يتناول هذا المقال ، إلقاء الضوء على تاريخ وعمارة مدينة فينيسيا ( البندقية ) وأبرز معالمها ومعاناتها البيئية وسكانها الاقتصادية .
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
تأسرنا مدينة فينيسيا ( البندقية ) بجمالها الفريد الذي يعانق التاريخ ، فهي مدينة تاريخية عريقة تقع على الساحل الشمالي الشرقي للبحر الأدرياتيكي ، وتعد عاصمة إقليم فينييتو وأكثر مدن العالم سحراً وغرابة . لقد شُيدت هذه الدرة فوق مجموعة من الجزر المتناثرة داخل بحيرة ضحلة ( لغون ) تابعة لدلتا نهري بو وأديجي ، وتبلغ مساحتها الإجمالية نحو 414.6 كيلومتر مربع معظمها مسطحات مائية ذات مناخ متوسطي صيفه حار رطب وشتاؤه بارد رطب . وبدل السيارات ووسائل النقل التقليدية ، تتهادى في قنواتها المائية الملتفة وعددها يجاوز 150 قناة قوارب " الجوندولا " وقوارب النقل الآلية العامة ( الفابوريتو ) ، مانحة المدينة طابعاً رومانسياً لا يُضاهى . وتتصل جزر المدينة بعضها ببعض عبر شبكة معقدة تضم أكثر من 400 جسر ومعابر ضيقة فريدة .
جذور التاريخ والتأسيس الفريد
تضرب جذور فينيسيا في أعماق التاريخ العريق ، فقد تأسست المدينة في أوائل العصور الوسطى ( نحو القرن الخامس الميلادي ) ، حين لجأ سكان المناطق البرية المجاورة إلى جزر البحر الأدرياتيكي الآمنة هرباً من الهجمات والغزوات البربرية المتلاحقة . ومن رحم هذه البدايات الصعبة والمتواضعة ، استطاع الأجداد تطويع الطبيعة القاسية لبناء إمبراطورية بحرية عظيمة أُسست تحت مسمى " دولة البندقية " أو " لا سيرينيسيما " واستمرت من القرن الحادي عشر حتى عام 1797 ميلادي . لقد تحولت المدينة تدريجياً لتصبح القوة البحرية والتجارية الكبرى التي تسيطر على التجارة بين الشرق والغرب في حوض البحر الأبيض المتوسط ، ومحطة رئيسية تلتقي فيها طريق الحرير والعالم ، مما ترك بصمات معمارية وثقافية خالدة تتجلى في كل زاوية من زواياها . وفي مسارها التاريخي اللاحق ، سقطت المدينة تحت السيطرة النابليونية ثم الحكم النمساوي ، قبل أن تنضم إلى إيطاليا الموحدة عام 1866 ميلادي .
معالم وأيقونات معمارية خالدة
تزخر فينيسيا بالعديد من الصروح المعمارية والفنية التي تأسر الأنفاس وتجسد روعة الفن القوطي وعصر النهضة والفن البيزنطي العريق ، ومن أبرزها :
1 ) ميدان سان ماركو ( Piazza San Marco ) : القلب النابض للمدينة ومركز النشاط الرئيسي ، والذي وصفه نابليون بـ " أجمل غرفة استقبال في أوروبا " ، وتحيط به بنايات ذات طراز معماري عهد النهضة ومقاهٍ محببة للزوار .
2 ) كاتدرائية سان ماركو ( Basilica di San Marco ) : الواقعة على الجانب الشرقي للميدان ، وهي تحفة معمارية وبصرية مذهلة تمثل أحد أبرز نماذج الفن المعماري البيزنطي عالمياً ، وتتميز بفسيفسائها الذهبية البراقة وقبابها المهيبة وبرج أجلاسها المرتفع قربها .
3 ) قصر الدوجي ( Palazzo Ducale ) : المقر التاريخي لحاكم البندقية " الدوج " المبني قديماً قرب الميدان ، ويُعد نموذجاً فريداً للعمارة القوطية الفينيسية الغنية بالزخارف واللوحات الفنية النادرة .
4 ) جسر ريالتو ( Ponte di Rialto ) : الجسر الأقدم والأشهر الذي يقطع القناة الكبرى في وسط المدينة ، ويحيط به شارع ميرسيريا الضيق الذي يمثل المنطقة التجارية الرئيسية .
