يتناول هذا المقال ، إبراز ملامح فصل الصيف في التراث البيئي والأمثال الشعبية الأردنية والمشرقية ، مستعرضاً التطور الزمني لأشهره وفوائد حراره ومرتبطاته التراثية والزراعية .
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
يحتل فصل الصيف بمكوناته المناخية والزراعية مكانة بارزة في الذاكرة الشعبية الأردنية والمشرقية عامة . لم يكن القيظ وحرارة الشهور مجرد ظواهر عابرة ، بل شكلت مساراً متكاملاً لإيقاع الحياة اليومية وموسماً خصباً لإنتاج الأمثال والحكم التي تحكي تفاصيل العلاقة الأزلية بين الإنسان والأرض ، لتروي حكاية التكيف البشري مع قسوة الطبيعة وخيراتها .
ملامح الصيف في الذاكرة الشعبية :
تتسم البيئة الأردنية والمشرقية بفصل صيف دافئ وجاف ، تتخلله موجات حر متلاحقة تُعرف شعبياً بأسماء بليغة تعكس قسوتها أو خيراتها . وقد وظفت الأمثال الشعبية هذه الظروف لتقديم دروس عملية وإرشادات دقيقة تتعلق بـ :
- الزراعة ومواسم النضج : ضبط مواعيد قطاف الثمار وحصاد المحاصيل الصيفية كالقمح ، والعنب ، والتين .
- التحمل والتدبير : الحث على الادخار ( مثل كنز المياه وتجهيز مونة الشتاء ) والصبر على شدة الحر .
- التعبير المجازي الساخر : وصف الطبيعة القاسية بصور طريفة ومبالغات دقيقة تزيد من ترسيخ المثل في وجدان الأجيال .
أشهر الصيف مرتبطة زمنياً : بين حزيران وتموز وآب وأيلول :
1 ) حزيران ( شهر الحصاد والنشاط وبداية الصيف ) :
يبدأ فصل الصيف الفلكي في الواحد والعشرين من حزيران ، حيث يتميز بارتفاع درجات الحرارة واستقرار الجو وعدم سقوط الأمطار . ومن أبرز أمثاله الشعبية :
- ( بحزيران الجو نيران ) : إشارة إلى بدء تصاعد درجات الحرارة ولهيب الجو .
- ( حزيران الهاوي ، وتموز الشاوي ، وآب الكاوي ) : تعبير متكامل يصف تصاعد شدة الحرارة تدريجياً بين أشهر الصيف .
- ( حزيران شهر البسط والكيف ، أوله ربيع وآخره صيف ) : دلالة على اعتدال جوه في البداية وتحوله إلى الحرارة لاحقاً .
- ( البرد ما بيموت ليستوي التوت ) : إشارة إلى أن نضوج التوت وثمار الموسم يرتبط بذهاب البرد وحلول حرارة حزيران .
- ( حزيران أبو الحلايش ) : نسبة إلى عملية ( الحلش ) وهي حصاد البقوليات .
- ( شوب حزيران بيعمل اللبن عيران ) : وصف لحموضة اللبن السريعة بسبب شدة الحرارة .
- ( شهر حزيران فيه الحصاد والنيران ) : إقتران مواسم الحصاد بارتفاع حرارة الجو .
- ( حزيران شهر الريان ) : دلالة على كثرة الخضار والفواكه ووفرتها .
- ( بحزيران تبقى الذرة مثل الخيزران ) : وصف لنمو النباتات وامتداد سوقها بقوة .
- ( تعبك عا صوص حزيــران ما بيروح ضيعان ) : إشارة إلى أهمية الجهد المبذول في هذا الشهر الزراعي .
- ( بحزيران العشب فان ) : دلالة على جفاف النباتات بفعل ارتفاع حرارة الشمس .
- ( حزيران طباخ المشمش ) : إشارة إلى الشهر الذي ينضج فيه المشمش وتتلون ثماره .
- ( بحزيران بينزل المشمش وبيكبر الرمان ) : تعبير عن تعاقب نضوج ونمو الثمار .
- ( بحزيران بيقرقع المرجوبان ) : إشارة إلى حصاد الزرع القاسي باستخدام المنجل المسنن المعروف بالمرجوبان .
- ( حزيران قزة وسنبلة ومشمشة ) : إشارة إلى جاهزية شرانق دودة الحرير ، وسنابل القمح للحصاد ، والمشمش للقطاف .
- ( حزيران يا بيطلع سطيحة يا بطيخة ) : وصف لنضج البطيخ الأحمر وتحوله في هذا الشهر .
- ( حزيران مرغي الحيدان ) : كناية بليغة عن جوع وعطش صغار الإبل بسبب جفاف العشب مما يجعلها ترغو .
- ( بحزيران كب المية عراسك يا نعسان ) : نصيحة عملية للتغلب على النعاس الناجم عن طول النهار وشدة الحرارة .
- ( لولا الهوا ما غلبتيني يا دايبة ) : مقولة شعبية ترتبط بسرعة نضج ثمار المشمش بفعل الهواء الحار .
