يقدم المقال قراءة شاملة في تاريخ شجرة البن وأصولها الجغرافية ، مستعرضاً أنواعها وخصائصها النباتية وطقوسها الثقافية ، إلى جانب فوائدها ومحاذيرها الطبية .

القهوة عبر العصور : تاريخ شجرة البن وتأثيراتها الصحية والفلسفية

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تُعد القهوة واحدة من أكثر المشروبات انتشاراً وشهرة في تاريخ البشرية ، إذ ترتبط في الوجدان الإنساني باليقظة والفكر والطقوس الاجتماعية والضيافة الأصيلة ، وتتجاوز كونها مجرد مشروب يومي لتصبح إرثاً كارتوجرافياً وثقافياً واقتصادياً ضارباً في عمق التاريخ العربي والإسلامي .

​رحلة حبة القهوة ودورة حياتها الجغرافية والخصائص النباتية :

​تبدأ حكاية حبة القهوة كزهرة بيضاء يانعة على شجرة البن تشبه الياسمين وذات رائحة عطرية قوية تجذب النحل ، حيث يحدث فيها التلقيح الذاتي . وبعد التلقيح تتحول الزهرة تدريجياً إلى ثمرة صغيرة خضراء تُعرف بـ ( كرز البن ) ، تكبر مع مرور الوقت وتتكون البذور في أحشائها . ومع استمرار نضج الثمرة تتغير مكوناتها الداخلية ويزداد تراكم السكريات والمركبات العطرية التي تؤثر لاحقاً في مذاق القهوة وشخصيتها . وعندما تصل الثمرة إلى النضج الكامل يتغير لونها غالباً إلى الأحمر القاني أو الأصفر ، وتحتوي كل ثمرة عادة على بذرتين غارقتين داخل غشاء رقيق يُسمى ( البرنس ) ، وهما ما نعرفه بحبوب البن . وفي حوالي 5 % من الحالات تنمو داخل الثمرة بذرة واحدة مستديرة تُعرف باسم ( البيبيري - Peaberry ) وتتميز بنكهة مركزة وقوية .

​وبعد حصاد الثمار النضيجة يدويًا لضمان الجودة ، تُزال الطبقات الخارجية المحيطة بالبذور وتجفف لتصبح البن الأخضر الخام ، ليأتي بعد ذلك دور التحميص الذي يطور الروائح الزكية والنكهات المعقدة التي نختبرها في فنجان القهوة .

​أنواع البن الرئيسية في العالم :

​تتعدد أصناف وشجيرات البن في المزارع والبرية ، وتتوزع على أربعة أصناف عالمية رئيسية :

​1  ) أرابيكا ( Coffea arabica ) : النمط الأكثر جودة وشهرة ، يتميز بنكهته الحلوة والمعقدة مع إيحاءات الشوكولاتة والفواكه ، ويحتوي على نسبة كافيين منخفضة نسبياً . يحتاج إلى مرتفعات عالية ( 600 - 2000 متر ) وأمطار غزيرة ، ومن أشهر أصنافه ( تيبيكا ) و ( بوربون ) و ( كاتورا ) .

​2  ) روبوستا ( Coffea canephora ) : يتميز بنكهة أقوى وأكثر مرارة ، ومحتوى كافيين يبلغ ضعف محتوى الأرابيكا ، ويزدهر في المناطق المنخفضة الحارة والرطبة ، ويُستخدم غالباً في خلطات الإسبريسو .

​3  ) ليبيريكا ( Coffea liberica ) : يتميز بنكهة دخانية وخشبية مع لمسات من المكسرات ، وشجرته أكبر حجماً ومقاومة للأمراض .

​4  ) إكسيلسا ( Coffea excelsa ) : يمتلك نكهة غنية تجمع بين الحموضة والفواكه مع لمسة ترابية ، ويمتاز بقدرته العالية على مقاومة الجفاف .

​الجذور التاريخية والانتشار الاجتماعي :

​تنحدر شجرة البن أصولاً من مرتفعات إثيوبيا وجنوب السودان . وتروي الأساطير أن راعياً إثيوبياً يُدعى "كالدي" لاحظ نشاطاً غير عادي وحيوية على غنمه في القرن التاسع بعد تناولها ثماراً حمراء من شجرة غريبة ، فقرر تناولها بنفسه ليشعر بنشاط زائد وتوقد في حواسه ، وبدأ ينشر قصته حتى شاعت معرفة شجرة البن .

