يتناول المقال أهمية النقوش الصفائية في البادية الأردنية كسجل تاريخي وثقافي يوثق حياة الأجداد ومعتقداتهم وهويتهم العربية الأصيلة.

صدى الصحراء الصامت : النقوش الصفائية في البادية الأردنية سجل حي لنبض الأجداد

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تُعتبر البادية الأردنية كتاباً مفتوحاً يروي صفحات من تاريخ الإنسان العربي القديم ، ولعل من أبرز ملامح هذا الإرث الحضاري المتجذر في أعماق الصحراء النقوش الصفائية ؛ تلك المدونات الحجرية الفريدة التي تمثل سجلاً نابضاً بالحياة ، ونافذة أصيلة تطل على تفاصيل الوجدان والترحال والمعتقدات لأقوام عاشوا على هذه الأرض الطيبة قبل قرون طويلة.

​جغرافيا الصخر والبازلت : حيث خطت الذاكرة :

​تنتشر النقوش الصفائية بكثافة عالية في حرة البازلت بالبادية الأردنية الشمالية الشرقية ، إضافة إلى امتداداتها في جنوب سوريا وشرق الحجاز.

​وفيما يتعلق بسبب تسميتها ، فقد سُميت بهذا الاسم نسبةً إلى منطقة الصفاة ( أو حرة الصفا ) ، وهي منطقة بركانية تقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة دمشق في سوريا ، حيث اكتشفت ووثقت أولى النقوش التي تحمل هذه السمات والخصائص اللغوية والكتابية ، قبل أن يتبين امتدادها الواسع في بادية الشام.

​وقد اتخذ أصحاب هذه النقوش من صخور الصوان والديوريت والبازلت السوداء لوحات فنية خُطت بأدوات حادة بطريقة الحِزّ والنقش ، لتتحدى الزمن وتبقي شاهدة على حضورهم الفاعل والمؤثر في هذه البيئة القاسية ما بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الرابع الميلادي.

​جذور الشجرة اللغوية : امتدادات النقوش الصفائية وشقيقاتها العربية القديمة :

​في إضاءة علمية دقيقة لعالم الآثار والمعماري المهندس عمار خماش ، تُمثّل النقوش الصفائية فرعاً أساسياً من شجرة اللغات العربية الشمالية القديمة التي تنتشر أمثلتها في شمال الاردن ، ومنطقة الحماد ، والحرة السورية الأردنية السعودية التي تمثّل بركانيات شمال غرب الجزيرة العربية.

​وفي المقابل ، تتوزع الفروع الأخرى لتلك الشجرة اللغوية بخصائص جغرافية مميزة ، فاللغة الثمودية تنتشر جنوباً من منطقة رم إلى تبوك والعلا ، بينما تتصل بها ارتباطاً مباشراً فروع أخرى مثل اللغة الحسمائية ( Hismaic ) نسبةً لبادية حسمى ، ولغات الواحات كالدادانية في العلا ، واللغة التيمائية ( Taymaic ) ، والدوماوية ( Dumatic ) نسبةً إلى دومة الجندل.

​وعلى صعيد المواقع الميدانية البارزة في البادية الأردنية ، تبرز منطقة برقع ( قرب قصر برقع ) في لواء رويشد بمحافظة المفرق ، كنموذج استثنائي تحضنه صخور البازلت السوداء السائدة ، حيث تنتشر النقوش الصفائية - التي تُؤرخ أكاديمياً بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الرابع الميلادي - محفورة بعناية ، وقد ترافق بعضها أحياناً بإطارات رمزية نادرة كشكل ورقة النبات أو القلب ، لتوثق تفاصيل شخصية أو تعبدية في قلب الصحراء.

