تُعدّ ( خريطة سوريا العمومية ) التي رسمها حمدي طربين في ثلاثينيات القرن العشرين م وثيقة بصرية وتاريخية نادرة تجسد الحدود الطبيعية لبلاد الشام ووحدة جغرافيتها العربية قبل التقسيم الاستعماري .
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تُعدّ الخرائط التاريخية القديمة وثائق بصرية ومكانية لا تُعَدّ ولا تُحصى قيمتها ، إذ تروي بالخطوط والرموز حكايات الأوطان وتغيرات الحدود والكيانات السياسية عبر العصور ، ومن أبرز هذه النماذج الخرائطية ( خريطة سوريا العمومية ) أو ما عرف بخرائط بلاد الشام الطبيعية الكبرى ، وهي خريطة نادرة مكتوبة باللغة العربية ولا تحمل تاريخاً محدداً بدقة ، إلا أن الدراسات الكارتوجرافية والتحليلات التاريخية ترجح نشرها في ثلاثينيات القرن العشرين في العاصمة السورية دمشق ، وقد رسمها بعناية فائقة رسام الخرائط السوري البارز ( حمدي طربين ) .
ويُعدّ حمدي طربين رسام خرائط ( كارتوجراف ) سوري بارز ، عاش ونشط في دمشق خلال النصف الأول من القرن العشرين ، وتحديداً في فترة ثلاثينيات القرن العشرين م ، وهي المرحلة المفصلية التي أعقبت ترسيم الحدود الاستعمارية الحديثة بموجب اتفاقيات سايكس بيكو ومعاهدات الانتداب الفرنسي والبريطاني على بلاد الشام ، والتي شهدت نشاطاً وطنياً وفكرياً واسعاً لإثبات الهوية القومية والجغرافية الموحدة للمنطقة عبر التدوين والخرائط العلمية . وكان طربين من أوائل المختصين العرب الذين أخذوا على عاتقهم توثيق ورسم الخرائط الجغرافية الميدانية والتاريخية لبلاد الشام والوطن العربي باللغة العربية الفصحى وبأيدي عربية خالصة . وتكمن أهمية أعماله الخرائطية في تقديمها لتصوير جغرافي وسياسي دقيق يضم سوريا الكبرى وتجسيد لواء الإسكندرون كجزء لا يتجزأ من سوريا قبل سلخه عام 1938 م ، مما جعل خريطته وثيقة تاريخية ونادرة في دور الخرائط العالمية .
تأصيل بلاد الشام في التاريخ والحضارات ( التفاصيل والمسميات ) :
تُمثل بلاد الشام إقليماً حضارياً وثقافياً ضارباً في عمق التاريخ ، حيث ورد ذكرها والتلميح إليها في القرآن الكريم بوصفها الأرض المباركة ، كما في قوله تعالى :
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ ( سورة الإسراء : الآية 1 ) .
وقد شهدت بلاد الشام عبر العصور المتعاقبة تفاصيل جغرافية وحضارية متداخلة ، وتعددت المسميات والمصطلحات التي أطلقتها الحضارات واللغات القديمة والحديثة على هذا الإقليم الجغرافي العريق :
1 ) التسميات لدى الحضارات القديمة : أطلق عليها الفراعنة ( المصريون القدماء ) اسم ( رتنو ) و ( حارو ) ، بينما سماها الأكاديون والآشوريون والبابليون باسم ( أمورو ) وتعني أرض الغرب أو بلاد الغربيين ، وعُرفت عند الفينيقيين والكنعانيين بأرض كنعان ، في حين أطلق عليها اليونان والرومان اسم ( سوريا ) و ( فينيقيا ) وصنفوها لاحقاً إلى ( سوريا الجوفية ) و ( سوريا فلسطين ) .
2 ) التسميات في اللغات الأوروبية : يُطلق عليها في اللغات اللاتينية والأوروبية مصطلح ( الليفانت - The Levant ) المشتق من الكلمة الفرنسية واللاتينية التي تعني مشرق الشمس أو المشرق ، إضافة إلى مصطلح ( سوريا الكبرى - Greater Syria ) المستخدم في الدراسات التاريخية والسياسية الغربية .
