يستعرض هذا المقال ، وبأسلوب توثيقي دقيق ، صناعة البسط التقليدية في الأردن جذورها التاريخية وتفاصيل أنوالها التراثية ، مسلطاً الضوء على مراحل صنعها ، وتحدياتها التاريخية والمعاصرة في ظل التطور التكنولوجي ، وصولاً إلى قيمتها الجمالية والوطنية .
صناعة البسط في الأردن : أصالة التراث وتحديات الواقع
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
تحتل الحرف اليدوية التقليدية مكانة بارزة في الذاكرة التراثية الأردنية ، باعتبارها مرآة صادقة تعكس هُوية المجتمع وملامح بيئته البدوية والريفية . وتأتي صناعة البسط التقليدية في مقدمة هذه الحرف بوصفها فنّاً عريقاً تناقلته الأجيال عبر التاريخ ، ومارسته النساء والرجال في مختلف مناطق البادية والريف والقرى بمهارة فائقة . فالبسط ليست مجرد مفروشات أرضية للزينة أو الاستخدام اليومي ، بل هي وثائق بصرية تنطق بإبداع الصانع المحلي وقدرته على تحويل المواد الأولية البسيطة إلى تحف فنية تنبض بالحياة والأصالة .
جذور تاريخية وثقافة مجتمعية
ترتبط صناعة البسط في الأردن ارتباطاً وثيقاً بنمط الحياة التقليدي الذي اعتمد على تربية الأغنام والماشية . فقد وفرت الثروة الحيوانية مصدراً غنياً ووفيراً للصوف الطبيعي ، الذي يشكل المادة الأساسية في هذه الصناعة . وكانت المرأة الأردنية ركن الأسرة الأساسي في إدارة هذا الإنتاج ، إذ لم تقتصر مهمتها على رعاية المنزل ، بل امتدت لتشمل كافة مراحل تصنيع البسط ، بدءاً من جزّ الصوف وغسله وتنظيفه ، مروراً بنده ونفضه ، وانتهاءً بحياكته ضمن مشاغل صغيرة الحجم قياساً بالصناعات النسيجية الأخرى .
النول اليدوي وتفاصيل هيكله التقني
تعتمد هذه الحرفة بشكل أساسي على استخدام الأنوال الخشبية اليدوية في عملية الحياكة وفق مقاسات متنوعة وحسب الطلب ، وتستخدم خيوط الصوف أو القطن إما بألوانها الطبيعية ، أو بصبغها بالألوان المعروفة ، وتتم حياكة البساط في مشاغل صغيرة الحجم قياساً بالصناعات النسيجية الأخرى . ويُعد النول الآلة الأساسية لحياكة البسط ، وغالباً ما يُصمم على شكل حفرة في الأرض مساحتها 120 سم في مترين وعمق 80 سم ، ويوضع بداخله أجزاء متكاملة تشمل :
مراحل صناعة البساط : رحلة الجهد والإتقان
تمر صناعة البساط التقليدي بسلسلة من المراحل الدقيقة التي تتطلب صبراً كبيراً وخبرة واسعة متوارثة :
الزخارف والدلالات الجمالية
تتميز البسط الأردنية بتصاميمها الهندسية البديعة التي استوحاها الصناع من البيئة المحيطة والطبيعة الصحراوية والريفية . وغالباً ما تتزين البسط بأشكال هندسية تتوسط البساط ، وبخطوط ملونة متساوية ، ومثلثات ومعينات ورسومات ترمز إلى عناصر الحياة البادية ، كالأشجار ، والنجوم ، وبعض الأدوات التراثية . وتختلف الألوان المستخدمة باختلاف المناطق ، حيث تطغى الألوان الحية والدافئة مثل الأحمر القاني ، والأصفر الصحراوي ، والأزرق الداكن ، الأسود المعبر ، لتشكل معاً لوحة فنية متكاملة تضفي دفئاً وجمالاً على بيوت الشعر والبيوت الريفية التقليدية .
التحديات والمشكلات التاريخية في أوج العز
على الرغم من ازدهار صناعة البسط في العقود الماضية باعتبارها ركناً أساسياً من أركان الحياة الاقتصادية والاجتماعية ، إلا أن الصانعات والصناع واجهوا جملة من التحديات والمشكلات القاسية التي كانت تحيط بعملية الإنتاج ، ومن أبرزها :
واقع صناعة البسط في ظل التطور التكنولوجي
في العصر الحديث ، شهدت الحرف اليدوية التقليدية تحولات جذرية فرضتها الثورة التكنولوجية واكتساح الآلات الحديثة لمختلف قطاعات الإنتاج ، ووجدت هذه الحرفة الأصيلة نفسها في مواجهة مباشرة مع السجاد والمفروشات المصنعة آلياً التي تتميز بالسرعة الهائلة في الإنتاج والوفرة العددية وانخفاض الأسعار . وأدى هذا التطور إلى تراجع الاعتماد على البسط يدوياً داخل المنازل المعاصرة وانحسار مساحتها في الديكورات الحديثة . ورغم ذلك ، لم تُهزم الحرفة تماماً ، بل تحولت إلى صناعة تراثية ذات قيمة فنية وثقافية عالية ترعاها الجمعيات التعاونية والنسائية لتلبي متطلبات السياحة والديكورات التراثية والمعارض الثقافية التي تقدر قيمة العمل اليدوي الأصيل .
إرث وطني متجدد
تبقى صناعة البسط في الأردن رمزاً حياً من رموز الهُوية الوطنية والذاكرة الشعبية ، وشاهداً ناطقاً على إبداع الإنسان الأردني وعصاميته . وإن حماية هذا الإرث العريق ودعمه لا يقتصران على حفظ حرفة يدوية فحسب ، بل يمتدان لترسيخ قيم الأصالة والتواصل الحضاري بين الأجيال .







قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع
- 1 ) كتاب الحرف والمهن التقليدية في التراث الأردني - د . محمد عبيدات .
- 2 ) أبحاث التراث الشعبي الأردني والدراسات الأنثروبولوجية للبدو والريف .
- 3 ) دراسات مركز التوثيق الملكي الهاشمي حول الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الأردن .
- 4 ) تقارير وزارة الثقافة الأردنية حول الصناعات التقليدية والحرف اليدوية .
- 5 ) دوريات التراث الشعبي العربي ومجلة الفنون التراثية .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.