​صخور البازلت الناطقة : الهوية العربية الجذعية في حوران وباديتها :

​على صخر البازلت الأسود الصلب في حوران والبادية المجاورة ، ترك الأجداد إرثاً كتابياً يمتد لقرون ، ليؤكد أن المنطقة كانت مركزاً حضارياً بِلغة وهوية خاصة ، لم تُطمسها الهيمنة الرومانية ولا غيرها. وتتجلى هذه الوثائق التاريخية في مسارين أساسيين يعكسان عمق الهوية العربية القديمة :

​النقوش النبطية ( لغة التجارة والحكم ) : التي انتشرت بكثافة في مراكز حوران مثل بُصرى والسويداء ، مشكلة السلف المباشر للخط العربي. وقد أثبتت هذه النقوش التأسيسية والجنائزية وعقود البيع أن اللغة العربية كانت لغة الإدارة والحياة اليومية ، مما يقوّض فكرة فرض الرومان لغتهم بشكل كامل.

​الخط الصفائي ( شهادة البدو والرعاة ) : الذي ينتشر في الأجزاء الجنوبية والشرقية القريبة من الصحراء ، كاشفاً عن الحياة اليومية للقبائل العربية المحلية ، وأسفارها ، وبحثها عن الماء ، ومعاركها ، ومرتبطاً بشكل مباشر بثقافة الجزيرة العربية القديمة.

​وقد ظهرت إلى جانب ذلك نقوش بلغات متعددة كالآرامية واليونانية ، وهو تنوع لا يدل على التبعية بل على كون حوران مركزاً تجارياً دولياً تفاعلت فيه الحضارات مع احتفاظ أهلها بلغتهم الأم وسجلاتهم الهامة.

​مضامين النقوش الصفائية : عوالم فكرية واجتماعية نابضة :

​تتجاوز النقوش الصفائية كونها مجرد علامات عابرة ، فهي تحفل بمضامين غنية ومتنوعة تعكس تفاصيل دقيقة من حياة إنسان البادية العربية القديمة وعوالمه الداخلية والخارجية ، وتبرز أبرز موضوعاتها فيما يلي :

​الترحال والرعي والبيئة : تركز غالبيتها العظمى على أحوال الرعي ، والبحث عن مواطن الكلأ والعشب ، ومطاردة مسايير الإبل والأنعام في بيئة صحراوية قاسية تتطلب الصبر والجلد ، مع توثيق أحياناً لأحداث مرتبطة بتنقل القبائل وتجاربها اليومية.

​الأنساب والانتماءات القبلية : تولي النقوش عناية فائقة لذكر الأسماء والأنساب ، وغالباً ما يذكر صاحب النقش اسمه متبوعاً بسلسلة طويلة من أسماء آبائه وأجداده ( التي قد تصل إلى سبعة آباء أو أكثر ) ، إلى جانب الإشارة إلى الانتماءات العشائرية والقبائل التي ينتمي إليها مثل قبائل ( عُمرة ) و( بالش ).

​المشاعر الإنسانية العميقة : تختزن النقوش أطيافاً واسعة من المشاعر الصادقة كالوجد ، والشوق ، والحزن ، والأسى على فراق الأحبة أو الديار ، وغالباً ما تبدأ هذه العبارات بلفظ ( وَجَدَ فلانٌ على... ) تعبيراً عن لوعة الفراق والذكريات.

​المعتقدات الدينية والابتهالات : تُوثق جانباً مهمًا من المعتقدات السائدة قبل الإسلام ، متضمنةً ابتهالات وأسماء لآلهة عربية قديمة مثل : ( رضى ) ( أو رضو ) ، ( لات ) ، ( ذو الشرى ) ، و( عتر ) ، إلى جانب طلبات الاستعاذة والحماية والرزق والأمن ، ودعوة الآلهة لحماية الحي والمناطق من الأخطار أو الجيران.

​الأحداث التاريخية والعلاقات الاجتماعية : تسجل بعض النقوش أحداثاً تاريخية أو وقائع معينة مثل مغادرة بعض الشخصيات لمدن ومناطق إقليمية ( مثل الإشارة إلى مدينة الرها ) ، أو توثيق مواقف الحماية وإجارة الجار ( مثل إجارة ( يثع ) لجاره ) ، وقصص طرد الخيل أو الصراعات والصيد.