​ومن إثيوبيا شقت القهوة طريقها إلى اليمن السعيد في القرن الخامس عشر ، حيث يُرجح أن الشيخ الصوفي "جمال الدين الذبحاني" كان أول من استخدمها لتنشيط المصلين والزهاد للعبادة والقراءة . ومن اليمن انتشرت إلى مكة المكرمة ثم مصر والشام وتركيا ، وعبر البرتغاليين والتجار انتقلت إلى أوروبا .

​وقد أُطلق على القهوة قديماً اسم "خمر الصالحين" ، كما تنوعت المسميات والاشتقاقات حيث يُعتقد أن كلمة قهوة اشتقّت لغوياً من قرية ( Caffa ) في الحبشة ، أو نسبة إلى "قهوة الكاف" قبل أن تحرّف أوروبياً إلى ( Caffe ) و ( Coffee ) . وتشتهر اليمن بتنوع مشروبات البن التقليدية مثل ( القهوة البيضاء ) بالمكسرات و ( قهوة القشر ) المصنوعة من قشور ثمار البن المحمصة .

​وافتُتحت أولى المقاهي في القسطنطينية ( إسطنبول ) خلال عهد السلطان سليمان القانوني ، لتنتشر بعدها إلى باريس ولندن وتتحول إلى مراكز للفكر والثقافة والتجمع الإنساني . وانتقلت زراعتها إلى البرازيل التي أصبحت المركز الاقتصادي العالمي الأكبر لإنتاج البن .

​الظروف البيئية والتحديات الزراعية :

​تتطلب شجرة البن مناخاً استوائياً حاراً ورطباً في موسم النمو وحاراً جافاً في موسم القطاف ، مع درجات حرارة مثالية بين ( 15 - 24 درجة مئوية ) ، ورطوبة عالية ( 70 - 80 % ) ، وتفضل الظل الجزئي والتربة الخصبة الحمضية قليلاً والجيدة التصريف . وتُعد الشجرة حساسة جداً للأملاح والصقيع .

​ولهذا السبب تواجه زراعة البن في بعض البلدان مثل العراق تحديات مناخية قاهرة تجعل زراعتها التجارية شبه مستحيلة ، نظراً لارتفاع درجات الحرارة الصيفية التي تتجاوز 45 درجة مئوية ، وانخفاض الرطوبة الجوية ، وارتفاع ملوحة التربة ومياه الري ، وغياب المرتفعات الجبلية الرطبة . كما تواجه الشجرة آفات زراعية عالمية مثل "خنافس البن" و "حفار الساق" وأمراضاً فطرية مثل "صدأ البن" .

​الوصف النباتي والمكونات الفعالة :

​شجرة البن هي شجرة دائمة الخضرة ، يتراوح ارتفاعها بين 2 إلى 4 أمتار في المزارع وقد تصل إلى 10 أمتار في البرية ، وتزهر بعد بلوغها العام الثالث أو الرابع من عمرها ، وتُقلم باستمرار للمحافظة على طول معين يسهل عملية الحصاد . والجزء المستخدم رئيسياً هو البذور بعد نضجها وتحميصها ، وقشور الثمار .

​ومن الناحية الكيميائية والطبية ، تُعد مادة الكافيين المكون الفعال الأبرز ، إلى جانب حامض التريجونيلين الذي يتحول أثناء التحميص إلى حامض النيكوتنيك ، ولذا يحتوي البن الغامق على نسبة أعلى منه ، فضلاً عن مادة التانين القابضة ومضادات الأكسدة القوية التي تفوق قدرتها حماية فيتامين ( E ) . كما تحتوي القهوة على مادة الكافيول المسؤولة عن الرائحة العطرية المميزة للبن والمزيلة لرائحة الثوم والبصل من الفم عند مضغ بضع حبات منها .

​الاستخدامات الطبية والفوائد الصحية :

​عند تناول القهوة بالمعدل المعقول ( ما بين فنجان إلى 3 فناجين يومياً وعلى فترات متباعدة ) ، يقدم المشروب فوائد صحية متعددة :

​1  ) تنشيط الجهاز العصبي والقلب : يصل الكافيين إلى الدماغ خلال دقائق ليحافظ على تيقظ الحواس وزيادة التركيز والنشاط .

​2  ) حماية ومكافحة الأكسدة : تعمل مضادات الأكسدة والبوليفينولات على حماية الخلايا وتعزيز الصحة العامة وتقليل مخاطر مرض السكري من النوع الثاني .

​3  ) إدرار البول والهضم : تُعتبر مدراً للبول لغناها بعنصر البوتاسيوم واحتوائها على الكافيين ، كما تساعد على الهضم إذا أُخذت بعد الوجبات الغذائية .