5 ) قناة الكبرى ( Canal Grande ) : الشارع المائي الرئيسي في المدينة الذي يشبه حرف ( S ) ، وتصطف على ضفافه قصور رخامية وحجرية فخمة بنيت بين القرنين الثاني عشر والتاسع عشر الميلادي تروي قصص نبلاء وعائلات فينيسيا العريقة .
الفنون والثقافة والفعاليات العالمية
شكلت البندقية عبر التاريخ منارة ثقافية وفنية انطلقت منها أصول الرسم والموسيقى الغربية ، واقترن اسمها بأعلام كبار مثل الرسام تيتيان والرسامين تنتوريتو وبارولو فيرونيز ، والموسيقي أنتونيو فيفالدي . وتضم المدينة أكاديمية الفنون الجميلة الغنية باللوحات المشهورة ، ومسارح كبرى تقدم الأوبرات والمسرحيات ، إضافة إلى مدارس معمارية وفنية وموسيقية وجامعة البندقية . وعلى صعيد المهرجانات ، تستضيف المدينة سنوياً مهرجان البندقية السينمائي الذي يُعد أقدم وأهم المهرجانات في العالم ، إلى جانب مناسبات جماهيرية كبرى كعيد الفداء الذي يحتفل بذكرى انتهاء طاعون عام 1575 ميلادي متضمناً سباقات القوارب وقوارب الموسيقى المضاءة ليلاً ، فضلاً عن منتجعات شاطئية شهيرة مثل ليدو الممر الرملي المحاذي للجزر شرقاً .
الواقع الاقتصادي والنشاط السكاني
تعتمد البندقية في اقتصادها بشكل رئيسي على السياحة النشطة التي تجذب نحو 3 ملايين سائح سنوياً لزيارة مركزها التاريخي ودعم المصنوعات اليدوية التي ينتجها الحرفيون . في المقابل ، تمثل منطقتا مارجيرا وميستر الواقعتان على البر الإيطالي الرئيسي المركزين الصناعيين والتجاريين لكوميون البندقية وموانئها الكبرى ، حيث تنتج المصانع هناك الألومنيوم والمواد الكيميائية والفحم الحجري والسماد والطلاء ومنتجات البترول والصلب ، والتي وفرت آلاف فرص العمل للسكان . ومع تطور البر الإيطالي وتفضيل الكثير من السكان نزوحهم نحو شقق مارجيرا وميستر الحديثة منذ سبعينيات القرن العشرين بحثاً عن انخفاض تكاليف المعيشة ووسع فرص العمل لقلة الأماكن السكنية الجديدة في الجزر القديمة ، يعيش معظم سكان البندقية اليوم في البر الرئيسي ، متأثرين في ثقافتهم وطعامهم بالحياة البحرية المحيطة كاعتماد المأكولات البحرية وجبة أساسية .
مستقبل المدينة العائمة
إن التأمل في مسيرة فينيسيا يبرز بوضوح حجم العبقرية البشرية التي استطاعت أن تبني فوق دعامات من الوحل في المياه إحدى أعظم الحضارات وأجمل المدن . ورغم المزايا الفريدة التي منحها الموقع الجغرافي للمدينة ، إلا أنه تسبب لها بمشاكل خطيرة تتمثل في عواصف الشتاء المائية وارتفاع منسوب البحر وتغير المناخ والتلوث المستمر الذي يتسبب في تأكل المباني والكنوز الفنية وغوص الجزر تاريخياً . وقد نجحت الحكومة الإيطالية في الحد من تفاقم غوص الجزر عبر تقييد استخدام الآبار الجوفية ، لتظل البندقية رغم هذه التحديات شعلة مضيئة تنير دروب التاريخ والفن والجمال ، وتستحق منا كل الفخر والتوثيق والاعتبار كإرث إنساني عالمي فريد .


قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) كتاب تاريخ وتطور مدينة فينيسيا البحرية - د . فرانشيسكو مورو .
- 2 ) موسوعة المدن التاريخية والحضارية في البحر الأدرياتيكي .
- 3 ) دراسات وأبحاث في العمارة القوطية الفينيسية وعصر النهضة .
- 4 ) أرشيف التاريخ والحضارة الإيطالية والجمهوريات البحرية .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.