​لغز في قلب الصحراء : قصة هبل بن ودم والسفينة الغامضة :

​في قلب البادية الشمالية الشرقية ، وتحديداً في منطقة الخضيري بمحافظة المفرق ، يبرز نقش صفائي استثنائي يكسر المألوف ويثير تساؤلات عميقة حول علاقة إنسان الصحراء بالبحار. يعود تاريخ النقش إلى فترة مبكرة ( تقدر بين عامي 1000 و 500 قبل الميلاد ) ، وجاء نصه على النحو التالي :

​( لهبل بن ودم و نجي بهسفينه معقد م أبحرن ثلثن سنت . )

​ويُترجم إلى : ( لهبل بن ودم ، ونجا بهذه السفينة ، واعتصم في البحار ثلاثين سنة . )

​إلى جانب هذا السطر ، نُقشت صورةٌ لسفينةٍ شراعية واضحة التفاصيل ، يظهر على متنها ثلاثة رجال ، أحدهم يمسك بمجداف ، مع دقة في تمثيل الشراع المثلث الشكل وزخرفة أطراف السفينة برؤوس طيور ، مما يظهر تشابهاً مذهلاً مع تصميم السفن الرومانية ويُرجّح أن البحر المقصود هو البحر الأبيض المتوسط.

​إن العثور على نقش بحري بهذا العمق الصحراوي ، بعيداً عن أي شاطئ - إذ لم تكن الملاحة مألوفة لدى البدو كما أشار أحيقار قديماً بالقول : ( لا تُثَرْ عرياً البحر ، ولا صياداً البادية . ) - يفتح باب التأويلات واسعاً ، من ماذا نجا هبل بن ودم ؟ وهل عاد إلى أرضه بعد ثلاثة عقود في المجهول ، أم ظل حجر الصحراء الشاهد الوحيد على قصته ؟

​لوحات فنية توثق بيئة الصحراء :

​لا تقتصر النقوش الصفائية على الكلمات والحروف فحسب ، بل تقترن غالباً برسومات صخرية دقيقة ومتقنة لحيوانات البيئة البدوية ، كالوعول ، والإبل ، والكلاب السلوقية ، والأسود ، إلى جانب مشاهد الصيد والفروسية ، والأشكال البشرية ، والوسوم العشائرية التي استُخدمت لتمييز الأملاك والمناطق.

​آفاق رقمية حديثة : توثيق موقع مَرَبّ الغُصَيْن 1 :

​تخطو دراسات النقوش العربية الشمالية القديمة خطوات متقدمة نحو التوثيق الرقمي المنهجي ، وفي إنجاز علمي بارز ، اكتمل نشر جميع نقوش موقع مَرَبّ الغُصَيْن 1 ( Marabb al-Ghuṣayn 1 – MG1 ) على قاعدة بيانات OCIANA العالمية ، بجهود أسهم فيها طلاب دورة النقوش الصفائية ( Safaitic ) بمعهد النقوش ( Epigraphic Institute ).

​يقع الموقع في البادية الشرقية ضمن محافظة المفرق في المملكة الأردنية الهاشمية ، وتحديداً في منطقة الغُصَيْن التي تضم مواضع جغرافية عريقة مثل وادي الغُصَيْن وآبار الغُصَيْن وتلول الغُصَيْن. ويضم الموقع 58 نقشاً ، غالبيتها مكتوبة بالخط الصفائي إلى جانب نقوش صفائية–حسمائية مختلطة ، ويمكن للباحثين الوصول إليها عبر الرمز BES25_MG1 في قاعدة بيانات OCIANA.

