يستعرض المقال الأصول التاريخية واللغوية والجغرافية لتسمية الأردن ومدنه ومحافظاته ، مستشهداً بالقرآن الكريم والأحاديث النبوية والشعر العربي لمعرفة معانيها العريقة عبر العصور .
شواهد الجغرافيا والتاريخ : القصة الكاملة وراء أسماء المدن والمحافظات الأردنية
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تسمية الأردن :
تعد تسمية الأردن نافذة على أصل تاريخي وعريق تمتد جذوره عبر العصور والأزمنة . فقد ورد ذكر الأردن في عدة اصطلاحات ، فالاسم الإغريقي القديم هو ( يوردانيم - Jordanem ) بمعنى المنحدر أو السحيق ، وقيل إن كلمة جوردان هي جمع لاسم رافديه جور ( بانياس ) ودان ( اللدان ) ، وعند الفتح الإسلامي سميت المنطقة بـ ( جند الأردن ) . واستخدمت لاحقا اصطلاحات في كتب الرحالة الأجانب مثل : عبر الأردن وما وراء الأردن وشرق الأردن ( Trans Jordan, A cross Jordan, Ultra Jordanem ) .
كما سميت ممالك العهد القديم في الأردن بأسماء المناطق الجغرافية التي قامت عليها ، مثل : الأدوميون ( نسبة إلى أدوم ) ، والمؤابيون ( نسبة إلى مؤاب ) ، والعمونييون ( نسبة إلى ربة عمون - عمان الحالية ) ، ومملكة الأنباط نسبة إلى اسمهم . وفي العصر الحديث أطلق عليها اسم الشرق العربي ، ثم إمارة شرق الأردن حتى استقلالها عام 1946 م لتصبح رسميا ( المملكة الأردنية الهاشمية ) . فلا هو شرق أو عبر أو ما وراء الأردن .. هو الأردن .
وحظي الأردن ببركة سماوية لكونه من أكناف بيت المقدس . وضبط الكلمة لغويا : الأردن ( بضم الهمزة والسكون وضم الدال المهملة وتشديد النون ) ، وقيل إن الأردن أحد أحفاد نوح عليه السلام ، وسمي بذلك لطيب هوائه وشدة أهله وغلبته ، كما أشار الإمام النووي نقلا عن أهل العلم .
تشريف الأردن في الأحاديث النبوية :
وردت أحاديث نبوية شريفة تذكر الأردن وأهله بفضل كبير ، ومنها :
جنان الأردن : ما رواه ابن جرير وابن كثير عن قول أبي جهل في تفسير الآية الكريمة ، مما يدل على أن اسم الأردن كان معروفا ومتداولا لدى عرب الجاهلية كوصف للنعيم والخضرة .
الصحابي عبد الله الأردني : هو الصحابي الجليل عبد الله بن حوالة الأزدي الأردني الذي سكن الأردن وانتسب إليها بناء على استشارة النبي صلى الله عليه وسلم وفضل أرضها المقدسة .
منازل أهل الأردن : ما ورد في أحاديث آخر الزمان عن مواضع مثل الروحاء والسيالة باعتبارها منازل أهل الأردن ، تكريما لمكانتهم .
إسم الأردن منذ عهد الخلفاء الراشدين :
جند الأردن : قسم الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه بلاد الشام بعد الفتح إلى مناطق إدارية حملت اسم الأجناد ، وكان ( جند الأردن ) منها وتوسط الشام عسكريا وإداريا وكانت عاصمته طبريا ، وبقي الاسم ثابتا في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
الوثائق السياسية : وثق المؤرخ الدكتور محمد حميد الله الحيدرآبادي أن أول ذكر إداري وجغرافي رسمي للاسم في المراسلات الإسلامية كان خلال الفتح الإسلامي لبلاد الشام قبل نحو 1400 عام .
إسم وذكر الأردن في "كتاب معجم البلدان" لياقوت الحموي :
تناول العالم والرحالة ياقوت الحموي ( توفي 626 هـ ) اسم الأردن في موسوعته ( معجم البلدان ) ، مبينا معانيه اللغوية التي تدل على الشدة والمنعة ، ومستعرضا تقسيماته الجغرافية كالأردن الكبير والأردن الصغير ، إضافة إلى ذكر الفتوحات الإسلامية لمدن الأردن وعدد كبير من العلماء والفقهاء المنسوبين إليها عبر التاريخ .
