يتناول المقال الفلسفة الاجتماعية والسياسية وراء التقسيم المعماري للقصور العثمانية بين "الحرملك" المخصص لخصوصية النساء وتعليمهن، و"السلاملك" المخصص لاستقبال الرجال وإدارة شؤون الدولة. 

أسرار القصور العثمانية : " الحرملك " و " السلاملك " بين قدسية الخصوصية وهيبة السياسة

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​لم تكن عمارة القصور في عهد الدولة العثمانية مجرد حجارة تُبنى أو نقوش تُزخرف ، بل كانت تجسيداً حياً لفلسفة اجتماعية وسياسية كاملة . يعكس التصميم الداخلي للقصور والسرايا العثمانية مفهوماً عميقاً للخصوصية ، وطبيعة التواصل الاجتماعي بأشكاله المتعددة ، والتي تبلورت في مصطلحين تاريخيين شهيرين : الحرملك والسلاملك .

​هذان المصطلحان اللذان ارتبطا في الأذهان بالحكايات والقصص ، شكّلا عصب الحياة اليومية والسياسية للنخبة العثمانية . فما هي الدلالات الحقيقية والمغازي الكامنة وراء هذه التقسيمات المعمارية ؟

​الحرملك : جغرافيا المكان المحظور والمقدس :

​اشتُقت لفظة " الحريم " عربياً من كلمة " الحَرَم " ، وهو ما يدافع عنه الرجل ويحميه ، والحُرمة هي ما لا يحل انتهاكه من ذمةٍ أو حق . ونظراً لخصوصية وضع المرأة في بيتها ، أصبح المصطلح علَماً عليها وعلى مكان معيشتها . وعند الانتقال إلى الثقافة العثمانية ، نجد أن اللفظة التركية ( حرملك ) تشير ضمناً إلى " المنطقة المحظورة والمقدسة والمعزولة " ، وهي تقابلها في الفارسية كلمة ( أندرون ) التي تعني ببساطة " الجزء الداخلي " .

​داخل أسوار " الحرم الهمايوني " :

​في سراي " طوب قابي " ( مقر الحكم والسكن العثماني العتيق ) ، كان " الحرم الهمايوني " يقع في القسم الخلفي من الديوان السلطاني ، مطلاً بسحر خاص على " القرن الذهبي " — ذلك المصب المائي الفريد الذي يشطر إسطنبول الأوروبية ويحتضن الباب العالي وجامع السلطان أحمد وآيا صوفيا .

​ولم يكن الحرملك مجرد غرف للنوم ، بل كان جناحاً ضخماً ينقسم إلى عدة أجنحة تُعرف كل منها باسم ( الدائرة ) ، وتحيط بها حدائق واسعة مزينة بأنواع الزهور ونافورات المياه المخصصة لنزهة الحريم . ويُغلق على هذه الدوائر باب رئيسي واحد ، يتولى حراسته من الخارج " الأغوات " ( الخصيان السود ) لضمان العزلة التامة .

​لم يكن الحرملك مكاناً للمتعة كما صوّرته الاستشراق الغربي ، بل كان مؤسسة إدارية وتعليمية صارمة تقودها " السلطانة الأم " ( والدة السلطان ) ، وتُدار فيه سياسات التحالفات والزواجات السياسية ، ويتلقى فيه الجواري تعليماً راقياً يشمل الموسيقى ، والخط ، والدين ، والبروتوكول الملكي .


​السلاملك : قاعات التحية وصناعة القرار :

​على النقيض من عزلة الحرملك ، كانت لفظة ( سلاملك ) في اللغة التركية تعني حرفياً " مكان التحية " . ولم يكن المصطلح مرتبطاً بالمكان بقدر ارتباطه بالمناسبة ، إذ كان يُستخدم لوصف طقوس حضور السلطان وصلاة الجمعة ( الموكب السلطاني ) .

​وبمرور الوقت ، استقر المصطلح معمارياً ليدل على الجناح المخصص لاستقبال الرجال الأجانب والضيوف . وفي المنازل العثمانية الكبيرة ، كانت غرف " السلاملك " تُحاط بعدد من الغرف المستقلة لضمان راحة الضيوف ، وكان لأكبر أعضاء الأسرة سناً الأولوية في استخدام الغرفة الرئيسية فيه ، حيث يجتمع الرجال لإدارة شؤونهم بمعزل تام عن جناح النساء .

​رحلة المصطلحات : من إسطنبول إلى قاهرة المعز :

​من الحقائق التاريخية المثيرة أن مصطلحي ( الحرملك ) و ( السلاملك ) لم يظهرا في الوثائق العربية ( كحجج الوقف والمراسلات ) قبل القرن التاسع عشر .

  1. ​في القرن الثامن عشر ، كانت البيوت وقصور الأمراء في مصر والشام تستخدم مصطلحات عربية خالصة مثل : " باب الحريم " أو " ساكن الحريم " للدلالة على جناح النساء .
  2. ​أما غرف الاستقبل للرجال ، فكانت تسمى بأسماء تدل على شكلها الوظيفي والمعماري مثل : ( القاعة ، المقعد ، المنظرة ، التختبوش ، أو الديوان ) .

​ومع صعود أسرة محمد علي باشا في مصر وتبني النمط العثماني الإسطنبولي ، دخلت هذه المصطلحات بقوة ، فصار يُطلق على مقر سكن نساء الوالي اسم " الحريم العالي " ، وانتشر استخدام " الحرملك " و " السلاملك " كرمزية للطبقة الأرستقراطية والنخبة الأكثر ثراءً المتأثرة بالمركز في إستانبول .

​المغزى الاجتماعي والسياسي :

​إن وجود الحرملك والسلاملك يترجم بصرياً فلسفة " الفصل بين العام والخاص " في الفكر الإسلامي والعثماني . فبينما يمثل " السلاملك " الوجه العام ، السياسي ، والدبلوماسي للدولة والأسرة ، يمثل " الحرملك " النواة الداخلية ، العاطفية ، والتربوية . لقد كان هذا التقسيم المعماري بمثابة صمام أمان حافظ على تراتبية المجتمع العثماني ونخبته الحاكمة لقرون طويلة .

​مصادر ومراجع للتوسع :

​1 ) ليزلي بيكر ( Leslie P. Peirce ) : السلطانة الحاكمة : النساء والسيادة في الدولة العثمانية .

2 ) أندريه ريمون ( André Raymond ) : المدن العربية الكبرى في العصر العثماني .

3 ) يوسف آصف : تاريخ سلاطين آل عثمان .

4 ) رفعة بالي ( Rıfat Bali ) : الحياة الاجتماعية في إسطنبول العثمانية .

5 ) وثائق المحاكم الشرعية المصرية ( القرن 18 و 19 ) .


قائمة المصادر والمراجع

  1. مصادر ومراجع للتوسع :
  2. ​1 ) ليزلي بيكر ( Leslie P. Peirce ) : السلطانة الحاكمة : النساء والسيادة في الدولة العثمانية .
  3. 2 ) أندريه ريمون ( André Raymond ) : المدن العربية الكبرى في العصر العثماني .
  4. 3 ) يوسف آصف : تاريخ سلاطين آل عثمان .
  5. 4 ) رفعة بالي ( Rıfat Bali ) : الحياة الاجتماعية في إسطنبول العثمانية .
  6. 5 ) وثائق المحاكم الشرعية المصرية ( القرن 18 و 19 ) .