يُحلّل المقال ظاهرة العبط الجمعي والوعي التبعي في المجتمعات وتأثيرهما النفسي والعصبي والاجتماعي مع تقديم رؤى نقدية واعية لحماية الاستقلال الفكري للفرد .

ظاهرة " العبط الجمعي " : كيف ننتمي دون أن ننفقد عقولنا ؟

​عندما يصبح الخطأ عادة وتحول سلوك الجماعة إلى ثقافة

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​" العقل الجمعي " أو " المطابقة الاجتماعية " تسميات لظاهرة نفسية تحدث عندما يفقد الأشخاص قدرتهم على اتخاذ القرار المناسب ، ويفترضون أن الآخرين يعرفون أكثر منهم ، وأن تصرفاتهم ربما تكون هي الصحيحة ، فينصاعون للسائد دون تفكير ، فيما يشبه سلوك القطيع . هذا السلوك يمثل في جوهره ما يمكننا وصفه بـ العبط الجمعي الذي يمثل سلوكاً مؤقتاً أو ظرفياً يحصل تحت تأثير ضغط الحشد الآني والعدوى الاجتماعية السريعة ، مقابل العبط المجتمعي الذي يمثل حالة أعمق وأكثر استقراراً يتحول فيها السلوك غير الرشيد إلى ثقافة عامة وعُرف مزمن يتبناه المجتمع على طول الأمد .

​ولفهم جذور هذا الانقياد اللافوري ، تجدر الإشارة إلى التجارب النفسية التاريخية التي تناولت سلوك القطيع ، مثل تجارب مظفر شريف عام 1935 م حول تكوين المعايير الجماعية في غرف مظلمة عبر تأثير الحركة التلقائية ، والتي أثبتت كيف يميل الأفراد إلى توحيد تقديراتهم وتبني إجماع وهمي لمجرد الوجود داخل مجموعة تتفق على رأي واحد ، وهو ما يفسر كيف يتنازل الفرد تدريجياً عن مرجعيته الذاتية لصالح الإجماع العام .

​أسباب الظاهرة وآلياتها :

​لماذا يستسلم الفرد للقطيع حتى لو كان على خطأ واهتزت قناعته ؟ تكمن الإجابة في عدة آليات نفسية واجتماعية وبيولوجية متداخلة تتشكل عبر تراكمات الوعي الجمعي في المؤسسات والبيئات المختلفة :

​عقلية القطيع : ميل الإنسان الطبيعي للاندماج مع الجماعة لتجنب الشعور بالانعزال والرفض الاجتماعي ، وهو ما أثبته عالم النفس سولومون آش عام 1951 م في تجربة تقييم الخطوط الشهيرة التي أظهرت موافقة الأغلبية على الخطأ خوفاً من الخروج عن الإجماع .

​العدوى العاطفية : انتقال مشاعر الخوف ، الحماس ، أو الغضب بين الناس بسرعة فائقة تتفوق على المنطق والتحليل الهادئ .

​تأثير غرف الصدى : انغلاق المجموعات على أفكار معينة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، مما يضخم الفكرة الخاطئة ويجعلها تبدو كحقيقة وحيدة لا تقبل المناقشة .

​غياب الوعي النقدي : تراجع الرغبة في التقصي والبحث عن الحقائق والاعتماد على العاطفة بدل العقل الخالص . وقد أظهرت نتائج دراسات للتحقق من نشاط الدماغ في هذه الحالة أن المشاركين يغيرون اختياراتهم عندما يجدونها تتعارض مع رأي المجموعة ، وكشفت بيانات الرنين المغناطيسي أن الصراع مع معايير المجموعة ينشّط المناطق المختصة بالتكيف السلوكي في الدماغ ، حيث تؤثر توجهات المجموعة على الإدراك وصنع القرار ، مما يجعل الأفراد يغيرون آراءهم وسلوكياتهم للتوافق معها ، إضافة إلى ما أكدته دراسات غريغوري بيرنز عام 2005 م من أن الدماغ يتعامل مع مخالفة الجماعة كحالة توتر وخطر إنذاري بينما يمنح التوافق شعوراً بالراحة الكاذبة . كما يشير روبرت تشالدييني في كتاباته حول التأثير الاجتماعي إلى دور المعايير الاجتماعية الضاغطة وقوة تأثير المعلومة في توجيه خياراتنا دون وعي .

