا . ولد في 20 آب عام 1858 م ( أو 1861 م وفق بعض الروايات ) في زاوية " جنزور " بالقرب من مدينة طبرق . ولم يعاصر المختار والده طويلًا إذ توفي وهو طفل صغير ، فكفله الشيخ حسين الغرياني شيخ الزاوية السنوسية في جنزور ، وأدخله مدرسة القرآن الكريم بالزاوية السنوسية . ثم انتقل إلى مدينة " الجغبوب " حيث قضى بها ثمانية أعوام كاملة ينال العلم ويستزيد من علوم القرآن الكريم والسنة والفقه على يد كبار علماء ومشايخ الحركة السنوسية ، فشَبّ على التقوى والعفة والقدرة على الإصلاح بين القبائل العشائرية .

​عاش المختار تفاصيل ملحمة التحرير منذ بداياتها الأولى ، ففي 29 أيلول 1911 م ، عندما أعلنت إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية وقصفت بارجاتها الحربية المدن الساحلية الليبية ، كان عمر المختار مقيماً في " جالو " بعد عودته من مدينة " الكفرة " . وما إن علَم بنبأ الغزو حتى سارع بإصدار نداءاته وتجميع المجاهدين وتنظيم صفوفهم في السلسلة الجبلية ، وظل يقود المعارك ضد الطليان تحت إمرة السيد أحمد الشريف السنوسي ، الذي سلّم القيادة لاحقاً للأمير محمد إدريس السنوسي ، فعيّن الأخير عمر المختار نائباً له وقائداً ميدانياً للمقاومة الليبية .

​المحطات السياسية والتفاوضية : صمود بلا مساومة :

​لم تقتصر جهود عمر المختار على الجانب العسكري الميداني فحسب ، بل شهدت مسيرته حراكاً سياسياً وتنظيمياً واسعاً ، ففي آذار 1923 م سافر إلى مصر بصحبة علي باشا العبيدي للقاء الأمير محمد إدريس السنوسي وعرض نتائج الأعمال الميدانية عليه وتلقي التوجيهات اللازمة ضمن خطة شاملة للدفاع عن ليبيا .

​ومع تعيين الجنرال الإيطالي " بادوليو " حكماً عسكرياً على ليبيا في كانون الثاني 1929 م ، حاول التظاهر بالرغبة في السلام لكسب الوقت وتكتيك التهدئة ، ففتح باب التفاوض مع المختار . واستجابة لنداء السلام وحقناً لدماء الأهالي ، التقى عمر المختار بـ " بادوليو " على رأس الوفد الإيطالي في 19 حزيران 1929 م في منطقة " سيدي أرحومه " ، غير أن المفاوضات سرعان ما فشلت إثر أطماع المحتل واشتراطاته التعسفية ، فتواصلت شرارة الثورة .

​عقب ذلك ، تولى السفاح الجنرال " رودولفو غرازياني " إدارة العمليات الإيطالية ، وبدأ بتطبيق سياسات قمعية غير مسبوقة ، فنفى العديد من مشايخ البلاد إلى السجون في إيطاليا ، وفرض عقوبة الإعدام الفورية على كل من يتصل بالثوار أو يمدّهم بالميرة ، واعتقل أعداداً غفيرة من الأهالي لمنع الحاضنة الشعبية عن المجاهدين .

​ملحمة الجبل الأخضر : حرب العصابات الصارمة :

​على مدى عشرين عاماً كاملة ( 1911 - 1931 م ) ، خاض عمر المختار معاركه الشرسة في شعاب وهضاب الجبل الأخضر ، معتمداً على تكتيكات حرب العصابات القائمة على الخفة والسرعة والمباغتة . استطاع المجاهدون بفضل حنكة المختار المعرفية بجغرافية الأرض كسر الهيبة العسكرية للجيش الإيطالي وإبطال فعالية سلاح الطيران والمدفعية الثقيلة ، ليدوّن المختار اسمه بحروف من نور كأحد أبرز القادة الميدانيين في تاريخ حركات التحرر الوطني .