3 ) التسميات الجامعة والإقليم الحديث : تُعرف مجتمعة بمصطلحات ( سوريا الطبيعية ) ، و ( إقليم الشام ) ، وهو المصطلح الجغرافي والتاريخي الذي يطلق على المنطقة الممتدة من جبال التوروس شمالاً حتى شبه جزيرة سيناء جنوباً ، ومن البحر الأبيض المتوسط غرباً حتى بادية الشام وعتبات الجزيرة الفراتية شرقاً . وتتكون في جغرافيتها التاريخية والطبيعية الحديثة من أربع دول عربية رئيسية هي : الأردن ، فلسطين ، سوريا ، ولبنان ، إضافة إلى لواء الإسكندرون والمناطق الشمالية المتاخمة حتى جبال توروس جنوب تركيا ، وشبه جزيرة سيناء جنوباً .
4 ) مصطلح الهلال الخصيب : يُعدّ مصطلحاً جغرافياً وتاريخياً وشاملاً صاغه عالم الآثار والشرقيات الأمريكي جيمس هنري برستد ، وهو يمتد في قوس جغرافيا عظيم يضم تحديداُ بلاد الشام ( الأردن ، فلسطين ، سوريا ، لبنان ) بتمامها بالإضافة إلى بلاد ما بين النهرين ( العراق ) ، وصولاً إلى أطراف الخليج العربي والجزيرة الفراتية ، متخذاً شكل هلال حيوياً غنياً بالأنهار والموارد المائية والأراضي الزراعية الخصبة التي شهدت نشوء أقدم الحضارات الإنسانية .
المضمون المكاني والحدود السياسية والطبيعية للخريطة :
تحمل هذه الخريطة التاريخية القيّمة عنوان ( بلاد الشام ) ، وهي لا تقتصر في محتواها على القطر السوري فحسب ، بل تقدم لوحة جغرافية شاملة تظهر فيها سوريا الطبيعية وبلاد الشام بمفهومها الواسع الشامل لكل من : العراق ، تركيا ، الأردن ، وفلسطين ، وتجسد الخريطة بعمق وحدة الإقليم الجغرافي والبشري الذي طالما ربط بين هذه الأقطار عبر التاريخ الإسلامي والعربي العريق .
ومن أبرز الدلالات السياسية والتاريخية البارزة التي تحفل بها هذه الخريطة ، ظهور مقاطعة ( هاتاي ) أو ما يُعرف بـ ( لواء الإسكندرون ) كجزء لا يتجزأ من التراب السوري والوطن الأم ، وبقيت كذلك حتى عام 1938 م ، وهو العام المشؤوم الذي شهد تنازل سلطات الانتداب الفرنسي عن اللواء لصالح تركيا . ولواء الإسكندرون منطقة استراتيجية ذات أهمية جغرافية واقتصادية بالغة تقع في شمال غرب سوريا على ساحل البحر الأبيض المتوسط وتضم مدينة أنطاكية والإسكندرون ، وكانت تتبع لولاية حلب في العهد العثماني ثم خضعت للانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان قبل أن تفصلها فرنسا وتعطيها لتركيا ، مما يجعل هذه الخريطة وثيقة تاريخية قطعية الحجة على سورية لواء الإسكندرون وعروبته قبل سلخه جغرافياً وسياسياً .
تظل ( خريطة سوريا العمومية ) ورسمة الفنان ( حمدي طربين ) شاهداً حياً وناطقاً على وحدة الجغرافيا والتاريخ في المشرق العربي ، ووثيقة بصرية بالغة الأهمية تكشف زيف الحدود المصطنعة وتحفظ في ثناياها ملامح الوطن الأوسع قبل أن تمتد إليه مقصات الاستعمار ومعاهدات التقسيم ، لتبقى الأجيال واعية بجذورها الممتدة بين ضفتي النهر وفي ربوع الوطن العربي الكبير .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) مدونات ومقالات الأستاذ قيصر صالح الغرايبه التاريخية والتوثيقية حول جغرافيا وتاريخ بلاد الشام .
- 2 ) أرشيف الخرائط التاريخية العربية والدولية ( دراسات الكارتوجرافيا التاريخية في المشرق العربي ) .
- 3 ) كتاب ( تاريخ سورية المعاصر ) والدراسات المتعلقة بقضية لواء الإسكندرون وتطوراته السياسية .
- 4 ) الوثائق والسجلات التاريخية لفترة الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان في ثلاثينيات القرن العشرين .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.