إسم الأردن في الشعر العربي القديم :
تغنى الشعراء العرب بالأردن وأهله عبر العصور ، ومنهم :
الشاعر أبو دهلب التميمي : ( حنت قلوصي أمس بالأردن ... )
الشاعر عدي بن الرقاع العاملي : ( لولا الإله وأهل الأردن اقتسمت ... )
الشاعر كثير عزة : ( إذا قيل خيل الله يوما ألا اركبي ... )
الشاعر إبراهيم بن يحيى اليزيدي : ( ماذا بقلبي من أليم الخفق ... )
شاعر العربية أبو الطيب المتنبي : ( وقعت على الأردن منه بلية ... )
أسباب تسمية المدن والمحافظات والألوية الأردنية :
تعد أسماء المدن والمحافظات والألوية الأردنية شواهد حية تنبض بالحياة ، لتروي قصص الأرض والإنسان وتكشف عن عراقة الحضارات القديمة التي استوطنت هذه الأرض المباركة عبر العصور . فكل اسم يحمل في طياته حكاية تجمع بين دلالات الطبيعة والجغرافيا ، والأصول اللغوية والتاريخية الممتدة .
فيما يلي استعراض شامل وموسع لأبرز أسباب وبصمات تسمية كافة المحافظات والمراكز الحضرية والألوية في المملكة الأردنية الهاشمية :
عاصمة المملكة ومحافظة العاصمة :
عمان : يعود أصل الاسم إلى سكنى العمونيين ( بني عمون ) حيث كانت تسمى ربة عمون أي عاصمة عمون أو دار الملك أو الكبير ، وقيل تنسب لبانيها وهو أحد أحفاد لوط عليه السلام ، أو بمعنى التي يحميها آمون ( الإله المصري القديم ) ، وعرفت في العهد اليوناني والروماني باسم فيلادلفيا أي الحب الأخوي .
سحاب : نسبة إلى السحاب بمعنى الغيم ، أو تحريف لكلمة السحابة بمعنى فضلة ماء في الغدير .
ناعور : سميت نسبة إلى الناعورة وهي الأداة الخشبية التي تتخذ شكل دولاب لرفع الماء من المجرى المنخفض لري الأراضي المرتفعة .
الموقر : لفظ عربي معروف ويقصد به الشخص المجرب والعاقل الذي حنكته الدهور .
الجيزة : تعود إلى اللفظ العربي أو المعنى الجغرافي بمعنى الناحية أو الجانب أو الوادي ، وكانت محطة رئيسية على طريق الحج الشامي .
أم البساتين : تسمية حديث نسبياً دلالة على خصوبة أرضها وكثرة أشجارها وبساتينها الغناء .
ساكب وضرار ووادي السير : دلالات جغرافية ومائية تشير إلى تدفق المياه وجمال الأودية التاريخية في محيط العاصمة .
محافظة إربد ( عروس الشمال ) :
إربد : بنيت أصلا في الحكم الروماني باسم أربيلا وتعني الأسود ، ويقال إن اسمها الحالي تحريف لاسم البلدة الرومانية بيت إربل ، وقيل إن اسمها مستمد من الربدة بسبب لون تربة الأرض الحمراء الممزوجة بسواد الصخر وكثافة الأشجار .
الرمثا : سميت نسبة إلى أرض ينبت فيها نبات الرمث وهو مرعى الإبل ، وقيل إنها كلمة سريانية تعني العلو والارتفاع أو بركة لجمع ماء الشتاء ، وقيل إن اسمها تحريف لاسمها اليوناني أرثما أو راماثا .
الكورة : اسم تاريخي قديم يعني الإقليم أو مجموعة القرى والمدن المتقاربة ، وتتميز بطبيعتها الخضراء المنيعة .
بني كنانة : نسبة إلى قبيلة بني كنانة العربية العريقة التي سكنت هذه المنطقة التاريخية في شمال الأردن .
الأغوار الشمالية : نسبة إلى منطقة الغور الأردني المنخفض ، وهو الجزء الشمالي منه المتميز بالخصوبة والدفء والزراعة المبكرة .
الطيبة و الطرة و الشجرة و حرثا و ام قيس ( جدارا ) و بيت راس و طبقة فحل ( بيلا ) : أسماء كنعانية ورومانية ويونانية وعربية قديمة تدل على تحصينات عسكرية أو عيون ماء جارية ومواقع أثرية عظيمة .
محافظة البلقاء :
السلط : الاسم الغالب إذ كانت تدعى الصلت ، ومأخوذة من الكلمة اللاتينية سالتا بمعنى غابة أو سالتوس أي الوادي الخصيب ، وقيل مشتقة من الكلمة السريانية سلتا ( سلطا ) بمعنى صخر الصوان أو الحجر القاسي .
