تُعدُّ ظاهرة الكتابة العشوائية على الجدران والمعالم الأثرية آفةً بصريةً وثقافيةً تشوه الهوية الحضرية للمدن الأردنية ، وتستوجب تضافر الجهود التربوية والرقابية والقانونية لحماية التراث والبيئة العمرانية من أشكال العبث والتشوه كافةً .

تلوث الذاكرة البصرية : حكاية ظاهرة الكتابة العشوائية على جدران وأسوار المدن الأردنية

بقلم : قيصر صالح الغرايبه

​تتوسد المدن الأردنية تضاريس جغرافية ومواقع حضرية فريدة ، تتوزع بين صفاء الأفق وجمال المباني التي تشهد على عراقة المكان وتطور العمران البشري . ولأن البيئة الحضرية تتطلب حلولاً تنظيمية ومظهرًا نظيفًا يعكس رقي المجتمع ، فقد برزت المعالم والأسوار العامة كواجهات صامتة تنطق بهوية الشارع الأردني . ومن بين التحديات الملحة التي تؤرق هذا المشهد الجمالي وتلقي بظلالها الثقيلة على طابع المدن ، تبرز ظاهرة الكتابة العشوائية على الأسوار والجدران كآفة بصرية تشوه المظهر الحضاري والممتلكات العامة والخاصة ، لتشكل جرحاً صامتاً في الذاكرة البصرية لأحياء عمان ومختلف محافظات المملكة ، وتستدعي وقفة جادة لتحليل أبعادها ومعالجة جذورها المتشعبّة .

​فلسفة الفضاء البصري وجماليات البيئة العمرانية :

​لم تكن الجدران والأسوار في مدننا مجرد فواصل خرسانية صماء لإحاطة الأبنية فحسب ، بل تحولت إلى عناصر أساسية تكوّن الهوية البصرية والجمالية للمدينة . فعمان وغيرها من مدننا التي توسعت عبر العقود وتحمل إرثاً عريقاً ، وجدت نفسها أمام غزو بصري يتمثل في العشوائية المقيتة التي تضرب مفاصل الشوارع والأحياء . ومن هنا جاءت خطورة طمس هذه المساحات بالخربشات العشوائية لتشوه حلقة الوصل البصرية بين الإنسان ومحيطه العمراني ، وتبعدنا عن روح الأصالة وروعة التنسيق الحضري ، وتفقد الأماكن رونقها وانسجامها البصري الذي ينبغي أن يعكس حضارة المجتمع وذوقه العام . إن الفضاء العمراني النظيف يعد حقاً أساسياً من حقوق المواطنة البيئية ، ومؤشراً حياً على مدى احترام الأفراد للملكية المشتركة والمساحات العامة التي تجمعنا .

​حقيقة الظاهرة : الأسباب والدوافع النفسية والاجتماعية المتعمقة :

​تُعد ظاهرة الكتابة العشوائية على الأسوار والجدران مشكلة اجتماعية وسلوكية معقدة تعكس خللاً في التنشئة والرقابة المجتمعية ، وتجاوزاً صريحاً للقوانين والذوق العام. وقد عادت هذه الظاهرة للبروز في الآونة الأخيرة بشكل عشوائي يسيء إلى المظهر الحضاري ، متمثلة في تحويل الجدران إلى سجل مفتوح للخواطر الشخصية، والتعبيرات الانفعالية، والعبارات المبتذلة، أو إعلانات عشوائية تفشي ثقافة الاتكالية والتشوه. وللظاهرة أسباب ودوافع متعددة يمكن تفصيلها في المحاور الآتية :

​1   ) التعبير غير المرغوب أو المبرر ودوافع المراهقة : رغبة بعض الأفراد ، وخاصة فئة المراهقين والشباب ، في التعبير عن أنفسهم ، أو لفت الانتباه ، أو إظهار الوجود وإثبات الذات بطرق خاطئة . وغالباً ما ينتج ذلك عن رغبة في تفريغ مشاعر مكبوتة أو ضغوط نفسية واجتماعية وإحباطات داخلية ، وتوجيه رسائل شخصية متبادلة أو "فش خلق" نتيجة غياب التوجيه السليم وقنوات الاحتواء الفعالة.

​2   ) الانتماء الاجتماعي الوهمي والتقليد الأعمى : اتخاذ الكتابة وسيلة زائفة للتعبير عن الانتماء إلى مجموعة معينة، أو عرض رموز وشعارات للمجموعات النقابية أو الرياضية أو السياسية كنوع من محاكاة الثقافات الوافدة أو التقليد الأعمى دون وعي بقيمة الفضاء العام وحرمته.

​3   ) الملل والفراغ والفتور الشبابي : غياب الأنشطة الهادفة والمساحات الشبابية المخصصة لتفريغ الطاقات الكامنة في المدارس والجامعات والأندية، مما يولد حالة من الفتور والملل تدفع الشباب لاستغلاستجابات الجدران وواجهات المباني كمتنفس خاطئ لشغل أوقات فراغهم.