​من حارة عمّان إلى التريند : أمثلة شهيرة للعبط الجماعي :

​تظهر هذه الظاهرة في واقعنا اليومي وتاريخنا القريب بعدة تجليات واضحة :

​الهلع الأخلاقي أو الاجتماعي : مثل انتشار شائعة " تحدي الحوت الأزرق " أو الألعاب الانتحارية بشكل مرعب في فترات معينة ، مما دفع عائلات ومؤسسات لاتخاذ إجراءات جنونية بناءً على مبالغات إعلامية وتضخيم جماعي غير مبرر .

​جنون الاستثمار والفقاعات الاقتصادية : اندفاع الملايين لشراء أصول بلا قيمة حقيقية أو عملات رقمية مجهولة وأسهم شركات مفلسة فقط لأن " الجميع يفعل ذلك " ، مما ينتهي بانهيار كارثي . كما يظهر الاستهلاك الموجه في إنفاق الأموال الطائلة على سيارات ومناسبات باهظة لا نحتاجها حقيقة بل لنقول للناس " نحن مثلكم " ، وهو ما يعكس سباقاً مادياً بلا نهاية كما ناقشه الباحثان كاسر ورييان ، إضافة إلى ما تدرسه أبحاث التسويق العصبي الحديثة حول تأثير الآخرين على قرارات الشراء المتهورة .

​الهستيريا الجماعية الطبية : توهم مجتمعات بأكملها بالإصابة بمرض غامض أو تسمم ، وتفشي أعراض مرضية جسدية حقيقية بين المئات نتيجة الإيحاء النفسي فقط .

​فخ المقارنة على السوشيال ميديا : حين يقارن الشاب واقعه العادي في المقهى بلقطات الحياة المزيفة والمثالية للآخرين عبر الهواتف ، يتولد لديه شعور دائم بالنقص والدونية بناءً على نظرية المقارنة الاجتماعية التي وضعها ليون فستنغر .

​التفكير الجمعي في المؤسسات : الخوف من إزعاج المسؤولين والرغبة في الحفاظ على سلامة الرأس يدفعان بيئات العمل لإقرار سياسات كارثية تحت شعار " امشي الحيط الحيط " ، وهو شبيه بما درسه إرفنغ جانيس حول ضحايا التفكير الجمعي والقرارات المدمرة عندما يتقدم الإجماع على صحة القرار .

​الجهل الجمعي وتأثير المتفرج :

​من أخطر تجليات هذه الظاهرة ما يُعرف بـ " الجهل الجمعي " ، حيث يعتقد معظم أفراد الجماعة أن الآخرين يؤمنون بشيء معين ، بينما يفكر الكثيرون سرا بطريقة مختلفة تماما في أعماق نفوسهم . يراقب كل شخص الآخرين مفترضا أن صمتهم يعني الموافقة التامة ، فتستمر القاعدة الاجتماعية الخاطئة رغم عدم اقتناع الأغلبية بها . وتظهر بوضوح في " تأثير المتفرج " الذي درسته تجارب دارلي ولاتاني عام 1968 م ، حيث يميل الناس لعدم التدخل في الأزمات مفترضين أن غيرهم سيتدخل ، مما يساهم في استمرار السلوكيات الخاطئة والمرفوضة .

​الفرق بين الجماعة المفيدة والقطيع الضار :

​الجماعة ليست شراً بالمطلق ؛ فالعائلة والأصدقاء وأهل الحارة سند حقيقي في أوقات الشدة والنوائب . وكما يشير جيمس سوروفيتشكي في كتابه " حكمة الجماهير " ، تكون الجماعة ذكية وفعّالة متى وُجد تنوع الآراء وحرية التعبير . لكن الكارثة تكمن حين تتحول الجماعة إلى حاضنة مغلقة ترفض النقد وتعاقب المختلف وتعتبر مجرد طرح السؤال المشروع خيانة عظمى .

​وهذا يختلف تماماً عن التوافق الاجتماعي السليم الذي يتشارك فيه الفرد مع المجموعة لكي يكون ناجحا ويتقبله الآخرون ، حيث قد يكون للفرد رأي أفضل من رأي المجموعة في موقف ما ، وهو ما جسده هنري فوندا عام 1957 م بدوره البارع في فيلم " 12 رجلا غاضبا " عندما أصر على وجهة نظره المستقلة حتى أقنع بها بقية زملائه في هيئة المحلفين بعد معركة شرسة .

