يستعرض المقال الأهمية الجغرافية والتاريخية لقلعة عجلون الشامخة كمعجزة عسكرية إسلامية صامدة، موثقاً تطورها المعماري عبر العصور ومكانتها التراثية محلياً وعالمياً.

قلعة عجلون الشامخة : معجزة العمارة العسكرية الإسلامية وشاهدة الانتصارات الأيوبية

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​ثمة أمكنة لا تصنعها حجارة الصوان فحسب ، بل تصيغها عبقرية الجغرافيا وتضحيات التاريخ ؛ حيث تقف الجبال شامخة كحراس أوفياء للذاكرة الإنسانية . ومن بين هذه القمم التحصينية الملهمة ، تبرز قلعة عجلون ليس كمعلم أثري يرتادُه السائحون ، وإنما كوثيقة وطنية وقومية ناصعة ، تلخص حكاية الأمة في الدفاع عن هويتها ، وتقدم شاهداً حياً على روعة العمارة العسكرية وعظمة العهدين الأيوبي والمملوكي في صون ثغور بلاد الشام وحفظ مقدراتها .

​تتربع قلعة عجلون ( قلعة صلاح الدين أو قلعة الربض ) كتاجٍ أثري مهيب فوق أعلى قمم سلسلة جبال عوف ، بارتفاع يبلغ 1023 متراً عن سطح البحر ، وعلى بعد 76 كم شمالي غرب العاصمة عمّان . ويمتد العمق التاريخي لهذه البقعة المباركة إلى أزمنة قديمة جداً ؛ إذ تشير الروايات التاريخية إلى أن القافلة التي اشترت نبي الله يوسف — عليه السلام — قد مرّت بعجلون ، التي اشتهرت تاريخياً بنبات " البيلسان " ، وهو المادة الرئيسية التي اعتمد عليها المصريون القدماء في تحنيط موتاهم .

​ولم تكن هذه القلعة في تاريخها الإسلامي مجرد حصن دفاعي عابر ، بل مثلت حجر الزاوية في الاستراتيجية العسكرية ؛ إذ شيّدها القائد الفذ عز الدين أسامة — أحد أبرز قادة صلاح الدين الأيوبي — عام 580 هـ / 1184 م ، بهدف رصد تحركات الصليبيين ومواجهة حصن ( كوكب الهوا ) الفرنجي غرب نهر الأردن ، لتكون خطوة متقدمة وتمهيداً استراتيجياً لتحرير بيت المقدس في معركة حطين الفاصلة . وجاء اختيار الموقع بعبقرية جغرافية فذة ليشرف على المعابر الرئيسية وطرق المواصلات الحيوية وحماية خطوط التجارة والحج بين الشام وجنوبي الأردن .

​الهندسة العسكرية والتطور المعماري عبر العصور

​يمثل البناء معلماً عبقرياً في الهندسة العسكرية الإسلامية ، وقد مر عبر تاريخه بمحطات وتوسعات معمارية متسلسلة رسمت ملامحه الحالية :

​1 ) العهد الأيوبي والتوسعة الأولى ( 1214 م ) : بدأت القلعة في مرحلة بنائها الأولى بتصميم مدمج على شكل شبه مربع يضم أربعة أبراج أساسية عند الزوايا . وفي عام 1214 م ( 611 هـ ) ، قام أيبك بن عبد الله ، أمير عجلون في عهد الملك العادل الأيوبي ، بتوسيع القلعة وإضافة برج خامس في زوايتها الجنوبية وتشييد البوابة الفخمة الحالية . ومن هذا الحصن ، انطلق الناصر صلاح الدين ليقود حروباً استمرت ثمانية أعوام واجه خلالها 22 ملكاً أوروبياً وحرر 50 مدينة وقلعة . ونظراً لارتفاعها الشاهق ، غدت مركزاً حيوياً للحمام الزاجل ، ومنارةً لنقل الأخبار والبريد السريع من حدود الفرات حتى القاهرة .

​2 ) العهد المملوكي والترميم ( 1260 م ) : في عام 1260 م ، اجتاح المغول المنطقة ودمروا أجزاء من القلعة ، إلا أن السلطان المملوكي الظاهر بيبرس سارع إلى إعادة بنائها وترميمها . وتميزت القلعة بنظام " القباب المعلقة " المتقاطعة والبراميلية التي منحت سقوف قاعاتها متانة هائلة . ويحيط بها خندق عميق يبلغ متوسط عرضه 16 متراً وعمقه بين 12 و15 متراً لجمع المياه وكحاجز منيع ، وتضم داخلياً دهاليز وممرات ضيقة ، وقاعات فسيحة كانت منامات للجند وإسطبلات لخيول الأيوبيين ، وآباراً ضخمة لمياه الأمطار .