​محطات النهاية : الأسر والمحاكمة ومشهد الإعدام التاريخي :

​في 11 أيلول 1931 م ، وأثناء جولة استطلاعية لتفقد التشكيلات الجهادية ، تمكنت القوات الإيطالية من إحكام الحصار عليه والإيقاع به أسيراً بعد أن قُتلت فرسه . اقتيد الشيخ الطاعن في السن ( نحو 70 - 73 عاماً ) مكبلاً إلى بنغازي ، وفي الساعة الخامسة مساءً من يوم 15 أيلول 1931 م ، جرت له محاكمة صورية ظالمة شكلاً وموضوعاً ، إذ كانت السلطات الاستعمارية قد فرغت من إعداد المشنقة تماماً وترتيبات الساحة قبل انعقاد المحكمة وصدور الحكم .

​وفي صباح اليوم التالي ، الأربعاء 16 أيلول 1931 م ، اتخذت القيادة الإيطالية جميع التدابير الأمنية العالية لتنفيذ الحكم ، واستدعيت كافة أقسام الجيش والميليشيات والقطاعات العسكرية ، وأحضر أكثر من 20 ألفاً من الأهالي والمعتقلين قسراً إلى بلدة سلوق ليشاهدوا إعدام قائدهم .

​أحضر الشيخ عمر المختار وهو مكبل اليدين ، وفي تمام الساعة التاسعة صباحاً أُسلم إلى الجلاد . وبمجرد وصوله إلى منصة المشنقة ، بدأت الطائرات الحربية الإيطالية بالتحليق المكثف والسريع في الفضاء فوق ساحة الإعدام على ارتفاعات منخفضة وبأصوات هادرة ومدرية ، وذلك في محاولة صريحة لمنع الأهالي المحتشدين من الاستماع إلى أي كلمة أو وصية قد يوجهها عمر المختار إليها في لحظاته الأخيرة . غير أن الشيخ صعد بثبات ويقين ، واكتفى بترديد الشهادتين والتوجه إلى بارئه ، ونُفّذ فيه حكم الإعدام شنقاً ليتحول إلى رمز تاريخي خالد ، تاركاً مقولته الشهيرة التي تتردد عبر الأجيال : " نحن لا نستسلم ، ننتصر أو نموت ، وهذه ليست النهاية ، بل سيكون عليكم أن تقاتلوا الجيل القادم والأجيال التي تليه " .

​الإرث والرمزيّة الوطنية :

​إن مسيرة عمر المختار تظل نموذجاً حياً يسير على دربه أبناء الأمة في نضالهم ضد المستعمر والظلم ، فقد برهنت حياته واستشهاده على أن الفكرة لا تموت بإعدام القائد ، وأن المبادئ السامية المشفوعة بالإيمان والكرامة تتجاوز غطرسة القوة . لقد ظلت كلماته ووقفته أمام المشنقة حية في الوجدان العربي والإسلامي ، مصدر إلهام متجدد لكل أحرار العالم .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  ) الصلابي ، علي محمد ( 2005 م ) . عمر المختار : أصالة الجهاد واستقامة النهج . دار المعرفة ، بيروت .
  3. 2  ) غرازياني ، رودولفو ( 1980 م ) . عمر المختار والأيام الأخيرة ( ترجمة : أمين إبراهيم الملاح ) . دار الفرجاني ، طرابلس .
  4. 3  ) الأشهب ، تيسير ( 1956 م ) . عمر المختار : نشأته وحياته وجهاه . مطبعة الاستقامة ، القاهرة .
  5. 4  ) مناع ، محمد عبد الرزاق ( 1972 م ) . مواقف مجاهدة في تاريخ ليبيا : عمر المختار . دار المعارف ، القاهرة .
  6. 5  ) إيفانز بريتشارد ، إدوارد ( 1963 م ) . السنوسية في برقة ( ترجمة : عمر الديراوي ) . دار اللسان العربي ، بنغازي .
  7. 6  ) جريدة اليوم السابع ( 16 أيلول 2019 م ) . تعرف على سر تحليق الطائرات لحظة إعدام عمر المختار . تقرير تاريخي آرشيفي ، القاهرة .
  8. 7  ) بوابة الوسط الإلكترونية ( 13 أيلول 2026 م ) . ذكرى شيخ الشهداء عمر المختار ونسبه وكفالته . تقرير إخباري وتاريخي ، ليبيا .
  9. 8  ) بوابة الهدف الإخبارية ( 16 أيلول 2020 م ) . في ذكرى استشهاد عمر المختار قائد الصحراء الذي هزم الاستعمار . مقال تاريخي وثائقي ، فلسطين .