دير علا : سميت نسبة إلى معبد آرامي يعود لما قبل الميلاد كان يقوم على منطقة مرتفعة ذات غلال ومحاصيل ( علالا بالآرامية ) ، فسميت دير ( معبد ) علا .
الشونة الجنوبية : تحريف لكلمة شوني المصرية القديمة وتعني مخزن الغلة أو مكان التخزين والتشوين في غور البلقاء .
عين الباشا : سميت نسبة إلى إبراهيم باشا الذي نزل عند عين الماء فيها أثناء مروره بالمنطقة ، والباشا لقب تركي يعني الرئيس أو الملك .
ماحص : سميت نسبة إلى نبع ماحص الذي كان مركزا لتمحيص البضائع القادمة من فلسطين ومصر إلى عمان عبر وادي شعيب .
الفحيص : مأخوذة من الفحص ، إذ أقام الرومان فيها مركزا جمركيا لفحص البضائع القادمة عبر وادي شعيب .
المنشية و زي و الشامخة : أسماء تعكس طبيعة جبال البلقاء الشامخة وارتفاعها وتاريخ عيون مائها .
محافظة الكرك :
الكرك : تعود إلى الكلمة السامية والآرامية القديمة كركو أو السريانية كرخا وتفسر بـ المدينة المستديرة المحصنة بأعلى التل أو الحصن والقلعة ، وقيل محرف كاركو بالسريانية ، كما قيل إن الكرك أو القرق تعني شجر الفلين باللاتينية ، ووردت بالتوراة بلفظ كيرك .
الربة : كان اسمها ربة مؤاب أي عاصمة مؤاب حيث تعني كلمة ربة المدينة الرئيسية أو الكبيرة ، وقيل نسبة لـ ربة ابنة لوط عليه السلام التي دفنت عند العين فسميت عين ربة .
المزار الجنوبي : سميت نسبة إلى وجود مزارات أصحاب الرسول الشهداء في معركة مؤتة العظمى ( جعفر بن أبي طالب ، زيد بن حارثة ، عبد الله بن رواحة ) .
قصر بنت السلطان و عي و القصر و الأغوار الجنوبية : مسميات تاريخية ومواقع أثرية وحضارية عريقة تمتد من الهضاب المرتفعة وحتى البحر الميت .
محافظة معان :
معان : المعان في اللغة العربية هو المنزل أو المأوى المبني على عين ماء للإقامة وسط الصحراء ، وقيل نسبة إلى معان بن حيدر من الأنباط ، أو من المعين بمعنى الماء الجاري .
البتراء : تسمية يونانية مشتقة من ( Petra ) وتعني الصخرة ، إشارة إلى المدينة الوردية المنحوتة في الصخر على يد الأنباط الذين كانوا يسمونها قديما رقيم .
الشوبك : كانت تعرف في العصور الوسطى بـ ( مونتريال ) أي الجبل الملكي في زمن الصليبيين ، واسمها العربي الشوبك مشتق من التبريد والارتفاع أو كثافة بسساتين التفاح وكروم العنب الباردة .
الجفر و الحسينية و أيل : أسماء عربية تاريخية وبدوية أصيلة تدل على آبار المياه القديمة ( الجفر ) أو المواقع النبطية والإسلامية التاريخية الهامة ( أيل ) .
محافظة الزرقاء :
الزرقاء : تنسب إلى سيل الزرقاء أو نهرها ، والكلمة أصلها من اللغات السامية القديمة والأكادية ( زاركي ) وتعني نبع الماء أو المياه المعينة ، وتحورت مع الوقت إلى الزرقاء لصفاء مياهها قديما .
الرصيفة : مشتقة من الرصف ومفردها رصفة ، وتعني السد المبني للماء أو الصهريج وهو حوض الماء الكبير .
الأزرق : نسبة إلى واحة الأزرق المائية التاريخية وبركها ذات اللون الأزرق الصافي ، وتضم قلعة الأزرق التاريخية .
الهاشمية و بيرين : مسميات عربية حديثة وتاريخية تعكس جمال الطبيعة الصحراوية وتوافر الآبار والمياه الجوفية القديمة ( بيرين ) .
محافظة المفرق :
المفرق : تسمية بدلالة جغرافية مباشرة لدورها كمفرق للطرق بين دمشق وبغداد وعمان ، وكان اسمها القديم الفدين ومعناها القصر الصغير أو القصر المشيد والقلعة الحصينة .
الرويشد : نسبة إلى جغرافيته وباديته الواسعة ومحطته الدولية الشهيرة على طريق العراق .
عمانية و بلعما و أم الجمال و الوهادنة ورحاب : مواقع أثرية تاريخية ومدن نبطية ورومانية وإسلامية عريقة تضم آثاراً بازلتية سوداء فريدة من نوعها عالمياً .