​3 ) العهد العثماني ( حامية ابن فريح ) : في العهد العثماني ، سُميت بـ " قلعة ابن فريح " إشارة لقبيلة الفريحات التي حكمت المنطقة ، وتمركزت فيها حامية من 50 جندياً عثمانياً لحفظ الأمن .

​4 ) العصر الحديث والزلازل : على الرغم من صمودها ، تعرضت القلعة لزلزالين مدمرين في التاريخ الحديث عامَي 1837 م و1927 م ، إلا أن جدرانها السميكة ونوافذها الضيقة المخصصة لرمي السهام بقيت شاهدة على ناصع العمارة الإسلامية .

​القلعة في عيون الرحالة والمؤرخين

​خلال هذه المراحل التاريخية الممتدة بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر الميلادي ، زار القلعة كوكبة من كبار الرحالة والجغرافيين وسجلوا دهشتهم بعمرانها وخيراتها في مؤلفاتهم :

​1 ) الشيخ شمس الدين الدمشقي ( ت 1327 م ) : وصفها في " نخبة الدهر " بقوله : « فيها حصن حسن حصين وفيه مياه جارية وفواكه كثيرة ، وأرزاق غزيرة ، وهو مشرفٌ يُرى من مسيرة أربعة أيام » .

​2 ) الرحالة ابن بطوطة ( ت 1377 م ) : مر بها قائلاً : « ثم سافرت منها نابلس إلى مدينة عجلون ، وهي مدينة حسنة لها أسواق كثيرة وقلعة خطيرة ويشقها نهر ماؤه عذب » .

​3 ) العلامة ابن شاهين الظاهري ( ت 1467 م ) : أشار في " زبدة كشف الممالك " إلى ازدهار المنطقة ووجود بساط أخضر من الأشجار المثمرة و12 طاحونة مائية في واديها .

​وفي هذا السياق ، يذكر أستاذي المؤرخ الدكتور يوسف غوانمة في كتابه " التاريخ السياسي لشرق الأردن " : « إن عجلون كانت في عهد دولة المماليك الأولى من أهم الدروب الاقتصادية ، بل هي الممر الوحيد الذي تسلكه قوافل التجارة بين العراق ودمشق والقاهرة ، ولعل ذلك راجع لتعذر دخول البدو إليها ، ومهاجمة القوافل التجارية ».


​الأثر الحضاري والاعتراف العالمي بالهوية التراثية

​تعدى أثر القلعة الجانب العسكري ليُحدث تحولاً حضرياً واقتصادياً واسعاً في المنطقة ؛ إذ انتشرت الأسواق وجذبت العشائر العربية للاستقرار في مرتفعاتها ، وغدت عجلون المصدر الثالث لأرزاق العساكر الإسلامية بعد دمشق ولبنان في عهد الأيوبيين والمماليك .

​وتقديراً لهذه القيمة الاستثنائية المتسلسلة التي تجمع بين عبقرية الهندسة العسكرية والتاريخ الإنساني ، تم إدراج قلعة عجلون رسمياً على قائمة التراث في العالم الإسلامي من قبل منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة ( إيسيسكو ) ، ليتوج هذا الحصن الأردني كإرث حضاري عالمي يخص الأمة بأسرها .

​اليوم ، يقف الزائر في ساحات القلعة ليحظى بإطلالة ساحرة تكشف غور الأردن وفلسطين ، ممتدة من بحيرة طبرية حتى البحر الميت ، حيث تلوح جبال القدس الشريف في الأفق الغربي خلال أيام الصحو ، شاهدة على وحدة التاريخ والجغرافيا والمصير .

​تظل قلعة عجلون الشامخة بأبراجها وقبابها المعلقة منارة جغرافية وثقافية تفيض بعبق المجد وصمود الرجال . إنها ليست مجرد شواهد صامتة على الزلازل والحروب ، بل هي رسالة أردنية ممتدة من عمق الزمان ، تذكر الأجيال المتعاقبة بأن هذه الأرض كانت — وستبقى — موطناً للعروبة ، وحصناً منيعاً تتلاقى فوق ذراه تطلعات النصر وأمجاد التاريخ الحضاري .