- ( في حزيران : اكنس بيتك ولا تكنس بيدرِك ) : للحفاظ على الغلال والمحاصيل وعدم التفريط بها .
- ( بطيخة حزيران مسمار في الحيط ) : دلالة على جودتها ومتانتها في بداية الموسم .
2 ) تموز ( ذروة القيظ ولهيب الشمس ومنتصف الصيف ) :
يأتي شهر تموز ليكمل مسار الحرارة ، وهو الشهر الذي تبلغ فيه الحرارة مداها لتغلي المياه في الأواني وتنضج الثمار على أعناقها . ومن أمثاله الشعبية :
- ( تموز بتغلي المَيّ بالكوز ) : دلالة واضحة على شدة حرارة الشهر وبلوغها ذروتها .
- ( شمس تموز بتحرق ذنب العصفور ) : مَثل يعبر عن شدة الوهج والحرارة في أوقات الظهيرة .
- ( شمس تموز بتدفي العجوز ) : إشارة إلى الدفء الشديد المستمد من أشعة الشمس المباشرة .
- ( بتموز بيصير الصبر قد الكوز ) : كناية عن بلوغ ثمار الصبر حجمها ونضجها الكامل .
- ( تموز عصار الخشب ) : دلالة على جفاف الرطوبة من سيقان النباتات والأخشاب بفعل القيظ .
- ( بتموز كنز مياتك لتعوز ) : توجيه عملي لتخزين المياه والاحتفاظ بها للحاجة الضرورية .
- ( في تموز بتدوب المَعْزَه على السطح ) : كناية طريفة ومبالغة شعبية عن شدة الحرارة الحارقة ، والمعزة هي الماعز ( الأنثى من الضأن أو المعز ) .
- ( اللي ما شاف حرّ تموز ، ما شاف نار الله في الأرض ) : مقولة تعبر بصدق عن قساوة الحرارة في منتصف الصيف .
- ( إذا غَلَّت المَيّ ، اعرف الصيف حيّي ) : تعبير بليغ عن اشتداد الحر الذي يوحي بغليان الماء .
3 ) آب ( اللهاب وخاتمة القيظ الصيفي ) :
يُمثل شهر آب الموعد الحاسم لقطاف أطايب العنب والتين ( الثمر الناضج ) ، والبدء بالتحضير الفعلي للموسم القادم مع استمرار لهيب الصيف . ومن أبرز أمثاله الشعبية :
- ( آب اللهاب : اقطع العنب ولا تهاب ) : يشير إلى تمام نضج العنب ووجوب قطافه ودبسه .
- ( آب اللهاب بيحمّي المسمار بالباب ) : كناية عن شدة الحرارة حتى إن المعادن تكاد تتأثر بلهيبها .
- ( أول عشرة من آب تفك من جهنم باب ) : تعبير شعبي عن بداية موجات القيظ الكبرى في مطلع الشهر .
- ( بآب شق ثوبك ولا تهاب ) : إشارة إلى شدة الحرارة والقيظ الذي لا يُطاق .
- ( بآب التمر طاب ) : إعلان عن موسم نضج الرطب والتمر واكتمال حلاوته .
- ( بآب اشلح الجزمة والبس القبقاب ) : إشارة إلى الخفة والحرارة والتعرق نتيجة ارتفاع حرارة الجو .
- ( آب اللهاب ، يا محرق العنب والناب ) : كناية عن قسوة رياحه الحارة وتأثيرها على كل شيء .
- ( صيف بلا حرّ ، مثل خبز بلا ملح ) : مَثل يُقال عند غياب السمة الحقيقية للصيف .
- ( صيفنا لهب وشتانا طين ) : توصيف بليغ لحال الطقس القاسي في البيئة الريفية .
- ( الحرّ حرّ ولو بالظل ) : إشارة إلى أن الحرّ لا مفرّ منه حتى في الظل .
- ( في الصيف انقِل صاجك ، وفي الشتا لا تهاجك ) : نصيحة تراثية للاستعداد للحرارة والتنقل بحركة مستمرة .
4 ) أيلول ( عتبة الاعتدال ونهاية الصيف ) :
يمثل شهر أيلول الحلقة الأخيرة الممهدة لفصل الخريف وانكسار حدة القيظ . ومن أبرز أمثاله :
- ( أيلول ذيله مبلول ) : إشارة إلى بدء انكسار الحرارة وظهور بعض نسمات المطر أو الندى المبكر .
- ( إذا طلع سهيل لا تأمن السيل ) : تنبيه تراثي ذكي من تقلبات الجو وبداية تكون السحب مع نهاياته .
مفهوم "جمرة القيظ" في الوعي الشعبي والمناخي :
يُطلق مصطلح ( جمرة القيظ ) في بعض دول المشرق العربي ودول شبه الجزيرة العربية مثل السعودية على النصف الثاني من شهر تمّوز من كل عام ، تماماً مثلما يُطلق أهل الشام اسم ( مربعانية ) على الفترة التي تلي يوم 21 كانون الأول شتاءً . وتُعرف فترة جمرة القيظ بأنها أكثر الفترات حرارةً على مدار العام ، حيث يشتد فيها الحر وتكون درجات الحرارة ما بين 45 إلى 50 درجة مئوية في أجزاء واسعة من السعودية ، والإمارات ، والكويت ، والعراق ، وقطر ، في حين قد تصل إلى أعلى من ذلك على الأسفلت أو في المناطق المعرضة لأشعة الشمس مباشرة بسبب امتداد المنخفض الهندي الحراري وتشكل المنخفض الحراري السعودي .
هذا المصطلح لا يُقصد به حدثاً نادراً أو اسماً لعاصفة حرارية استثنائية ، بل هو مُسمى يُطلق على نفس الفترة الزمنية كل عام ومستخدم في السعودية منذ مئات السنين ؛ لذا لا داعي للتعامل معه بشكل مختلف أو التهويل منه إعلامياً . وبالنسبة لبلاد الشام ، فإن موجات الحر خلال فصل الصيف تُعد حدثاً اعتيادياً ، كما أن شهري تموز وآب هما أكثر الأشهر حرارة ( حسب المثل : ( تموز بتغلي الميّ بالكوز ) و ( آب اللهاب ) ) ، ومصدر الهواء الحار أصلاً هو مناطق الهند والعراق وشبه الجزيرة العربية كما أُشير سابقاً ، ولم يسبق أن ربط أهل الشام هذا المسمى بأي حدث جوي استثنائي لديهم .
الفوائد الزراعية للحر الشديد :
على الرغم من قسوة درجات الحرارة وارتفاعها الملحوظ ، إلا أن ارتفاع درجات الحرارة يعود بفوائد جليلة على المزروعات من أجل إنضاج ثمارها ، كالعنب ، والتين ، والتمر ( الرطب ) ، وغيرها من الفواكه الصيفية والمحاصيل التي تعتمد اعتماداً كلياً على هذا اللهيب لتكتمل حلاوتها ونضجها .
التراث الثقافي غير المادي والمواسم الصيفية في المشرق العربي :
استناداً إلى السجلات التراثية الوطنية الموثقة ، يرتبط فصل الصيف ارتباطاً وثيقاً بالتقاليد الزراعية والممارسات الاجتماعية التي تناقلها الأجداد جيراً بعد جير ، ومن أبرز تجلياتها :
- تقويم الحسابات الفلاحية : الاعتماد على النجوم والمواسم ( مثل طلوع نجم سهيل وقران خمس وعشرين ) لتنظيم العمليات الزراعية الصيفية وتقدير مواقيت الحرارة والرياح والحصاد .
- إدارة الموارد المائية التقليدية : توثيق أساليب حفظ المياه وكنزها في الآبار والبرك التقليدية لمواجهة جفاف أشهر تموز وآب .
- الممارسات الاجتماعية والمرتبطات الموسمية : طقوس قطاف المحاصيل ، وصنع دبس العنب ، وتجفيف الثمار ، وتجهيز مونة الشتاء التي تعكس روح التعاون المجتمعي والتكيف مع البيئة المحلية .


ملاحظات إضافية
جميع الصور المستخدمة في هذا المقال هي تعبيرات فنية وتخيلية بحتة ، جُمعت لتعكس مضمونه برؤية بصرية مجازية ، ولا تمثل بالضرورة وقائع حقيقية .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) مدونة التراث الثقافي غير المادي في الأردن : وزارة الثقافة الأردنية ، منصة توثيق التراث الحي ( ich.gov.jo/node/69998 و ich.gov.jo/node/50760 ) .
- 2 ) جريدة الدستور الأردنية : مقالات ودراسات التراث الشعبي والمواسم الزراعية ( مقال : آب .. الثمر الناضج والأمثال الشعبية ، مقال : الأشهر ودلالاتها في الأمثال الشعبية الأردنية ، ومقال : شَهْــر حَـزِيــرانَ في الأمثال العربية والدستور : addustour.com/articles/1350615 ) .
- 3 ) موقع خبرني : تقارير ودراسات تراثية محلية حول التراث الشعبي ( تقارير : شهر حزيران في الأمثال الشعبية - khaberni.com/news/713306 ) .
- 4 ) مجلة معا البيئية : تقارير ودراسات التراث البيئي والمحلي ( maan-ctr.org/magazine/Archive/Issue44/torath.php ) .
- 5 ) إذاعة دمشق ومنصات التراث العربي : تقارير حول الأمثال الشعبية في فصول ومواسم السنة ( damasradio.fm ) .
- 6 ) أرشيف التوثيق الميداني للتوثيق التاريخي والاجتماعي : مقالات ودراسات الأستاذ قيصر صالح الغرايبه حول التراث والتاريخ المحلي ( مستندات التوثيق الشعبي : أخبار السموع - الأمثال الشعبية لأشهر الصيف وحزيران وجمرة القيظ ) .
- 7 ) الأمثال الشعبية في المشرق العربي : الذاكرة الشفوية وتوظيفاتها المناخية والزراعية في شهور الصيف ( حزيران ، تموز ، وآب ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.