​4   ) الإعلانات العشوائية والتجارة غير المرخصة : لجوء بعض الجهات التجارية أو الأفراد غير المسؤولين لكتابة إعلانات وخدمات عشوائية (كإعلانات المقاولات والصيانة والدروس الخصوصية) على الجدران والأسوار بطرق غير مرخصة ومخالفة للقانون هرباً من تكاليف الإعلانات الرسمية وغياب الردع المالي الكافي في بعض الأحيان.

​الآثار السلبية والنتائج المترتبة على الظاهرة :

​تتعدد الانعكاسات والنتائج الخطيرة لهذه الممارسات على الواقع البيئي والمادي والنفسي للمجتمع ، وتتجلى أبرز آثارها في :

​1   ) تشويه البيئة العمرانية والذوق العام : الإضرار بالنظافة العامة وفقدان الأماكن رونقها وجمالها الطبيعي ، وتلويث البيئة المحيطة ، وتحويل الجدران من مساحات حضارية نظيفة إلى واجهات مشوهة تخدش الحياء العام وتتعارض مع قيمنا الدينية والاجتماعية والأخلاقية التي تحث على النظافة والجمال وحفظ حقوق الطريق.

​2   ) الخسائر المادية والاقتصادية الفادحة : تكبّد الدولة (ممثلة بالبلديات وأمانة عمان) وأصحاب الممتلكات الخاصة والعامة تكاليف مالية باهظة وجهوداً مضنية ومتكررة لأعمال الصيانة والتنظيف وإعادة الطلاء لإزالة تلك التشوهات والكتابات وإعادة الأمور إلى نصابها المالي والجمالي.

​3   ) التأثير النفسي والسلوكي السلبي : عكس صورة سلبية وغير حضارية عن المجتمع أمام الزوار والسياح، وترك انطباع مزعج يعكر صفو الفضاء العام ، ويشيع ثقافة الفوضى واللامبالاة التي تقوض معايير السلامة النفسية والذوق العام وتؤدي إلى تفشي سلوكيات سلبية أخرى عبر ما يُعرف بنظرية "النوافذ المكسورة".

​جريمة انتهاك الآثار والتراث : استهداف كنز الأجداد :

​إلى جانب تشويه الجدران والأسوار الحضرية، تبرز صورة بالغة الخطورة تتمثل في تعرض المواقع الأثرية والتاريخية في الأردن لهذه الممارسات العبثية . فالآثار الأردنية الممتدة عبر ربوع الوطن هي بمثابة كنز حضاري عظيم، وذاكرة حية تروي قصص الأمم والحضارات السابقة التي سكنت هذه الأرض الطيبة، وهي إرث وطني وتاريخي يجب المحافظة عليه وصونه بكل السبل.

​إن قيام بعض العابثين بكتابة أسمائهم أو تواريخ شخصية أو خربشات عشوائية على الحجارة الأثرية العريقة والقلاع والمواقع التاريخية والمسارح الرومانية والمدن التاريخية يعد جريمة ثقافية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فهذه النقوش الدخيلة تطمس المعالم الأصلية للحجارة، وتشوه القيم الجمالية والتاريخية للمواقع الأثرية، وتفقدها جزءاً من أصالتها وقيمتها العلمية والسياحية. إن الاعتداء على الآثار بالكتابة العشوائية يعبر عن قصور واضح في الوعي بأهمية التراث الإنساني، وهو ما يتطلب وعياً جمعياً صارماً يحمي هذه الكنوز التاريخية من نزوات العبث والجهل بمكانتها المقدسة والعريقة.

​شبكة المظاهر السلبية والمواقع المستهدفة :

​تتوزع مظاهر التشوه البصري والعبث بالجدران والآثار في مفاصل استراتيجية وحيوية من المدن الأردنية ، لتشكل بؤراً تؤذي المارة وتخدش الحياء العام ؛ فهي لا تقتصر على حي دون آخر ، بل تطال مختلف المرافق الحيوية . ومن أبرز هذه المواقع المستهدفة التي ترتبط بذاكرة المواطن اليومية والتاريخية :

​1   ) أسوار المدارس والمؤسسات التعليمية : البنية التحتية التربوية التي تنتهك حرمتها عبارات عشوائية تتنافى تماماً مع رسالة العلم والأخلاق ، وتنتشر أحياناً على أسوار الفناء والممرات الخارجية.

​2   ) جدران الأبنية السكنية والمحال التجارية والأرصفة : التي تتعرض للتشويه والتلويث دون مراعاة لحقوق الملكية الفردية والعامة وحرمة البيوت.

​3   ) الجسور والأنفاق والمرافق العامة : التي تتحول أحياناً إلى مساحات للخربشات العشوائية رغم ما تمثله من إنجازات ومشاريع هندسية كبرى تخدم حركة النقل والتنقل في عمان ومختلف المحافظات.

