تُعدُّ الجامعةُ الأردنيةُ صرحاً عريقاً وأمَّاً للجامعاتِ التي تحتفي بعامِها الرابعِ والستينِ ، مكللةً مسيرتَها بالعطاءِ الوطنيِّ والريادةِ الأكاديميةِ التي رسخها العسكرُ والرؤيةُ الملكيةُ الحكيمةُ .
بقلم : قيصر صالح الغرايبه
تتوسد الذاكرة الوطنية أوسمة من العزيمة والبناء ، وتزهو تلال عمان الخضراء اليوم لتزف لروابي الوطن حكاية صرح طالما كان عنواناً للرفعة والريادة . إنه الجامعة الأردنية ، "أم الجامعات" التي تحتفي بيوبيلها الممتد لتطوي أربعة وستين عاماً من العطاء الموصول ، محفورة في وجدان كل من نطق بحرف العلم أو سار بين مدرجاتها الغراء . فمنذ أن أشرقت شمسها بإرادة ملكية سامية في الثاني من أيلول عام 1962 في عهد المغفور له الملك الحسين بن طلال ، لم تكن مجرد جدران جامعية تقام لتلقين العلوم ، بل وُلدت كأنشودة وطنية كبرى ، وملاذ فكري وحضاري حاضن لطموحات الأردن والأمة .
البدايات والخطوات الأولى : عزم العسكر ورؤية الوطن :
تستعيد الذاكرة الأردنية بكل فخر ذلك المخاض التأسيسي العظيم وحكاية النشأة التي روتها بطولات الرجال وولاؤهم المطلق للتربة الأردنية . ففي عام 1961 ، زار وفد بريطاني الأردن برئاسة عضو البرلمان البريطاني الدكتور إيريك فلتشر للإتفاق على تفاصيل المساعدة البريطانية للأردن ، واجتمع الوفد مع رئيس هيئة الأركان آنذاك البطل المرحوم حابس باشا المجالي في القيادة العامة . وعند سؤال الوفد عن الاحتياجات التسليحية لقواتنا المسلحة ، أجابهم حابس باشا بعفوية وبطريقة أذهلت الحاضرين بقوله : " ودنا تساعدونا نبني جامعة لأبنائنا " . استغرب الجميع الطلب ؛ فالمتحدث عسكري وكان المتوقع هو طلب الحصول على مدافع ودبابات وتجهيزات عسكرية ، ليضيف رحمه الله موجهاً حديثه لرئيس الوفد : يا دكتور فلتشر ، لن أسألكم عن الأسلحة وأنواعها ، فيمكننا الحصول عليها من أي مصدر كان ، لكننا بحاجة إلى جامعة للأجيال القادمة التي يجب أن تعرف كيف تستخدم السلاح الذي سنشتريه منكم !
وهكذا أصر حابس باشا أن يُحوّل مخصصات المساعدة البريطانية لذلك العام لبناء أم الجامعات الأردنية ، وتم الإيعاز فوراً لآليات سلاح الهندسة الملكي والقوات المسلحة للبدء في حفر أساسات وأعمال بناء الجامعة الأردنية في موقع مستنبت الجبيهة الزراعي وهو موقعها الحالي . وهكذا يُسجل التاريخ بمداد من الفخر أن أول من حفر أساسات الجامعة الأردنية هم العسكر ، وأول من طالب بإنشائها هو المرحوم حابس المجالي عليه رحمة الله . وقد انطلقت الدراسة الفعلية في كانون الأول من عام 1962 حين فتحت كلية الآداب أبوابها كأولى كليات الجامعة ، لتتوسع تدريجياً وتصبح أول وأكبر صرح أكاديمي عريق في المملكة .
تحية وفاء لكل شريك في صناعة المجد :
في هذه الذكرى المجيدة والوقفة الاحتفائية بالعام الرابع والستين من عمر العطاء ، تتوجه القلوب قبل الأقلام بتحية إجلال وعرفان لكل من ترك بصمة في هذا السِجل الخالد :
1 ) إلى كل طالب علم : يطأ جنبات الحرم الجامعي طامحاً متسلحاً بالأمل ؛ أنت الامتداد الحي لرسالة الجامعة ، وبك تزهو القاعات وتستمر الحياة لتكتب غد الأردن المشرق.
2 ) إلى كل خريج حمل اسم الجامعة الأردنية وساماً على صدره : أينما حللت في ميادين العز والبناء داخل الوطن وخارجه ، تظل سفيراً للتميز، وثمرةً ناضجة غرستها الجامعة في تربة الوعي والولاء.
