يُعد المهباش أداة تراثية أردنية عريقة لطحن القهوة وآلة إيقاعية تعبر عن الكرم والأصالة ، وتتركز صناعته في المناطق الحرجية الشمالية والوسطى باستخدام الأخشاب الصلبة كالطم والسنديان .
المهباش الأردني : نبض التراث ورمز الكرم والعزيمة
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
تُعد صناعة المهباش في الأردن واحدة من أبرز الحرف اليدوية والتراثية العريقة المرتبطة بتاريخ البادية والريف الأردني ، حيث يُعتبر المهباش ( أو المهابيش ) أداة خشبية تقليدية لطحن حبوب القهوة العربية وآلة إيقاعية ترافق الأهازيج والسمر ، والمهباش ليس مجرد أداة مطبخية جامدة ، بل هو تحفة فنية ناطقة بالأصالة ورمز تاريخي يعبر عن الكرم العربي الأصيل .
جذور الصناعة وأهميتها التراثية وسبب التسمية :
تشير الدراسات التراثية والسياحية في الأردن إلى أن الشكل الحالي المتعارف عليه للمهباش هو صناعة أردنية بحتة امتدت لأكثر من مئتي عام ، وتناقلتها الأجيال والقبائل المجاورة .
أما عن سبب تسميته بالمهباش : فتعود التسمية إلى جذور لغوية مرتبطة بطريقة عمله ، إذ مشتق الفعل " هَبَشَ " في المعاجم العربية ليدل على الجمع والضرب والخلط بشدة ، وفي التراث الشعبي ، سُمّي المهباش بهذا الاسم لأنه يقوم على هَبْش ( أي ضرب ودقّ وطحن ) حبوب البن المحمص داخل جرنه الخشبي بقوة وتتابع لإصدار المسحوق والنغمة معاً ، فالمهباش هو " الآلة التي تهبش القهوة " أي تطحنها وتدقها بخشونة منتظمة .
ولم يكن المهباش مجرد أداة مطبخية عادية ، بل وُظّف لإرسال الرسائل الاجتماعية ، فلكل " دقة " على المهباش إيقاع ورمز ، مثل مناداة الضيوف للقهوة صباحاً ، أو إعلان السمر مساءً ، أو دقات حماسية تُعرف محلياً بـ " حافر الخيل " للإنذار أو الترحيب الخاص .
المهباش آلة إيقاعية ودلالات دقاته الاجتماعية :
يُستخدم المهباش إلى جانب طحن البن كآلة إيقاعية ترافق الأهازيج البدوية والريفية ، حيث يقوم " داقّ المهباش " بالطرق داخله وكأنه يقوم بطحن القهوة باستخدام عصا المهباش ولكن بنغمة محددة ومتناسقة تشكل " لغة مسموعة " يفهمها أبناء الحي أو القبيلة ، ومن أبرز دقاته :
دقة الصباح ( مناداة الضيوف ) : إيقاع منتظم وهادئ يُعلن عن بدء النهار وإشعال النار لإعداد القهوة ، وتُعد دعوة مفتوحة لعابر السبيل والضيوف .
دقة السمر والمساء : نغمات أبطأ وأكثر دفئاً تجمع الأهل والأقارب حول شعلة النار في بيوت الشعر مرافقة لحكايات الأجداد وأشعار الربابة .
دقة الفرح والترحيب ( حافر الخيل ) : دقات حماسية متسارعة وقوية تماثل صوت حوافر الخيول الجارية للتعبير عن ابتهاج أهل البيت بقدوم ضيف عزيز أو مناسبة سعيدة .
دقة الاستنفار أو الطوارئ : إيقاعات سريعة ومتقطعة تحمل دلالة تنبيهية أو طلباً للمساعدة في المواقف الطارئة .
المادة الخام وأفضل أنواع الأخشاب :
تعتمد صناعة المهباش تقليدياً على أجود أنواع الأخشاب الصلبة والمعمرة التي تتواجد في البيئة المحلية ، وتُعد أفضل أنواع الأخشاب المستخدمة :
خشب البطم البري : يُعد " سيد الأخشاب " وخيرها لكونه الأكثر طلباً في شمال ووسط وجنوب الأردن ، لصلابة طبقته الداخلية وقوته التي تمنح المهباش صوته الرنان والمميز ، فضلاً عن مقاومته العالية للتشقق والتأثر بتغيرات الطقس والحشرات .
خشب البلوط ( السنديان المعمر ) : يمتلك متانة عالية ومواصفات تجعله خياراً بارزاً وقوياً في هذه الصناعة الحرفية .
خشب الزيتون : يُستخدم لإضفاء مظهر جمالي وتراثي فاره . ( ملاحظة تراثية : يُستبعد خشب التوت لكونه خفيفاً وسريع الكسر ويُستخدم لأغراض الزينة فقط ) .
جغرافية المهباش : أين تكثر صناعته ولماذا ؟
تتركز صناعة المهباش في المناطق التي تتوافر فيها الغابات الحرجية الكثيفة والأشجار المعمرة ، ويعود السبب في ذلك إلى حاجة هذه الحرفة الملحة لأخشاب قوية وصلبة للغاية ( كالطم والسنديان ) لا تتوافر إلا في المناطق ذات الغطاء النباتي الواسع ، ومن أبرز هذه المناطق :
محافظة عجلون وقراها ( مثل كفرنجة ) : حاضنة أخشاب البطم والبلوط التاريخية .
