تستعرض المقالة محمية الضاحك الطبيعية في البادية الشرقية للأردن كدرة جيولوجية وبيئية فريدة تتميز بتشكيلاتها الطباشيرية وسحر صحرائها .
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
تتجلّى روعة البادية الأردنية بلوحات فريدة تحكي قصص الأرض عبر ملايين السنين ، حيث تختزن الرمال أسراراً وتضاريس لا نظير لها . وتبرز محمية الضاحك الطبيعية ( وتُعرف أحياناً باسم محمية وادي الضاحك ) ، الواقعة في البادية الشمالية الشرقية ضمن حدود محافظة الزرقاء وإلى الشرق من مركز حدود العمري ، كواحدة من أغرب وأهم المواقع البيئية والجيولوجية التي تروي تفاصيل مشهد صحراوي استثنائي يجمع بين قسوة الطبيعة وسحر التكوين .
سر التسمية : حين تبتسم الصحراء :
يتبادر إلى الذهن فور سماع الاسم ذلك التساؤل الجميل عن سبب تسمية هذه البقعة الفريدة بـ "الضاحك" . يعود هذا اللقب التعبيري المعبر إلى طبيعة صخورها ومنحدراتها الطباشيرية البيضاء الناصعة ، فبعد سواد صخور الحرة البركانية ووعورتها يبرز هذا القاع الفيضي الطيني والرملي والصحراء البيضاء الناصعة على هيئة قباب وتلال كلسية جافة تتكشف تدريجياً ببريقها العاجي لتشبه الأسنان البيضاء البائنة أثناء الضحك . هذا التباين المذهل بين سواد الحرة وبياض القيعان يبعث في النفس إحساساً بالدهشة والبهجة ، كأن الصحراء هنا تبتسم لزائرها رغم جفافها .
متحف جيولوجي عالمي مفتوح :
تُعد المحمية التي تأسست عام 2018 م وتبلغ مساحتها نحو مئتين وخمسة وستين كيلومتراً مربعاً بمثابة متحف جيولوجي نادر وفريد من نوعه على مستوى الأردن والمنطقة والعالم ، حيث لا توجد نظائر شبيهة لهذه التشكيلات البيئية والمنحوتات الطباشيرية الطبيعية سوى في مواقع محدودة حول العالم مثل البرازيل ومصر . وتتميز المنطقة بمنحدراتها وتلالها الكلسية الجافة وقيعانها المنبسطة التي شكلتها عوامل التعرية والرياح على مدار العصور ، لتقدم لوحة بصرية متكاملة تجذب عشاق السياحة الجيولوجية والباحثين في علم الأرض والاستكشاف العلمي .
بيئة صحراوية نابضة بالحياة :
يسود المنطقة مناخ صحراوي شبه مداري يتسم بالحرارة الشديدة صيفاً والتي قد تصل في بعض مواسم الصيف إلى خمس وأربعين درجة مئوية مع معدلات تبخر عالية ، والبرودة القارسة شتاءً ، مع كميات أمطار شحيحة ومتباينة . وعلى الرغم من قسوة الظروف المناخية ، تشكل هذه البيئة موطناً وملاذاً لأنواع متأقلمة من الحياة النباتية والحيوانية الصحراوية التي تتحدى الجفاف . وقد سُجل فيها تنوع حيوي فريد يضم أنواعاً برية نادرة ومتأقلمة مع البيئة الصحراوية القاسية ، مما دفع الجهات المعنية ممثلة بالجمعية الملكية لحماية الطبيعة إلى إدراجها ضمن الشبكة الوطنية للمحميات بهدف حماية موائلها الفريدة وتعزيز برامج المراقبة البيئية والبحث العلمي .
آفاق واعدة للسياحة البيئية والمغامرة :
تعتبر محمية الضاحك وجهة مثالية لمحبي رحلات السفاري الصحراوية ، والتخييم الهادئ ، والاستمتاع بسكون الصحراء ونجومها الصافية واستكشاف المنحوتات الطبيعية ومنحدرات الطباشير الأبيض بعيداً عن صخب المدن . إن الاستثمار الواعي في إبراز هذه المعالم وتسليط الضوء عليها سياحياً يسهم بشكل فاعل في وضع البادية الأردنية على خريطة السياحة العالمية البيئية والجيولوجية ، وتعزيز وعي الأجيال بأهمية صون التراث الطبيعي الصحراوي .
تبقى محمية الضاحك إرثاً وطنياً ناطقاً بعظمة الجيولوجيا الأردنية ، وشاهداً حياً على تنوع البيئة المحلية التي تستحق منا كل رعاية واهتمام لتبقى دُرّةً تزهو بها صحراء الوطن .










قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) السجلات والتقارير الرسمية الصادرة عن الجمعية الملكية لحماية الطبيعة ومنصاتها الرسمية حول تأسيس محمية الضاحك الصحراوية ( محمية وادي الضاحك ) عام 2018 م ومساحتها .
- 2 ) الدراسات والأبحاث الجيولوجية المتعلقة بطبوغرافيا وتشكيلات البادية الشمالية الشرقية ومنحدرات الطباشير الأبيض في محافظة الزرقاء .
- 3 ) التقارير البيئية وتوثيقات مركز مراقبة التنوع الحيوي حول حماية الموائل الطبيعية والأنواع البرية النادرة في المحمية .
- 4 ) التقارير الصحفية والمقالات الواردة في وكالات الأنباء والمواقع الإعلامية المحلية ( مثل وكالة الأنباء الأردنية بترا وصحيفة السوسنة ) ومستودعات التوثيق البصري والمعرفي ( بما فيها الموسوعة الحرة وويكيميديا ) حول استكشاف معالم محمية الضاحك والسياحة البيئية في الأردن .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.