يُمثّل جسر الأقواس العشرة في القويسمة تحفة هندسية وأثراً عثمانياً خالداً يختزل تاريخ الخط الحديدي الحجازي وإرث عمان العمراني عبر 118 عاما .
عواصم التضاريس والأثر الخالد : حكاية جسر الأقواس العشرة في سماء عمان
بقلم : قيصر صالح الغرايبه
تتوسد العاصمة الأردنية عمان تضاريس جغرافية فريدة ومتباينة ، تتوزع بين جلال الجبال الشاهقة وعمق الوديان الملتوية ، لتشكل لوحة بصرية مذهلة تقف شاهدة على عراقة المكان وتطور العمران البشري . ولأن طبيعة المدينة الجبلية تتطلب حلولاً هندسية استثنائية لتسهيل حركة المرور وربط أوصال أحيائها المتباعدة ، فقد برزت المعالم العمرانية والجسور التاريخية كعلامات فارقة في الهوية الحضرية لعمان . ومن بين هذه المعالم الهامة ، يبرز جسر الأقواس العشرة التاريخي العريق ( المعروف شعبياً باسم "الجسور العشرة" أو The Ten Bridges ) في منطقة القويسمة بوادي الرمم جنوب شرق العاصمة ، على ارتفاع يبلغ نحو 811 متراً عن سطح البحر ، ليحمل في هندسته المعمارية قصة عبور فريدة تمتد عبر 118 عاما ، شاهدة على عبق التاريخ العثماني ومسيرة الخط الحديدي الحجازي .
فلسفة البناء المعلق في مدينة الجبال :
لم تكن الجسور والمنشآت العتيقة في عمان مجرد أجزاء عابرة للحد من وعورة التضاريس فحسب ، بل تحولت إلى أيقونات تاريخية تعكس تطور الهندسة والتخطيط الإنساني في المملكة . فعمان التي بدأت كقرية صغيرة بين الجبال لتتمدد وتتسع عبر العقود وتجتاز تلالها ووديانها المتعددة ، وجدت نفسها منذ القدم أمام تحدٍ هندسي تمثل في كيفية مد شرايين النقل عبر الوديان العميقة والمرتفعات . ومن هنا جاءت قيمة المعالم التاريخية الكبرى لتصنع حلقة وصل متطورة تبرز عراقة الماضي وروعة الإنجاز الهندسي .
حقيقة التسمية والتحفة المعمارية ذات الطابقين وعمقها التاريخي :
يُعد جسر الأقواس العشرة في منطقة القويسمة ووادي الرمم جنوب شرق عمان معلماً تاريخياً وأثرياً بارزاً يندرج ضمن مبادرة (#UNKNOWN_JORDAN) للتوثيق الوطني ، ويعود بناؤه لأكثر من 118 عاما مضت . وعلى الرغم من شيوع التسمية الشعبية "الجسور العشرة"، إلا أنه جسر حجري أثري واحد يندرج ضمن تصنيف الهياكل القوسية والائية التاريخية العريقة ، ويدل الرقم عشرة على عدد القناطر أو الأقواس العلوية المتتالية التي تزينه وتمنحه طابعاً معمارياً فريداً ومهيباً .
وقد بُني هذا الجسر الحجري الفريد في الحقبة العثمانية وتحديداً في عام 1908 م في عهد السلطان عبد الحميد الثاني ، وكان الهدف الأساسي من تشييده هو أن يمر عبره الخط الحديدي الحجازي العريق الذي ربط دمشق بالمدينة المنورة مروراً بالمدن الأردنية ، ليكون شرياناً استراتيجياً للحج التجاري والبشري .
وتعتبر القناطر في هذا الجسر تحفة معماريّة غاية في الدقة والانتظام ؛ إذ تتجلى عبقرية الهندسة في بناء الأقواس من طابقين اثنين :
الطابق الأول : يشمل ممراً للمشاة وأماكن لتصريف قنوات المياه وانسيابها .
الطابق الثاني : مخصص لسير القطار .
أما في حالته الحالية ، فما زالت سكة الحديد صالحة لمرور القطارات من فوقه كشاهد حي على التاريخ العريق ، ولم يطرأ أي تغيير يُذكر على معالمه الأساسية سوى تعبيد الطريق أسفله لتتلاءم مع حركة مرور العصر الحديث .