3 ) إلى كل أكاديمي ومحاضر وباحث : أفنى زهرة عمره بين الأوراق والمختبرات مرشداً ومربياً؛ لكم ترفع القبعات احتراماً لجهودكم المخلصة في إنارة العقول وتأصيل المعرفة الرصينة.
4 ) إلى كل عامل وموظف وإداري : سهر على راحة الصرح ونظافته وتنظيمه وتطويره بصمت وإخلاص؛ أنتم الجندي المجهول الذي يقف خلف كل إنجاز ونجاح تحققه الجامعة.
دور أم الجامعات في تشكيل الوعي الثقافي والاجتماعي :
لم تقتصر رسالة الجامعة الأردنية على تدريس العلوم النظرية والتطبيقية داخل قاعاتها ومختبراتها العريقة ، بل تعدت ذلك لتكون الحاضنة الكبرى للوعي الوطني والاجتماعي والثقافي في المملكة . فقد شكّلت أروقتها وحرمها الواسع فضاءً حراً للحوار الفكري والتفاعل المثمر، وتخرجت في أحضانها أجيال متعاقبة من المفكرين والعلماء والأدباء والقادة وصنّاع القرار الذين تركوا بصماتهم الواضحة في مسيرة الدولة الأردنية الحديثة . ومن خلال مراكزها البحثية المتنوعة ، ظلت الجامعة منارة تضيء الدرب لدراسة التراث الأردني والعربي وتقديم الحلول العلمية المستدامة للتحديات التنموية والمجتمعية.
قيم الانتماء والعطاء في الذاكرة المكانية :
حين نستحضر ذكرى تأسيس الجامعة الأردنية ، فإننا نستذكر معها تفاصيل الذاكرة المكانية والوجدانية التي تربط أبناء الشعب الأردني بهذا الصرح العظيم ؛ فما من عائلة أردنية إلا ولها حكاية ارتباط وثيق بهذه الجامعة ، إما بطالب علم ترعرع في مدرجاتها وتحت أشجار صنوبرها ، أو باحث نهل من معين مكتباتها الغنية بالأمهات والمراجع . لقد ظلت الجامعة وفية لرسالتها الإنسانية والحضارية ، تعزز قيم الانتماء للتربة الأردنية الطاهرة والولاء للعرش الهاشمي المعزز بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم ، وتقدم نموذجاً فريداً للعيش المشترك والتعددية الفكرية الواعية .
آفاق المستقبل : استمرار الريادة والتجدد :
مع إطلالة عامها الرابع والستين ، تثبت الجامعة الأردنية باستمرار قدرتها العالية على مواكبة روح العصر والتجدد المستمر دون تفريط بأصالتها وعراقتها . إن استمرار مسيرتها المظفرة يعكس إيمان أسرتها الأكاديمية بأهمية الحفاظ على معايير الجودة العالمية والتميز المستدام ، لتظل "أم الجامعات" منارة شامخة تؤكد أن الأردن كان وسيبقى واحة للعلم وحضناً دافئاً للمبدعين والأحرار ، ماضية بخطى ثابتة نحو آفاق المستقبل بعزم لا يلين وإرادة لا تعرف المستحيل .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) أرشيف الصور والتوثيق التاريخي لتاريخ الأردن (مجموعة توثيق صور ومحطات نشأة الجامعة الأردنية).
- 2 ) وكالة عمون الإخبارية (تقارير وتغطيات توثيقية حول محطات مسيرة الجامعة الأردنية وإنجازاتها الوطنية).
- 3 ) موقع أخبار الجامعة الأردنية (بوابة البيانات والفعاليات الرسمية والتقارير الاحتفائية بمسيرة أم الجامعات).
- 4 ) الروايات والوثائق التاريخية الوطنية حول قصة تأسيس الجامعة الأردنية ودور القوات المسلحة الأردنية والمرحوم حابس باشا المجالي في وضع الأساسات الأولى.
- 5 ) جريدة الدستور (تقارير توثيقية بمناسبة الذكرى الرابعة والستين للمسيرة الأكاديمية والتنموية الحافلة للجامعة الأردنية).
- 6 ) الموقع الرسمي للجامعة الأردنية (بوابة نبذة عن الجامعة وتطورها التاريخي كأول وأكبر صرح أكاديمي في المملكة).
- 7 ) ويكيبيديا الموسوعة الحرة (مادة: الجامعة الأردنية - نبذة عن نشأتها عام 1962 بموجب إرادة ملكية سامية في عهد الملك الحسين بن طلال).

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.