​4  ) التأثيرات العلاجية الخاصة : تُستعمل القهوة غير المحمصة كعلاج للإسهال لاحتوائها على مادة التانين القابضة ، فضلاً عن استخدام الكافيين والبن الأخضر في استخلاص المستحضرات الطبية ومستحضرات التجميل .

​المحاذير والمخاطر وموانع الاستخدام :

​رغم الفوائد العديدة ، فإن الإفراط في تناول القهوة أو شربها في ظروف غير مناسبة يرافقه محاذير طبية واضحة :

​1  ) تجنب الشرب على الريق : يُحظر شرب القهوة على معدة خاوية لأن حامض النيكوتنيك والمواد الدابغة تزيد من حموضة الوسط المعدي مما يخرش جدار المعدة ويُعد من مسببات القرحة مع الأيام .

​2  ) الموانع المرضية : يُمنع أو يقلل استهلاكها لمن يعانون من ارتفاع ضغط الدم ، خفقان القلب ، قرحة المعدة والأثني عشر ، الأمراض العصبية المصحوبة بالتهيج والأرق ، الحصوات الصفراوية والبولية ، وزيادة نسبة الكولسترول .

​3  ) الحوامل والأطفال : يُحذر تناولها للأم الحامل وخصوصاً في الأشهر الأخيرة ، وتُمنع عن الأطفال لتجنب تأثيراتها على النمو والنوم والجهاز العصبي .

​4  ) الإفراط والتسمم للكافيين : إن زيادة الاستهلاك عن معدلاته السليمة ( كارتفاعه فوق 10 فناجين يومياً أي ما يعادل جراماً من الكافيين ) تؤدي إلى أعراض التسمم بالكافيين مثل : خفقان القلب ، الأرق المزمن ، الرعشة في الأطراف ، القيء ، الارتفاع في حرارة الجسم ، وإعاقة الذاكرة المؤقتة .

​5  ) تنبيه مسعف حول الجروح : يُمنع رش بودرة القهوة على الجروح والحروق كما تجري العادة الشعبية الخاطئة ، لأنها تشكل طبقة عازلة بين الأنسجة تعيق الشفاء وتصعب إزالتها وتضيع وقت المسعف الطبي .

​طرق كشف غش القهوة منزلياً :

​قد يلجأ بعض التجار إلى غش القهوة بإضافة البقول المحمصة ( كالحمص والفول والبلوط ) أو إضافة الجليسرين أثناء التحميص لمنع تبخر الماء وزيادة الوزن . ويمكن كشف الغش بأساليب منزلية بسيطة :

​1  ) اختبار الماء : وضع حفنة من البن في إناء مملوء ثلثه بالماء وخضه جيداً ، فإذا تلون الماء سريعاً دل على الغش .

​2  ) اختبار صبغة اليود : إضافة قطرات من صبغة اليود للإناء قبل الخض ، فإذا تلون باللون البنفسجي دل على وجود النشا والبقوليات المغشوشة .

​3  ) اختبار الطفو : وضع القليل من البن في إناء ماء دون خض ، فالقهوة النقية تبقى طافية على السطح بينما تغوص المواد والمخاليط الدخيلة إلى القاع .

​تظل القهوة رمزاً للثقافة والأصالة وركيزة من ركائز الضيافة العربية والعالمية ، ونظاماً بيئياً وزراعياً متكاملاً ، ويظل الاعتدال في تناولها هو المفتاح الأساسي للاستفادة من مزاياها الطبية والذهنية واجتناب أضرارها .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  ) الأرشيف والوثائق التاريخية العربية والدولية الخاصة بتاريخ البن وزراعته وتجارته .
  3. ​2  ) كتاب ( عمدة الصفوة في حل القهوة ) للإمام عبدالقادر بن محمد الجزيري الدمشقي الحنفي .
  4. ​3  ) كتاب ( إعانة الصفوة في حل القهوة ) لمحمد بن أحمد البكري الصديقي .
  5. ​4  ) كتاب ( القهوة : تاريخ عالمي ) للمؤرخ والباحث جوناثان موريس ( ترجمة : تحسين الخطيب ) .
  6. ​5  ) أبحاث ومصادر طبية وصيدلانية حول الخصائص النباتية والمكونات الفعالة للأعشاب والنباتات الطبية .
  7. ​6  ) النشرات والدراسات الزراعية الصادرة عن المراكز المتخصصة في أبحاث شجرة البن وظروف زراعتها .