شبكة العبور والمحطات الحضرية في عمان :
تتوزع المعالم والتقاطعات الحيوية في مفاصل استراتيجية من عمان ، لتشكل حلقة وصل رئيسية بين الماضي والحاضر ؛ فهي لا تقتصر على تقديم حلول للنقل فحسب ، بل تمنح المدينة طابعاً بصرياً جمالياً يمزج بين صلابة الحجر التاريخي وعبقرية الهندسة الإنسانية . ومن أبرز هذه المحطات التي ترتبط بذاكرة العمانيين اليومية :
جسر الأقواس العشرة ( القويسمة / وادي الرمم ) : التحفة التاريخية الأقدم في جنوب شرق عمان ، والذي يختزل في طياته حكاية الخط الحديدي الحجازي وتراث الحقبة العثمانية ومسيرة تمتد عبر 118 عاما وهندسته المزدوجة .
جسر عبدون المعلق ( جسر الأمير عبد الله بن الحسين ) : التحفة المعمارية الحديثة والأكثر شهرة في عمان ، وهو أول جسر معلق بكابلات في المملكة ، يربط منطقة عبدون بمنطقة جبال عمّان ووسط المدينة عبر وادي عبدون العميق .
جسر الدوار الخامس وجسر الدوار السادس : تشكل الجسور والتقاطعات المرورية على شارع الملك عبد الله الثاني شرياناً حيوياً يربط غرب عمان بجنوبها وشرقها .
جسور وتقاطعات طارق والمدينة الرياضية والمحطة : التي تلعب دوراً محورياً في ربط الأحياء الشعبية والتاريخية بشبكة الطرق الحديثة ، مما يعزز التواصل الاجتماعي والاقتصادي بين مختلف شرائح المجتمع العماني .
الذاكرة المكانية وتطور حركة النقل :
حين يستذكر أهل عمان مسيرة التطور العمراني والتاريخي ، فإنهم يربطون بين جذور المدينة وبين هذه الإنجازات الهندسية الكبرى التي تمتد من جسور العهد العثماني وصولاً إلى مشاريع الطرق الحديثة . ففي الماضي ، كانت رحلات القطار عبر جسر الأقواس العشرة في القويسمة تمثل شريان الحياة الأبرز ، ومع تعاقب العقود وتطور البنية التحتية ، انكمشت المسافات وتصلبت أواصر الترابط بين الأحياء التاريخية والحديثة في عمان .
آفاق التطوير الحضري والمسؤولية البيئية والأثرية :
على الرغم من الدور الكبير الذي تلعبه هذه المنظومة من الجسور والمعالم التاريخية في ربط أجزاء العاصمة وحفظ الذاكرة الوطنية ، إلا أن التوسع العمراني المستمر يفرض تحديات متجددة تستوجب الحفاظ على التراث الأثري ، وتدشين التخطيط المستدام . وهو ما يتطلب تضافر جهود أمانة عمان الكبرى والجهات المعنية لصيانة هذه المرافق الأثرية والتاريخية وتطوير محيطها بما يحافظ على الطابع الجبلي والأصالة التاريخية لعمان ويوفر بيئة حضرية آمنة ومستدامة للأجيال القادمة .
إن جسر الأقواس العشرة ومعالم عمان العمرانية ليست مجرد هياكل حجرية أو إسمنتية صماء ، بل هي شواهد حية على إرادة الإنسان في قهر التضاريس وصنع سبل الحياة واللقاء ، لتظل عمان أبداً مدينة العبور الجميل والتاريخ المتجدد .










قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع
- 1 ) أمانة عمان الكبرى ، دراسات وتقارير التخطيط الحضري وتطوير شبكة الطرق والجسور والمعالم التاريخية في العاصمة عمان ، منشورات قطاع الأشغال الهندسية ، عمان .
- 2 ) الأدبيات الهندسية والمعمارية والأرشيف العثماني الأردني ، تاريخ بناء الخط الحديدي الحجازي وجسر الأقواس العشرة في القويسمة ضمن المدن ذات التضاريس الجبلية ، دراسات في التراث الهندسي المدني .
- 3 ) الصحافة اليومية والأرشيف الوطني الأردني ( جريدة الرأي : تقارير محلية حول تاريخ الجسور والمعالم العريقة ) ، توثيق تاريخ الجسور العتيقة في عمان على مدى أكثر من 118 عاما من العمارة والتشييد ، مقالات توثيقية وتاريخية .
- 4 ) المنصات والموسوعات التراثية ومبادرة التوثيق الوطني ( #UNKNOWN_JORDAN ) ، توثيق المواقع التاريخية والعثمانية في العاصمة عمان وذاكرة وادي الرمم ، تقارير ومعلومات معمارية موثقة .
- 5 ) أرشيف المنصات المعمارية والهندسية والدولية ( منصة Archiqoo الهندسية ومدونة قلب عمان / Heart Of Amman ) ، توثيق المواقع الأثرية والهياكل القوسية والجسور التاريخية في العاصمة عمان ، بيانات ومعلومات معمارية موثقة .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.