​كيف نحمي عقولنا وننتمي بلا طاعة عمياء ؟ :

​لكي ننتمي لمجتمعنا دون أن نفقد استقلالنا الفكري ، علينا أن ندرك مع سقراط أن حكمة الإنسان تبدأ من إقرار واعٍ بمحدوديته عبر مقولة " أنا أعرف أنني لا أعرف شيئاً " ، ومن ثم تدريب عقولنا على مواجهة التبعية عبر الأسئلة الواعية والمستقلة التي دعا إليها مفكرون مثل سورين كيركجور في تأكيده على قيمة الفرد المطلقة ومسؤولية اختياراته الوجودية . ومن أبرز وسائل الحماية :

​توقف واسأل : قبل تبني أي رأي رائج ، اسأل نفسك : " لماذا نفعل هذا السلوك فعلاً ؟ وهل هو عن قناعة أم مجرد تقليد للكل ؟ وما هو الدليل الملموس على هذا ؟ " .

​افصل نفسك عن الحشد : خذ مسافة كافية لتقييم الموقف بعقلانية بعيداً عن ضغط المجموعات ، واسأل : " ماذا لو كانت الجماعة بأكملها مخطئة تماماً ؟ وهل يجرؤ صوت العقل على الاختلاف باحترام ؟ " .

​نوع مصادرك : لا تستقِ معلوماتك من بيئة واحدة أو منصة واحدة تكرر نفس الكلام الموجه .

​المجتمع الصحي هو الذي يقبل التنوع والنقاش والمراجعة بشجاعة وتتكامل فيه الآراء دون تحول الاختلاف إلى عداء مدمر . وكما قال برتراند راسل : " المشكلة مع العالم أن الأغبياء واثقون ، والأذكياء مليئون بالشكوك " .. فلا تخف من طرح السؤال الواعي لتبقى مالكاً لعقلك ومختاراتك حراً ومستقلاً .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1   ) آش ، سولومون . (1951 م) . دراسات تأثير الجماعة وتغيير الآراء في تقييم الخطوط . (أبحاث التجربة النفسية في الانصياع الاجتماعي) .
  3. 2   ) بيرنز ، غريغوري . وآخرون . (2005 م) . نشاط الدماغ ودراسات الرنين المغناطيسي الوظيفي أثناء مخالفة الإجماع الاجتماعي . مجلة علم الأعصاب الإدراكي .
  4. 3   ) جانيس ، إرفنغ . (1982 م) . ضحايا التفكير الجمعي : دراسة نفسية للقرارات الخارجية الفاشلة والحروب . دار النشر هوتن ميففيل .
  5. 4   ) سوروفيتشكي ، جيمس . (2004 م) . حكمة الجماهير : كيف يُمكّن الذكاء الجماعي التجارة والأعمال والأمم من الازدهار . دار دوبليدي .
  6. 5   ) شريف ، مظفر . (1935 م) . تكوين المعايير الاجتماعية : تجربة الحركة التلقائية وديناميكيات المجموعات . مجلة علم النفس الاجتماعي .
  7. 6   ) فستنغر ، ليون . (1954 م) . نظرية المقارنة الاجتماعية . مجلة العلاقات الإنسانية .
  8. 7   ) كاسر ، تيم . ورييان ، ريتشارد . (1993 م و 2001 م) . دراسات الاستهلاك الموجه والمادية وعلاقتهما بالرفاه النفسي . مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي .
  9. 8   ) تشالدييني ، روبرت . (2006 م) . التأثير : علم النفس والإقناع . دار هاربر كولينز .
  10. 9   ) كيركجور ، سورين . (1849 م / طبعات لاحقة) . المرض حتى الموت : مفهوم الفرد والقلق الوجودي .
  11. 10  ) راسل ، برتراند . (1933 م) . مقال حول الأيقونات الفكرية والثقة الزائفة . ضمن مقالات مختارة في الفلسفة والمجتمع .
  12. 11  ) دارلي ، جون . ولاتاني ، بروب . (1968 م) . تدخل المتفرج في حالات الطوارئ : انتشار المسؤولية . مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي .