يستعرض هذا المقال دور مخاتير عمان ومضافاتها التاريخية كركيزة أساسية في بناء النسيج الإداري والاجتماعي منذ أواخر العهد العثماني وحتى الاستقلال .
مخاتير مدينة عمان ومضافاتها من أواخر العهد العثماني حتى عهد الاستقلال
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تُشكل مسيرة المخاتير والمضافات في مدينة عمان ، منذ أواخر العهد العثماني مروراً بنشأة إمارة شرقي الأردن ووصولاً إلى نيل الاستقلال عام 1946 م وما بعده ، ركيزة أساسية في بناء النسيج الاجتماعي والسياسي والإداري للدولة الأردنية وتشكيل هويتها الوطنية ، فقد شهدت عمان عبر تاريخها الممتد تحولاً عمرانياً واجتماعياً فريداً ، حيث تعود أقدم معالم الحضارات الإنسانية المكتشفة في موقع عين غزال شرق المدينة إلى الألف السابع قبل الميلاد ( نحو 7500 ق . م ) ، وبهذا تُعتبر من أقدم مدن العالم المأهولة بالسكان وصولاً إلى يومنا هذا .
وكان للمدينة موقع جغرافي وحضاري مميز تجسد بتعاقب الشعوب والقبائل القديمة عليها ؛ إذ أنشأ العمونيون مملكتهم في عمان في الألف الثالث قبل الميلاد واسموها ( ربة عمون ) أي ( دار ملك – عمون ) والتي تحولت لاحقاً إلى ( عمون ) فـ ( عمان ) وبرز جبل القلعة مقراً لعاصمتهم وما زالت بقايا قصورهم وأسوارهم ماثلة فيها إلى جانب الأبراج والتحصينات الحجرية كبرجي الملفوف وخلدا وتماثيل ملوك العمونيين ، ثم احتلها الآشوريون والبابليون ، فوقعت تحت السيطرة اليونانية في القرن الرابع قبل الميلاد حين أقام بطليموس الثاني ( فيلادلفوس ) عام 285 ق . م مدينة جديدة على أنقاض القديمة منحها اسم ( فيلادلفيا ) وتعني ( مدينة الحب الأخوي ) ، ومد العرب الانباط سيطرتهم عليها حتى سقطت بيد الرومان في مطلع القرن الأول الميلادي بعد البتراء حيث أصبحت جزءاً من حلف الديكابولس وأنشأ الرومان فيها المدرج الروماني وساحة الفورم والشوارع المرصوفة بالأعمدة ، ومع انقسام الإمبراطورية الرومانية ظلت عمان تحت الحكم البيزنطي حتى فتحها القائد العربي المسلم ( يزيد بن أبي سفيان ) في عام 634 م في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق . ومع إهلال العصر الإسلامي الأموي بنى الأمويون قصراً كبيراً على جبل القلعة وغدت عمان مركزاً إدارياً تُضرب فيها النقود وتراقب طرق القوافل والحج ، تلا ذلك العصر العباسي الذي شهد صراعات ومعارك داخلية ، ثم العصر الفاطمي ودخول الأيوبيين بمرور القائد صلاح الدين الأيوبي بها عام 1184 م في طريقه إلى الكرك ، وفي عهد المماليك بين عامي 1258 و 1516 م شهدت عمان استقراراً وازدهرت أسواقها في مواسم الحج قبل أن تدخل فترة من النسيان والإهمال حتى نهاية القرن التاسع عشر .
وفي العهد العثماني اقترح الصدر الأعظم كمال باشا إنشاء ولاية عمان أو ( معمورة الحميدية ) ضمن تعديل التقسيمات الإدارية لضمان أمن طريق الحجاز وسكة الحديد دون أن يطبق المشروع بالكامل ، وعانت المدينة من إهمال الدولة وتراجعت مكانتها لصالح السلط ، إلا أن إنشاء سكة حديد الحجاز في عهد السلطان عبد الحميد الثاني كان علامة فارقة أسهمت في نهضة المدينة وانتشالها من السبات الطويل . وبدأ تأسيس عمان الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر في زمن أُفول الإمبراطورية العثمانية عندما بدأت الدولة العثمانية بإسكان المهاجرين من بلاد القفقاس ( الشركس ) في عمان وجوارها ، حيث وصل أول فوج لم يتجاوز 50 أسرة ( أو بضع مئات ) عام 1878 م ليستقروا قرب سيل عمان والمدرج الروماني وفي دهاليزه ، وتلاهم لاحقاً الشيشان والأرمن ، ومع قيام الثورة العربية الكبرى قدم أحرار العرب إليها ، وأصبحت العاصمة بقدوم الأمير عبد الله الأول بن الحسين سنة 1921 م لإمارة شرق الأردن ثم للمملكة الأردنية الهاشمية بعد إعلان استقلالها عام 1946 م ، كما جذبت المدينة عائلات أردنية وسورية وفلسطينية وحجازية ، واستقبلت موجات اللاجئين والمغتربين إثر حروب 1948 و 1967 وأحداث الكويت . وتحتفي أمانة عمان الكبرى في الثاني من آذار من كل عام بـ " يوم المدينة " استناداً لقرار مجلس الوزراء الصادر عام 2021 م تخليداً لوصول الملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين إلى عمان عام 1921 م ، مجسدة قول جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين : " عمان لها مكانة في قلوب الأردنيين جميعاً . . . تجمع التاريخ . . . تجمع العراقة والحداثة " . ولم يكن هذا التحول بمعزل عن دور المخاتير ورؤساء البلديات وحضور المضافات التقليدية التي جسدت قيم التكافل والشورى والضيافة ومثلت اللبنات الأولى للإدارة الأهلية والرسمية .
مفهوم المختار ، ونشأته ، وصفاته الواجب توافرها ، وصلاحياته ، وواقعه عبر العصور :
المقصود بالمختار والنشأة التاريخية :
المختار هو الشخص المنتخب أو المختار من أهالي القرية أو المحلة أو العشيرة لتمثيلهم أمام السلطات الرسمية وتنظيم شؤونهم الإدارية والاجتماعية ، ولم يظهر هذا المفهوم التنظيمي بمشهده التشريعي الحديث في العهود الإسلامية المبكرة كالأموية أو العباسية أو المملوكية ، بل ولد رسماً في العهد العثماني وتحديداً مع صدور قانون المختارين عام 1864 م وقانون الولايات عام 1876 م ، حيث استحدثت الدولة العثمانية هذه الوظيفة لإيجاد حلقة وصل مباشرة بين الأهالي والقائمقاميات والألوية بدلاً من الاقتصار على النظام العشائري التقليدي .
صفات الشخص الذي يتولى المختار ( الشروط والسمات ) :
اشترط العرف والمواثيق الاجتماعية والتشريعات المحلية فيمن يتولى موقع المختار صفات محددة تمنحه الهيبة والقبول ، ومن أبرزها :
الحكمة والوجاهة وسداد الرأي : أن يكون مشهوداً له بالرشد والحكمة والقدرة على حل الخلافات بالعدل والحلم .
الأمانة والنزاهة والسمعة الحسنة : أن يتمتع بالصدق والأمانة ونقاء السيرة ليكون موثوقاً لدى الأهالي والحكومة .
الملاءة المالية والكرم ( القدرة على الضيافة ) : أن يكون ذا قدرة على استقبال المراجعين والضيوف وإكرامهم في بيته أو مضافته .
المعرفة بالشؤون المحلية والعرف السائد : أن يكون عالماً بأنساب وأصول العائلات والعشائر والأعراف الاجتماعية والأحكام العرفية .
المعرفة بالقراءة والكتابة ( الاستطاعة الإدارية ) : إتقان القراءة والكتابة لتدوين السجلات والشهادات والقيود الرسمية .
الصلاحيات والمهام المناطة بالمختار :
تنوعت الصلاحيات المناطة بالمختار لتشمل جوانب إدارية وأمنية واجتماعية بارزة ، منها :
توثيق النفوس وتسجيل واقعات المواليد والوفيات والزواج .
تنظيم شهادات السكن وإثبات الملكيات وتبليغ المعاملات الرسمية .
المساعدة في جباية الضرائب الأميرية وتوزيع الالتزامات المالية بالتعاون مع السلطات .
حفظ الأمن المحلي والإبلاغ عن الجرائم والمخالفات وفض الخصومات العرفية والصلح بين الأهالي قبل وصولها للقضاء .
واقع المختار في عهد الإمارة وفي الوقت الحالي ( إيجاز ) :
في عهد الإمارة ( 1921 - 1946 م ) : شهد موقع المختار تنظيم وتأطير قانونيين تحت مظلة الحكام الإداريين ووزارة الداخلية الناشئة ، فكان المختار الركيزة الأساسية للإدارة المحلية في العاصمة عمان وسائر البلدات ، وجمع بين الصفة الرسمية والهيبة العشائرية والاجتماعية في حل النزاعات ومساندة الدولة الفتية .
في الوقت الحالي : على الرغم من صدور قوانين حديثة كـ قانون المخاتير وتأطير عملهم رسمياً تحت إشراف المحافظات والحكام الإداريين في وزارة الداخلية ، وممارسة المختار مهام المعاملات الرسمية كإثبات السكن والشهادات التعريفية والصلح العشائري ، إلا أن الصلاحيات الإدارية للمختار قد تقلصت نسبياً لصالح المؤسسات الرقمية الحديثة كدائرة الأحوال المدنية والجوازات والمجالس البلدية والنيابية ، ليظل للمختار رمزيته الاجتماعية ومكانته العرفية الراسخة في إصلاح ذات البين .
الإدارة المحلية ورؤساء بلدية عمان زمن العثمانيين وفي عهود الإمارة والاستقلال ( 1909 - 1950 م ) :
تأسس أول مجلس بلدي لمدينة عمان عام 1909 م في العهد العثماني بموجب قانون الولايات العثماني الصادر عام 1870 م والتابع لمتصرفية السلط ، لتبدأ مرحلة الإدارة المحلية الرسمية بالتكامل مع هيئات المخاتير والوجهاء للسيطرة على اتساع العمران وتنظيم الخدمات العامة في الحارات والمحلات التاريخية مثل محلة الشابسوغ ومحلة القبرطاي ومحلة الأبزاغ ومحلة رأس العين ومحلة الأغراب ومحلة المسيحيين . وقاد هذه المؤسسة الوطنية عبر محطاتها التاريخية نخبة من رؤساء البلديات وأمناء العاصمة الذين وثقتهم السجلات الرسمية :
ففي عهد رؤساء بلدية عمان ( 1909 - 1950 م ) ، تعاقب على رئاسة البلدية كل من : إسماعيل أرسلان بابوق ( 1909 - 1911 م ) كأول رئيس بلدية انتخبه الأهالي وصادق على تعيينه متصرف السلط العثماني وتزامن ذلك مع إنشاء جسر العسبلي فوق سيل عمان ، ثم أحمد الخطيب ( 1911 - 1915 م ) الذي تولى تنظيم الأسواق التجارية المبكرة ، ثم خليل أسعد أو أسعد حمدوخ ( 1915 - 1919 م ) خلال ظروف الحرب العالمية الأولى الصعبة ، وبعده أيوب فخري فاخر ( 1919 - 1920 م ) مع نهاية العهد العثماني وبداية العهد الفيصلي الانتقالي . ومع تأسيس الإمارة ، تولى سعيد خير ( 1920 - 1925 م ) رئاسة البلدية عاصراً قدوم الأمير عبد الله الأول واختيار عمان عاصمة للإمارة ، تلاه يوسف عصفور ( 1925 - 1931 م ) في مرحلة التوسع العمراني لوسط البلد ، ثم طاهر الجقة ( 1931 - 1933 م ) المنظم للأحياء الجديدة حول السيل ، وعلاء الدين طوقان ( 1933 - 1937 م ) في مأسسة العمل البلدي ، وسامح حجازي في فترته الأولى ( 1937 - 1938 م ) ثم عاد ليصبح أول رئيس بلدية في عهد الاستقلال عام 1946 م ، وصولاً إلى سعيد المفتي وهزاع المجالي في الأربعينيات حتى عام 1948 م (حيث أنعم الملك عبد الله الأول على هزاع المجالي بقلادة ذهبية لرئيس البلدية) ، تلاهم في ختام تلك المرحلة الإدارية قادة آخرون حتى عام 1950 م حيث تحولت الإدارة لاحقاً إلى نظام أمناء العاصمة بدءاً من عام 1950 م .
توازت هيبة المختار مع رئاسة البلدية في معالجة القضايا اليومية والاجتماعية ، وبرز في ذاكرة العاصمة مخاتير أداروا محلاتها بحكمة ، ومنهم :
عزيز بن طراخ وأحمد بن قناش : مخاتير محلة القبرطاي ( من أوائل محلات الشركس في عمان ) .
يعقوب بن إسلام : مختار محلة الأبزاخ في عمان القديمة .
ناخو صالح : مختار محلة رأس عمان ( رأس العين ) .
الحاج سليمان البلبيسي : مختار محلة الأغراب ( الخاصة بالمقيمين الوافدين من السلط والمناطق المجاورة ) .
الشيخ إسماعيل محمود شكاخوا : من أشهر وأبرز مخاتير الشركس والأردن في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي في عمان .
مخاتير حارات الشابسوغ ، الميدان ، جبل عمان ، والمحطة : الذين شكلوا صلة الوصل بين الأسر العمانية وإدارات البلديات والحكام الإداريين .
المضافات العمانية ومضافات العائلات والشركس : شواهد التطور " والمجالس مدارس " :
ربط مقولة " المجالس مدارس " بالمضافات وأهميتها التربوية والثقافية :
كانت العرب قديماً تشدو بالمقولة الخالدة " المجالس مدارس " ، وهي مقولة تجد أرقَى ومحُضَر تطبيقاتها العملية في المضافات والديوانيات العمانية والشركسية والعشائرية التي نشأت مع بدايات القرن الماضي . وتكمن أهمية هذا القول في تأكيد أن التعليم وبناء الشخصية لا يقتصران على الكتاتيب أو مقاعد الدراسة النظامية فحسب ، بل يمتدان إلى الفضاء الاجتماعي الجامع الذي يضم الكبار والشباب والناشئة . فقد شكلت المضافة مدرسة غير نظامية قائمة على التلقي المباشر والملاحظة والتطبيق ، يتعلم فيها الشاب والأعزب كيفية الاستماع لرجاحة رأي الشيوخ والوجهاء ، وإتقان فنون الحديث والرد والخطابة ، ومراعاة أداب الجلوس والاستئذان ، وصون سر المجلس . ونستنتج من دور المضافات في رفد الأشخاص بالثقافة أنها كانت بمثابة جامعة مفتوحة تثري حصيلة الفرد بالمعارف الشفهية والتاريخية ، وتنمي الوعي السياسي والقومي ، وتغرس منظومة القيم الأخلاقية الأصيلة كالشجاعة ، والعدل ، وحسن الجوار ، وإغاثة الملهوف ، ومراعاة الأعراف والسنن العشائرية التي تحكم القضاء العشائري وإصلاح ذات البين .
الجذور التأسيسية وأهميتها الاجتماعية والسياسية والثقافية :
بالعودة إلى الذاكرة التاريخية وتوثيق الدارسين والمؤرخين لمضافات عمان القديمة التي تكونت مع بداية القرن الماضي وتُعد شواهد حية على تحول المجتمع الأردني وتطور بنيته نحو مرحلة العصرنة ، نجد أن الشراكسة استقروا في المدينة وأقاموا علاقات طيبة ومتينة مع جيرانهم من بدو البلقاء والصخور ، فأصبحت المضافة تشكل ملمحاً بارزاً من ملامح هذه العلاقة وذلك حين أقام زعيم الشراكسة محمد أفندي مفتي أول مضافة في عمان لاستقبال ضيوفه من العرب المقيمين خارج المدينة ، ثم أصبحت المضافة مركزا يجتمع فيه صاحبها بالفلاحين الذين يستخدمهم لزراعة أرضه ، وكانت أكلات التراث الشركسي الحاضرة مثل ( الشبس والباستا ) حاضرة في وقت الغداء في المضافات الشركسية .
وقد مثلت مضافات الشركس والعائلات العمانية خلال القرن العشرين مراكز اجتماعية وثقافية وسياسية مفصلية في بناء المجتمع ، حيث استُخدمت كمجالس للقاءات الاجتماعية ، وحل النزاعات ، ومناقشة القضايا العامة ، واستقبال الضيوف ، بالإضافة إلى كونها أماكن للحفاظ على التراث الأصيل . وتجلى دور المضافات العائلية في المجتمع عبر عدة محاور :
الحفاظ على الهوية والثقافة : نقل التقاليد والعادات العمانية والشركسية والأردنية الأصيلة إلى الأجيال الجديدة تطبيقا لمفهوم " المجالس مدارس " .
التواصل الاجتماعي والتكافل : التقاء كبار العائلات والشباب لتبادل الأخبار والمعلومات ، وإغاثة ابن السبيل ، وإعانة الفقراء والمحتاجين وتقديم وجبات الطعام من المطبخ المخصص للمضافة .
حل النزاعات وإصلاح ذات البين : تمثيل مجلس أهلي وتقليدي لفض المنازعات والصلح العشائري بطريقة سلمية ودية قبل وصولها إلى القضاء .
استضافة الفعاليات والضيافة : احتضان الاحتفالات الدينية والوطنية والأعراس والعزائم الكبرى ، وعقد القران والمناسبات الجامعة .
الأهمية السياسية والوطنية : تشكيل مجالس شورى وبرلمانات شعبية مصغرة ، تحولت في عهد الإمارة إلى مقرات للعمل الوطني والتعبئة ضد الانتداب والاستعمار واستقبال الأمراء والوفود القيادية .
الأهمية الثقافية والتربوية ( التعقيب على دورها الثقافي ) : إثراء معارف الحاضرين بالأدب والشعر والمواقف التاريخية ، فكانت المضافة بحق مؤسسة للتثقيف المجتمعي والتربية الوطنية الأصيلة .
أماكن انتشار المضافات في عمان ونمطها المعماري ومكوناتها :
أماكن الانتشار : تركزت المضافات الأولى في قلب العاصمة القديم على ضفاف سيل عمان ، وفي محلة الشابسوغ ، وشارع فيصل ( دخلة بنك الإسكان ) ، وحارة المهاجرين ، وشارع الرضا ، وشارع البريد ، والمصدار ، وجبل عمان ، وحي الأرمن ، وسوق الخضار القديم ، ووسط البلد خلف المسجد الحسيني الكبير .
النمط المعماري والبناء : تميزت المضافة العمانية القديمة بساحتها الفسيحة وسقفها العالي لتوفير التهوية والإضاءة ، وبنيت في البدايات من الحجارة الكلسية المحلية واللبن الطيني والسقوف الخشبية والقرميد ، مع وجود مدخل عريض يسهل دخول الزوار .
مكونات وملحقات المضافة : اشتملت المضافة التقليدية على المجلس ( الصالون الرئيسي ) المفروش بالفرش العربي ، والموقد ( المنقل أو الوجاق ) لإعداد القهوة والشاي ، وأدوات الضيافة من معاميل ودلال ومهباش ، والمستودع ( بيت المؤنة ) والمطبخ المخصص لإعداد وجبات الطعام للضيوف .
أبرز وأشهر المضافات والديوانيات التي عرفت في مدينة عمان القديمة :
بالرغم من كثرة مضافات عمَّان القديمة ، فقد عُرفت شبكة غنية من المضافات والديوانيات التي جمعت أبناء عمان بمختلف أصولهم وأطيافهم ، وكان لكل منها دور هاديء ومحوري في البناء الاجتماعي والثقافي والسياسي ، ومن أبرزها وأشهرها :
مضافة المختار شكاخوا : أنشأ المختار إسماعيل محمود شكاخوا ( من أشهر مخاتير الشركس الأردنيين في ثلاثينيات القرن الماضي في عمان ) أول أكبر مضافة في وسط عمان ، في دخلة سوق الفيومي خلف البنك العربي في شارع الملك غازي ، وكانت مضافته تضم يومياً العديد من الضيوف والزائرين الأردنيين من العرب والشركس حيث كانت تدار النقاشات والتعاليل ولإحياء المناسبات وفض المنازعات وتقديم المعونات والمساعدات للمحتاجين والفقراء .
مضافة آل المفتي : لمحمد أفندي المفتي ، وكانت تقع خلف الجامع الحسيني الكبير ، وتُعد أول مضافة أُسّست في عمان ، وشكّلت نقطة تواصل رئيسية لاستقبال شيوخ ووجهاء بدو البلقاء وفلاحي الجوار وكبار زعامات البلاد .
مضافة آل البلبيسي : أسسها الحاج سليمان البلبيسي عند قدومه من مدينة السلط ، وعُرفت كـ أول مضافة عربية بالمعنى العشائري الدارج في وسط المدينة الناشئ .
مضافة آل ميرزا : لميرزا باشا ( القائد العسكري والوجيه الشركسي البارز ) ، وكانت تقع مباشرة على ضفاف سيل عمان .
مضافة آل خير : للحاج سعيد خير ( رئيس البلدية الأسبق ) ، وكانت تقع في قلب محلة الشابسوغ التاريخية .
مضافة آل عصفور : للحاج يوسف عصفور ( رئيس بلدية عمَّان سابقًا ) ، وكانت في شارع فيصل دخلة بنك الإسكان ، وملتقى دائماً للتجار والسياسيين .
مضافة آل النابلسي : للسيد مسعود النابلسي ، وهي مضافة ذائعة الصيت في وسط البلد ، واشتهرت بشكل خاص في شهر رمضان المبارك بتقديم وجبات الإفطار للفقراء والأطفال وعابري السبيل والأيتام طوال الشهر .
مضافة آل تحبسم : لمحمد تحبسم ، وكانت تقع على سيل عمَّان قرب جسر الحمَّام .
مضافة آل القريوتي : للسيد سعيد القريوتي ، وكانت قرب سوق الخضار في موقع عمارة منكو .
مضافة آل برمامت : لماهر برمامت ، وكانت تقع في شارع البريد .
مضافة آل الشربجي : لحسن مصلح الشربجي ، وكانت على سيل عمَّان قرب جسر الحمَّام ( وفيها تم تدارس الكثير من القضايا وإيجاد الحلول ) .
مضافة آل الكردي : لسيدو الكردي وإخوانه خليل ومحمد ومحمود وأحمد ، وتقع في حي الشابسوغ ( اليوم مدرسة الإمام علي ) .
مضافة آل حميد : للسيد مسعود حميد ، وتُعد من أشهر مضافات الشركس .
مضافة آل حلاوة : للسيد خالد حلاوة .
ديوان آل الطباع : لصبري الطباع شهبندر تجار عمَّان .
ديوان آل الحلبي : ويعود للسيد صبحي الحلبي في وسط البلد .
مضافات أخرى بارزة : مثل مضافة آل السعودي ومضافة آل القيسي من مضافات وسط مدينة عمان العريقة .
وعلى الرغم من أن هذه المضافات التاريخية لم يبق منها في عمان المدينة سوى الذكرى والتدوين الأرشيفي بعد إغلاقها إثر تحول عمان إلى مدينة كبرى وازدهار المطاعم والفنادق والخدمات العامة وتغير إيقاع الحياة ، إلا أن أثرها وقيمها لا تزال حاضرة في الوجدان الوطني والجمعيات الثقافية والمراكز الاجتماعية المعاصرة التي استلهمت روح المضافة بصفتها المدرسة الأولى لبناء الإنسان الأردني .
نشأة نظام المختارين ودور المضافات في العهد العثماني بعمان ( مرحلة التأسيس والتنظيم الأهلي ) :
شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين الإرهاصات الأولى لتنظيم الإدارة المحلية في ولاية سوريا وملحقاتها ، بالتزامن مع صدور قانون الولايات العثمانية وقانون المخاتير لعام 1876 م ، والذي أضفى صفة رسمية على دور المختار بوصفه حلقة الوصل المباشرة بين الأهالي والسلطة المركزية ، وتميزت عمان في هذه المرحلة بنمو متدرج للمؤسسات الاجتماعية التقليدية عبر محطات بارزة :
دور المضافات العشائرية والشركسية بوصفها مجالس للإدارة والقرار :
مثلت المضافات في عمان ( كمضافات العشائر والشركس والعائلات الوافدة ) فضاءً عاماً مفتوحاً لاستقبال الضيوف ، وعقد الاجتماعات التشاورية ، وحل النزاعات العشائرية والمدنية بالطرق العرفية الودية ،
لعبت المضافة دور المدرسة الأولى في غرس قيم الكرم ، والشجاعة ، والعدل ، وحسن الجوار ، وإغاثة الملهوف ، وكانت بمثابة برلمان أهلي مصغر يتخذ فيه كبار القوم والمخاتير القرارات المرتبطة بتنظيم شؤون الحارة والسكن والزراعة ،
تلاقت في عمان مضافات المهاجرين الشركس الأوائل مع مضافات عشائر البلقاء وبدو المنطقة ، لتؤسس لنموذج فريد من التعايش والسلم الأهلي .
مؤسسة المخترة والوظائف الإدارية المبكرة :
عُين المخاتير في عمان لتوثيق النفوس ، وتسجيل المواليد والوفيات ، وتوزيع الضرائب الأميرية بالتعاون مع القائمقاميات وادارات الألوية ،
اضطلع المختار بدور القيادة المجتمعية إلى جانب شؤون القرى والأحياء ، فكان مرجعاً أمنياً واجتماعياً وقضائياً يسهم في حفظ الأمن الداخلي وفض الخصومات قبل وصول القضاء النظامي الحديث ،
ارتبط اسم المخاتير الأوائل في عمان بذاكرة الأجيال ، حيث حملوا أمانة تمثيل أحيائهم ومحلاتهم ( كحارة المهاجرين ، وحارة الشركس ، ووسط البلد ، وحارات الشابسوغ والميدان ) بكفاءة وحكمة .
دور المخاتير والمضافات في عهد الإمارة ( 1921 - 1946 م ) :
شكل وصول الأمير عبد الله الأول بن الحسين إلى عمان عام 1921 م واتخاذها عاصمة للإمارة نقطة تحول مفصلية ، إذ حظي النظام الإداري المحلي باهتمام رسمي مباشر لتوحيد مؤسسات الدولة الناشئة ، فتكامل دور المخاتير ورؤساء البلدية مع دوائر الحكومة الحديثة كوزارة الداخلية والحكام الإداريين ، وصدرت الأنظمة والتعليمات المنظمة لأعمال المخاتير والبلديات في قرى ومدن الإمارة ، وظلت المضافات العمانية تشكل الحاضنة الأساسية للعمل العام :
المضافات مقرات لصنع القرار الوطني :
تحولت مضافات عمان في عهد الإمارة إلى ملتقى لزعامات الحركة الوطنية ، والشيوخ ، والأعيان ، والمخاتير الذين التفوا حول القيادة الهاشمية لدعم بناء أركان الدولة الأردنية ،
استضافت المضافات المؤتمرات واللقاءات الشعبية التي بحثت قضايا البلاد وواجهت التحديات السياسية الكبرى في تلك الفترة ،
شبكة المخاتير في أحياء عمان الناشئة :
غطت شبكة المخاتير ورؤساء المجالس البلدية أحياء عمان المتنامية في عهد الإمارة ، وشملت مناطق وسط البلد ، جبل عمان ، جبل اللويبدة ، المحطة ، والمهاجرين ،
قام المخاتير بدور حيوي في إحصاء السكان ، وتنظيم السجلات المحلية ، وتسهيل معاملات المواطنين مع دوائر الحكومة ، وتعزيز الروابط الاجتماعية بين أبناء المجتمع العماني المتنوع .
مرحلة الاستقلال وما بعده وتطور دور المخترة ( 1946 - 1962 م ) :
شهدت أواخر ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين ترسيخاً للمؤسسية الإدارية والتشريعية مع إعلان الاستقلال عام 1946 م ، حيث أُطّر عمل المخاتير ورؤساء البلديات بقوانين واضحة تحدد صلاحياتهم ومسؤولياتهم الرسمية ضمن وزارة الداخلية :
المخترة والعمل البلدي في ظل مؤسسات الدولة الحديثة : مع إعلان استقلال المملكة الأردنية الهاشمية عام 1946 م وتطور إدارات المحافظات والأقضية ورئاسة بلدية عمان ( برئاسة سامح حجازي ثم سعيد المفتي وهزاع المجالي ) ، استمر المخاتير بوصفهم ركيزة أصيلة في الإدارة المحلية والشهادة الرسمية ومعاملات الأحوال المدنية والصلح العشائرية ،
استمرار حضور المضافات : حافظت مضافات عمان على مكانتها الاجتماعية الدافئة رغم اتساع رقعة العاصمة وعمرانها الحديث ، لتظل عنواناً للترابط والضيافة وحل النزاعات بالطرق الودية والتقاليد الأردنية العريقة .
التتبع الزمني لمسيرة المخاتير والمضافات في عمان :
تُظهر قراءة السيرورة التاريخية لتطور دور المخاتير والمضافات في العاصمة عمان انتقالاً منهجياً واجتماعياً عبر ثلاث محطات رئيسية :
في العهد العثماني أواخر القرن 19 وبدايات القرن 20 ، ظهر نظام المخاتير والمجالس البلدية ( 1909 م ) رسمياً بموجب التنظيمات العثمانية ليحل محل الإدارات الأهلية العفوية ، وساد النمط القائم على المضافات العشائرية والشركسية بوصفها مجالس للتشاور وحل النزاعات ، وتنظيم شؤون الأحياء والمهاجرين الأوائل في عمان .
أما في عهد الإمارة ( 1921 - 1946 م ) ، فتطور دور المخاتير والمضافات ورؤساء البلديات ليتكامل مع أجهزة الإدارة الرسمية الناشئة في العاصمة ، وتحولت المضافات إلى قلاع وطنية واجتماعية حاضنة للزعامات واللقاءات الشعبية الداعمة لبناء الدولة ، وتوسعت أعمال المخاتير لتشمل كافة أحياء عمان الناشئة .
وبعد نيل الاستقلال عام 1946 م وما تلاه ، أُسس لنمط قانوني ومؤسسي منظم لعمل المخاتير وإدارة البلدية في ظل وزارة الداخلية والمؤسسات الحديثة ، مع الحفاظ على القيمة الرمزية والاجتماعية الراسخة للمضافات الأردنية بوصفها عنواناً للكرم والعدل والتلاحم الوطني حتى حقبة الستينيات وما بعدها ، وصولاً إلى وقتنا الحالي الذي شهد تحول الوظائف التنفيذية للجهات الرقمية الرسمية مع احتفاظ المختار بالرمزية العرفية والاجتماعية .
إن مسيرة المخاتير والمضافات ورؤساء البلديات في عمان من مجالس الإدارة الأهلية الأولى والتنظيمات العثمانية إلى مؤسسات الإدارة المحلية والوطنية عند الاستقلال تُجسد قصة كفاح مجتمعي وإرادة أصيلة آمنت بأن التلاحم والشورى هما الأساس المتين لبناء الوطن وصون وحدته .


قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) الشريدة ، د . هند . ( 2015 م ) . التطور التاريخي للإدارة المحلية في الأردن : عهد الإمارة والعهد العثماني . عمان : دار البيروني للنشر والتوزيع .
- 2 ) المحاميد ، د . علي . ( 2017 م ) . تاريخ عمان الاجتماعي والعمراني ( 1878 - 1948 م ) . عمان : منشورات أمانة عمان الكبرى .
- 3 ) موسوعة ويكيبيديا . ( 2023 م ) . قائمة أمناء ورؤساء عمان وتاريخ مدينة عمان عبر العصور . وثيقة تاريخية إلكترونية .
- 4 ) صحيفة الرأي الأردنية . ( 2014 م ) . قرأت لك.. عمان في العهد العثماني . مقال توثيقي تاريخي .
- 5 ) وزارة الداخلية الأردنية . ( 2020 م ) . سفر الإدارة المحلية : المخاتير والوجهاء ودورهم في بناء الدولة الأردنية ( 1921 - 2021 م ) . عمان : مطابع وزارة الداخلية .
- 6 ) صحيفة الرأي الأردنية . ( 2012 م ) . المضافات العمانية : مجالس للشورى والتكافل الاجتماعي في تاريخ العاصمة . مقال تاريخي وثائقي .
- 7 ) صحيفة الدستور الأردنية . ( 2022 م ) . مضافات ووجهاء عمان زمان شواهد تحول المجتمع الأردني إلى مرحلة العصرنة . تحقيق وثائقي وتاريخي .
- 8 ) صحيفة الدستور الأردنية . ( 2015 م ) . عمــان . . عـاصمـة التـاريـخ والحضـارة ومضافات العائلات في عمان القديمة : دور هام في البناء الاجتماعي والثقافي والسياسي . تحقيق وثائقي وتاريخي بقلم محمود كريشان .
- 9 ) صحيفة الدستور الأردنية . ( 2021 م ) . مضافات عمان ذاكرة المكان والإنسان والإدارة المجتمعية . تحقيق توثيقي تاريخي .
- 10 ) رشيد ، د . عبد الله . ( 1994 م ) . ملامح الحياة الاجتماعية والشعبية في مدينة عمان ( 1878 - 1948 م ) . عمان : منشورات أمانة عمان الكبرى .
- 11 ) موقع الحصاد الإخباري . ( 2019 م ) . تاريخ المخترة والإدارة المحلية في الأردن : الجذور والمهام والتحولات الإدارية .
- 12 ) مدونة تراث عمان . ( 2023 م ) . ذاكرة المكان والإنسان : مضافات عمان ومخاتيرها ورؤساء بلديتها الأوائل خلال فترة الإمارة والاستقلال .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.