​وقد واكب هذا الإنجاز إطلاق قاعدة OCIANA ميزة جديدة مميزة بعنوان ( المواقع النقشية - Epigraphic Sites ) ، والتي تتيح عرض صور المواقع الأثرية ، وإرفاق الملاحظات والوصف الأثري ، وجمع كافة النقوش المرتبطة بكل موقع في صفحة واحدة متكاملة. وتُعد هذه الخطوة نقلة نوعية في ربط النصوص ببيئتها الجغرافية والأثرية ، مما يسهم بشكل مباشر في تعميق فهمها وتفسيرها ضمن سياقها التاريخي الأصيل.

​إضاءات مراجع البحث الأثري والدراسات التحليلية :

​تتكامل هذه الجهود الرقمية مع الإرث المكتوب من الدراسات والمدونات الأكاديمية المتخصصة ، ففي هذا السياق ، تبرز الإصدارات والمؤلفات العلمية التي عُنيت بتتبع هذا الإرث ، مثل كتاب ( نقوش صفائية من البادية الأردنية الشمالية الشرقية ) الذي وثق وعالج مئات النصوص والنقوش التاريخية مقدماً دراسات تحليلية ولغوية عميقة تفكك مفردات هذه المدونات.

​كما تتجلى هذه الدراسات التحليلية المتعمقة في الأبحاث الأكاديمية المحكمة ، مثل الدراسة اللغوية والتحليلية التي نشرت في مجلة أدوماتو بعنوان ( نقوش عربية شمالية ( صفائية ) من جاوه البادية الأردنية الشمالية الشرقية ) ( والتي تناولت نقوش منطقة جاوه في حرة راجل ) ، حيث أضاءت تلك الأبحاث على أحداث تاريخية موثقة في النقوش ، مثل مغادرة مدينة الرها وإجارة الجيران واستخدام صيغ الاستعاذة والطلب للآلهة ، فضلاً عن رصد ألفاظ وأفعال جديدة تُسجل لأول مرة في مدونات النقوش الصفائية.

​محميات النقوش الميدانية : ضرورة وطنية لحفظ الذاكرة المكانية :

​استكمالاً لجهود التوثيق العلمي والحفاظ على هذا الإرث الفريد ، تبرز الطروحات الجغرافية والأثرية المعاصرة ، مثل دراسات الباحثين في الجمعية الجغرافية الأردنية ، التي تنادي بأهمية تأسيس ( محميات نقوش ميدانية ) في البادية الأردنية الشمالية الشرقية ( الحرة البازلتية ).

​تستهدف هذه المبادرات حماية المواقع الغنية بالنقوش ، لا سيما التي تضم تركزات استثنائية في الوديان والمناطق الحجرية البازلتية ، من العبث أو التخريب ، وتوفير مظلة حماية متكاملة تدمج البعد الجغرافي والأثري والسياحي ، بما يضمن صيانة الهوية المكانية والذاكرة الوطنية للأجيال القادمة.

​قيمة علمية وتاريخية عابرة للزمن :

​تُقدم النقوش الصفائية والنقوش العربية القديمة مادة غنية وموثوقة للباحثين والدارسين في حقول اللغات السامية القديمة واللهجات العربية ، مؤكدةً على التواصل الحضاري العميق والتأصل اللغوي الذي يمهد للفصحى.

​إن هذه النقوش لا تمثل مجرد آثار صخرية صامتة ، بل هي أصوات حية تنطق بعراقة التاريخ العربي في حوران والبادية ، وتستدعي منا المزيد من الاهتمام والدراسة لحفظ هذا الإرث الحضاري الفريد وصونه للأجيال القادمة.

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1   ) كتاب ( نقوش صفائية من البادية الأردنية الشمالية الشرقية ).
  3. 2   ) مجلة أدوماتو ، دراسة ( نقوش عربية شمالية ( صفائية ) من جاوه البادية الأردنية الشمالية الشرقية ).
  4. 3   ) قاعدة بيانات OCIANA العالمية للنقوش العربية الشمالية.
  5. 4   ) دراسات وأطروحات الجمعية الجغرافية الأردنية حول حماية التراث والمواقع الأثرية.