محافظة جرش :
جرش : كان اسمها جراسا وتعني في العربية الكنعانية كثيرة الغراس ، وقيل نسبة إلى رجل من العرب اسمه جرش ، وقيل كلمة حثية نسبة إلى الجرجاشيين وهم أقوام من الحثيين .
برما و الكريمة وسوف و ساكب : بلدات عريقة تتبع لمنطقة جرش وجوارها ، وتشتهر بجبالها الحراجية وغابات العرعر والبلوط والينابيع العذبة .
محافظة عجلون :
عجلون : تنسب بحسب المصادر التاريخية والتراثية إلى اسم راهب أقام بها ، أو إلى جذر سامي بمعنى العجل الصغير أو مكان التدحرج والاستدارة ، أو نسب إلى إله كنعاني ، وقيل إن معناه المكان الكثيف الأشجار ، أو نسبة إلى الملك المؤآبي عجلون .
كفرنجة و عينابتا و صخرة و عبين و عبلين : قرى وألوية عجلونية أصيلة تتميز بأسمائها السامية والسريانية والعربية التي تعكس وفرة الينابيع والمياه والأشجار الحرجية الكثيفة .
محافظة مادبا :
مأدبا : تقوم على موقع مدينة ميدبا المؤابية ، ويعني اسمها بلغة المؤابيين مياه الراحة إشارة لبرك الماء حولها ، وقيل يعني الأرض الخصبة ، وقيل لفظ سامي مركب من مادا بمعنى مياه وبيا بمعنى فاكهة ( مياه الفاكهة ) .
ذيبان : نسبة إلى المملكة المؤابية التاريخية ومدينتها الشهيرة ( ديبون ) ، وتضم مسلة ميشع المؤابي الخالدة .
العريش و الجبل و الفيصلية : مسميات عربية وتاريخية تعكس جغرافية مادبا وسهولها الممتدة نحو الهضاب والشرق .
محافظة الطفيلة :
الطفيلة : جاء اسمها من كلمة الطفل التي تعني الصلصال أو الطين الأحمر الناعم في اللغات القديمة ( مدينة الخزف والصلصال ) ، وقيل إن اسمها من اللفظ الروماني ( دي تيفلوس ) ويعني أم الكروم ، أو من اللفظ السامي ( توفيل ) بمعنى كلسي أو جيري ، وقيل من الكلمة الآرامية تفلة بمعنى الأرض الخصبة .
بصيرا : المدينة التاريخية العريقة التي كانت عاصمة للأدوميين ، واسمها مشتق من البصيرة أو الرؤية والمرتفع الحصين .
الحسا و القادسية و فريفرا : أسماء تعكس طبيعة جبال الشراة العالية والممرات التاريخية وطرق القوافل ومحطات السكك الحديدية العثمانية .
محافظة العقبة :
العقبة : تقوم على أنقاض مدينة إيلة القديمة وكانت تعرف بـ ( عقبة أيلة ) نسبة إلى الجبل العظيم ذي العقبة الشهيرة شديدة الانحدار في غربها ، ثم أهمل اسم إيلة وبقي اسم العقبة الذي أطلقه المماليك عليها .
قويصرة و الديسي و وادي رم : أسماء جغرافية وتاريخية عالمية تمتاز برمالها الحمراء وجبالها الغرانيقية الساحرة في أقصى الجنوب الأردني .
هذه الحكايات المنقوشة على تراب الوطن ليست مجرد حروف تروى للغابرين ، بل هي منارة وعي وبوصلة انتماء تشحذ الهمم وتوقد العزائم في صدور الأجيال .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) القرآن الكريم .
- 2 ) تفسير القرآن العظيم ، الحافظ ابن كثير .
- 3 ) تهذيب الأسماء واللغات ، الإمام النووي .
- 4 ) معجم البلدان ، ياقوت الحموي .
- 5 ) الأماكن الدينية الإسلامية في المملكة الأردنية الهاشمية ، د . نوح مصطفى الفقير .
- 6 ) مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة ، د . محمد حميد الله الحيدرآبادي .
- 7 ) خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى ، الإمام السمهودي .
- 8 ) ديوان العجاج ، عبد الله بن رؤبة التميمي .
- 9 ) ديوان عدي بن الرقاع العاملي .
- 10 ) ديوان كثير عزة .
- 11 ) ديوان المتنبي .
- 12 ) مدونة الأستاذ قيصر صالح الغرايبه .
- 13 ) المصادر التاريخية والتراثية لدراسات أصول وتسميات المدن والمحافظات الأردنية .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.