​قائمة المصادر والمراجع

أولاً : المصادر والمؤلفات التاريخية القديمة

​1 ) ابن بطوطة ، محمد بن عبد الله ( ت 779 هـ / 1377 م ) : رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ) .

​2 ) الدمشقي ، شمس الدين الأنصاري ( ت 727 هـ / 1327 م ) : كتاب نخبة الدهر في عجائب البر والبحر .

​3 ) الظاهري ، غرس الدين خليل بن شاهين ( ت 873 هـ / 1467 م ) : كتاب زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك .

ثانياً : المراجع العربية الحديثة

​4 ) غوانمة ، د . يوسف درويش : التاريخ السياسي لشرق الأردن في عصر دولة المماليك الأولى ( عهد المماليك البحرية ) ، دار الفكر للنشر والتوزيع ، عمان .

​5 ) غوانمة ، د . يوسف درويش : التاريخ الحضاري لشرق الأردن في العصر المملوكي ، دار الفكر للنشر والتوزيع ، عمان .

ثالثاً : التقارير والمنشورات الرسمية والرقمية

​6 ) هيئة تنشيط السياحة الأردنية ( Visit Jordan ) : التقارير الدورية وبوابة التعريف بالمواقع الأثرية ( مدونة عجلون الرقمية ) .

​7 ) منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة ( إيسيسكو ) : لائحة مواقع التراث في العالم الإسلامي ( تسجيل قلعة عجلون ) .

​8 ) وكالة الأنباء الأردنية ( بترا ) : التقارير التوثيقية حول إدراج القلاع الأردنية على قوائم التراث العالمي الإسلامي .

​9 ) متحف افتراضي " اكتشف الفن الإسلامي " ( متحف بلا حدود MWNF ) : دراسات العمارة الأيوبية والمملوكية في شرق الأردن .

​10 ) شبكة الجزيرة الإعلامية : التقارير الفنية التوثيقية حول نظام " القباب المعلقة " والعمارة التحصينية في قلعة الربض ( 2024 م ) .


قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع
  2. ​أولاً : المصادر والمؤلفات التاريخية القديمة
  3. ​1  ) ابن بطوطة ، محمد بن عبد الله ( ت 779 هـ / 1377 م ) : رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ) .
  4. ​2  ) الدمشقي ، شمس الدين الأنصاري ( ت 727 هـ / 1327 م ) : كتاب نخبة الدهر في عجائب البر والبحر .
  5. ​3  ) الظاهري ، غرس الدين خليل بن شاهين ( ت 873 هـ / 1467 م ) : كتاب زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك .
  6. ​ثانياً : المراجع العربية الحديثة
  7. ​4  ) غوانمة ، د . يوسف درويش : التاريخ السياسي لشرق الأردن في عصر دولة المماليك الأولى ( عهد المماليك البحرية ) ، دار الفكر للنشر والتوزيع ، عمان .
  8. ​5  ) غوانمة ، د . يوسف درويش : التاريخ الحضاري لشرق الأردن في العصر المملوكي ، دار الفكر للنشر والتوزيع ، عمان .
  9. ​ثالثاً : التقارير والمنشورات الرسمية والرقمية
  10. ​6  ) هيئة تنشيط السياحة الأردنية ( Visit Jordan ) : التقارير الدورية وبوابة التعريف بالمواقع الأثرية ( مدونة عجلون الرقمية ) .
  11. ​7  ) منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة ( إيسيسكو ) : لائحة مواقع التراث في العالم الإسلامي ( تسجيل قلعة عجلون ) .
  12. ​8  ) وكالة الأنباء الأردنية ( بترا ) : التقارير التوثيقية حول إدراج القلاع الأردنية على قوائم التراث العالمي الإسلامي .
  13. ​9  ) متحف افتراضي " اكتشف الفن الإسلامي " ( متحف بلا حدود MWNF ) : دراسات العمارة الأيوبية والمملوكية في شرق الأردن .
  14. ​10  ) شبكة الجزيرة الإعلامية : التقارير الفنية التوثيقية حول نظام " القباب المعلقة " والعمارة التحصينية في قلعة الربض ( 2024 م ) .