محافظة إربد وقراها الشمالية ( مثل المزار الشمالي وبني كنانة ووادي الكفارات ) : لغناها بالأشجار المعمرة وتوارث المهنة .
محافظة البلقاء ( السلط ) : التي تشتهر بغاباتها وحرفييها المهرة في النجارة التراثية .
البادية الأردنية : لارتباط المهباش الوثيق بيئة ومجالس البدو وبيت الشعر .
مواصفات المهباش المميز الذي يدوم طويلاً :
لكي يكون المهباش متقناً وعالي الجودة وقادراً على التعمير لعشرات السنين ، لا بد أن تتوافر فيه المواصفات الآتية :
الخلو التام من التشققات المخفية لضمان تحمل الضغط المستمر .
التوازن الهندسي المدروس بين وزن اليد ( المدق ) وعمق وجدران الجرن .
سمك جدران مناسب يمنع الكسر ولا يثقل الحمل .
نغمة صوتية رنانة ومنتظمة تدل على تجانس الخشب وصلابته .
التشطيب والصقل بمواد طبيعية أو تطعيم الفوهة برقائق النحاس والمعادن ( صفرة المهباش ) لحمايته وإبراز ملامحه التراثية .
مراحل صناعة المهباش والوقت المستغرق لإنجازه :
تمر عملية إنجاز المهباش بالمراحل الآتية :
1 ) اختيار الخشب وتقطيعه : بانتقاء جذع شجرة صلب ومتين وقصه بالحجم المناسب .
2 ) التجفيف الأولي : لتخليص الخشب من الرطوبة الداخلية ومنع تشققه لاحقاً .
3 ) التشكيل الخارجي والحفر : بنحت الشكل الأسطواني وتفريغ الجزء الداخلي ( الجرن ) والصحن والكرش والخصر بعناية يدوية أو باستخدام المخارط .
4 ) صناعة اليد ( المدق ) : بنحت العصا الثقيلة المتوافقة مع جسم المهباش لتسهيل الطحن وإصدار النغمة .
5 ) التزيين والصقل : بنقش زخارف هندسية وتراثية ، وتطعيم الفوهة بمواد معدنية كالنقوش النحاسية والفضية ( صفرة المهباش ) .
المدة الزمنية المستغرقة : تتفاوت بحسب الحجم ونوع الخشب وتعقيد النقوش ، فبعض القطع تتطلب عدة أيام من العمل المتواصل ( من ثلاثة أيام إلى أسبوع تقريباً ) ، بينما تستغرق القطع الفنية الكبرى أسابيع من العمل ومراقبة التجفيف الدقيق لتكون صالحة للخدمة الشاقة لسنوات طويلة .
أبرز الحرفيين البارعين في صناعة المهابش في الأردن :
الحرفي سامر فريحات ( محافظة عجلون - كفرنجة ) : صاحب مشغل ( بيت المهباش الأردني ) ، والذي يُعد من أبرز المعاصرين في تطوير النقوش والاحتفاظ بجودة الأداء التقليدي .
رواد ورش الشمال في إربد والمزار الشمالي : الذين أتقنوا اختيار جذوع البطم والسنديان لضمان النغمة الأصيلة .
حرفيو مدينة السلط : لبراعتهم العالية في تشكيل المستلزمات الخشبية التراثية .
رمزية المهباش في الهوية الأردنية :
ما زالت هذه الحرفة تحظى باهتمام محلي واسع من خلال مشاريع ريادية وحرفية تسعى لحماية هذا الموروث من الاندثار ، والمهباش اليوم ليس مجرد أداة لطحن البن المحمص ، بل هو قطعة ديكور وتراث أصيل تزين معظم البيوت الأردنية وكرمز ثقافي يعبر عن الفخر بالهوية الوطنية .
خاتمة
إن صناعة المهباش الأردني هي إرث حي ينبض بالحياة ، وحكاية فن وخشنة يد تُخلد ذاكرة المكان والزمان ، الحفاظ على هذه الحرفة ودعم صانعيها المحليين هو واجب وطني لضمان بقاء صوت المهباش يتردد في الوجدان الأردني إلى الأبد .

قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) السجل الوطني للتراث الثقافي غير المادي ( وزارة الثقافة الأردنية - سجل عناصر التراث غير المادي ) : التوثيق الرسمي لعنصر المهباش الأردني ( رابط التوثيق الرسمي : https://ich.gov.jo/node/59176 ) .
- 2 ) مؤسسة إرث الأردن ( Jordan Heritage ) : أبحاث متخصصة حول الحرف والتقاليد الأردنية ، مقال " المهباش : الأجزاء والتسميات والمواد الخام " ، 2018 .
- 3 ) صحيفة القدس العربي : تقارير وتغطيات صحفية متخصصة حول التراث الشعبي الأردني ( مقال " المهباش : صناعة أردنية تراثية لطحن القهوة " ) .
- 4 ) صحيفة العربي الجديد : تقارير مصورة وتحقيقات ميدانية حول التراث الشعبي الأردني ( تقرير " صناعة المهباش ما زالت على قيد الحياة في الأردن " ) .
- 5 ) صحيفة الرأي الأردنية : تقارير وتحقيقات صحفية حول التراث الشعبي والموروثات المرتبطة بالقهوة العربية والمهباش .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.