​4   ) الطرق الخارجية والاستراحات والمرتفعات الجبلية : حيث لم تسلم طرق السفر البرية ودورات المياه العامة والمرتفعات الطبيعية من ذكريات عبثية وكأنها سجل لمذكرات شخصية تائهة.

​5   ) المواقع الأثرية والتاريخية والقلاع العتيقة : التي تتعرض أحياناً للعبث المؤسف عبر حفر أو كتابة الأسماء والتواريخ على جدرانها وحجارتها الأصيلة، في انتهاك صارخ لتاريخ الوطن وهوية الأجداد.

​الذاكرة المكانية وتلوث المشهد البصري :

​حين يستذكر أهل المدن الأردنية مسيرة النظافة والجمال في الأحياء العتيقة والحديثة ، فإنهم يلمسون حجم المفارقة بين ما ينبغي أن يكون عليه الفضاء العمراني وبين الواقع المعاش بفعل العبث العشوائي . ففي الماضي القريب ، كانت الجدران نظيفة ومحترمة تعكس طهارة المكان والتزام الأفراد بحفظ الممتلكات العامة والخاصة . ومع تراجع الوعي المجتمعي وتفشي ثقافة اللامبالاة ، امتلأت الجدران بتلك الكتابات المزعجة، واعتدي على المعالم التاريخية، لتنكمش مساحات البهجة البصرية وتتصلب مظاهر التلوث البيئي والنفسي والتراثي في الشارع الأردني .

​آفاق العلاج والمسؤولية المجتمعية والقانونية :

​على الرغم من التحديات الكبيرة التي تفرضها ظاهرة الكتابة العشوائية على الجدران والآثار في تشويه الهوية الحضرية والتاريخية للعاصمة والمحافظات ، إلا أن الحد منها وتجاوز آثارها يستوجب تدخلاً صارماً ومقاربة شمولية تجمع بين التربية والقانون . ومن أبرز سبل المعالجة الفعالة :

​1   ) الرقابة والتأديب الرادع وحماية الآثار : تشديد الرقابة الأمنية والبلدية والسياحية، وفرض عقوبات صارمة وغرامات مالية رادعة أو التزامات تعويضية وأعمال خدمة مجتمعية بحق المخالفين والمارقين على القانون، وتفعيل القوانين الصارمة التي تجرّم الاعتداء على الممتلكات العامة والآثار التاريخية وتتخذ إجراءات قانونية بحق كل من يشوه الجدران أو المواقع الأثرية.

​2   ) توفير بدائل إبداعية ومؤسسية : توفير بيئة تعليمية وثقافية وشبابية تشجع الأفراد على تفريغ طاقاتهم التعبيرية بطرق مشروعة وقانونية، مثل توجيه الطاقات نحو الدفاتر والمجلات والمنصات الرقمية، وإحياء الفنون الشارعية الإيجابية (الجرافيتي المنظم والهادف) في الأماكن المخصصة بعيداً عن الجدران العامة والآثار.

​3   ) التوعية والمسؤولية المجتمعية : تعزيز الوعي عبر الأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام بأهمية المحافظة على التراث والآثار والبيئة العمرانية، وتوضيح الآثار السلبية المدمرة لهذه الظاهرة، وإتاحة المجال للمواطنين عبر الجهات المختصة للإبلاغ عن التشوهات لإزالتها وصيانة الجدران والمواقع التاريخية.

​4   ) توظيف الفن الهادف والمشاركة التطوعية : إطلاق مبادرات شبابية جادة بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني لتنظيف وتجميل الجدران واستبدال العشوائيات برسومات جدارية فنية منظمة وموافق عليها لتعزيز الانتماء والمسؤولية المجتمعية وحماية الهوية الوطنية.

​إن جدران مدننا وأسوار أحياءنا ومعالمنا التاريخية العتيقة ليست مساحات فارغة لتفريغ العقد والنزعات العشوائية العابرة ، بل هي مرايا ناطقة لحضارة المجتمع وعراقة تاريخه ورقيه الإنساني ، لتظل مدننا ومواقعنا الأثرية أبداً منارات شامخة للجمال والنظافة والأصالة المتجددة .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1   ) دراسات ومقالات صحفية وتحليلات اجتماعية حول ظاهرة الكتابة العشوائية والتشوه البصري في المدن العربية والمحلية (صحيفة الدستور، وكالة الأنباء الأردنية - بترا، ومواقع الصحافة العربية المتخصصة).
  3. ​2   ) تقارير أمانة عمان الكبرى والبلديات الأردنية حول أعمال صيانة الشوارع وإزالة الإعلانات والكتابات العشوائية.
  4. ​3   ) الأبحاث والدراسات الأكاديمية والتقارير الصحفية المتعلقة بحماية الآثار والتراث التاريخي في الأردن وصون المواقع الأثرية والقلاع من العبث.