يبين المقال اصول تسمية الاردن وعراقتها التاريخية عبر العصور المختلفة وصولا الى الدولة الحديثة .

أصالة التسمية وعراقة التاريخ : مسيرة الأردن عبر العصور

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​في رحلة ممتعة عبر التاريخ والجغرافيا ، نقف معاً لنبحر في أصول التسمية العريقة والتسلسل الحضاري لبلاد الأردن ، متتبعين جذور هذا الاسم الشريف في لغة العرب وفي ثنايا الأحاديث النبوية الشريفة وعبر المحطات التاريخية الموثقة منذ فجر التاريخ وحتى العصر الحديث ، لنكتشف كيف ظل اسم « الأردن » يصدح في وجدان الشعراء والمؤرخين والرحالة .

​جذور الأرض والحضارة : الأردن عبر العصور التاريخية :

​يمتد تاريخ الأردن عبر آلاف السنين ، حيث كانت أرضه ملتقى للحضارات الإنسانية ونقطة وصل تجارية والثقافية وثيقة بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا ، متجاوزاً الحدود التقليدية ليشهد تعاقباً حضارياً فريداً :

​العصور القديمة وما قبل التاريخ : استوطن الإنسان الأردن منذ أكثر من 1.5 مليون سنة في العصور الحجرية المتتالية ( القديم ، الأوسط ، الحديث ، والنحاسي ) ، حيث عُثر في مناطق مثل العلا ووادي الموجب على أدوات حجرية موغلة في القدم ، وفي العصر الحجري الحديث ( حوالي 8000 ق . م ) ظهرت تجمعات زراعية وقرى مستقرة ومتقدمة مثل قرية « عين غزال » قرب عمّان والتي تُعدّ من أهم القرى الزراعية القديمة في العالم وتضم أقدم التماثيل البشرية ، وتطور الأمر في العصر البرونزي ( 3200 - 1200 ق . م ) حيث نشأت المدن المحاطة بالأسوار وتطورت أنظمة الري الزراعية .

​العصر الحديدي وممالك الأردن القديمة ( 1200 - 332 ق . م ) : قامت على أرض الأردن في الألف الأول قبل الميلاد ممالك محلية قوية تركت بصمات خالدة في الذاكرة الإنسانية :

​المملكة العمونية : نشأت في شمال وسط الأردن الحالي خلال العصر الحديدي ، ويُعتقد أن أصل العمونيين يعود إلى جماعات سامية بدوية استقرت تدريجياً في المنطقة وكونت كياناً سياسياً منظماً يُعرف بـ « بني عمون » امتدت بين سيل الزرقاء ووادي الموجب ، واتخذت من « ربّة عمون » ( عمّان حالياً ) عاصمة لها على أرض غنية بالموارد وموقع استراتيجي عند تقاطع طرق التجارة القديمة .

​المملكة المؤابية : امتدت بين سيل الحسا ووادي الموجب ، وعاصمتها « ذيبان » ، ويُعدّ « حجر ميشع » من أبرز شواهد قوتها وعزتها وتاريخها المجيد ، وما زالت بقايا حضارتها حاضرة في مدن مثل الكرك ومأعين .

​المملكة الأدومية : نشأت جنوب الأردن في المنطقة الممتدة من جنوب البحر الميت إلى وادي عربة خلال العصر الحديدي الأول ، ويعود أصل الأدوميين إلى جماعات سامية استوطنت المنطقة الجبلية الصحراوية ، واتخذت من « بصيرا » عاصمة حصينة لها .

​دولة الأنباط والحضارات الكلاسيكية : أقام الأنباط ( وهم عرب أقحاح ) حضارة رائدة بفضل مهاراتهم الفائقة في التجارة وإدارة الموارد المائية ومد شبكات الطرق التجارية التي تربط الجزيرة العربية بالبحر الأبيض المتوسط ، واتخذت من « البترا » ( المدينة الوردية ) عاصمة لهم ، وظلّت مملكتهم مزدهرة حتى ضمها الرومان عام 106 م ، وتوالت بعد ذلك الاحتلالات الفارسية واليونانية ، تلاها العصر الروماني والبيزنطي الذي شهد تقدمًا كبيراً في العمران والهندسة وازدهار الشوارع المبلطة والمسارح ضمن حلف « المدن العشر » ( الديكابولس ) كجرش وعمّان ، ومع انتشار المسيحية في القرن الرابع الميلادي ، أصبح الأردن مركزاً هاماً للكنائس والأديرة ، مثل كنيسة « الخريطة الفسيفسائية » في مادبا التي تُعدّ من أقدم الخرائط جغرافياً للأراضي المقدسة .

​العصر الإسلامي والعصور الوسطى : دخل الإسلام إلى الأردن في القرن السابع الميلادي بعد معركة اليرموك ( 636 م / 15 هـ ) ومعركة مؤتة ( 8 هـ ) ، لتصبح الأراضي الأردنية جزءاً راسخاً من الخلافة الراشدة ثم الدولة الإسلامية ، واتخذ الأمويون من الأردن مقراً لقربه من الشام ، فبنوا فيه القصور الصحراوية العامرة ( مثل قصر عمرة وقصر الحرانة ) والفنون المعمارية الإسلامية المبكرة ، ثم استمر الأردن تحت الحكم العباسي ، وشهد صراعاً كبيراً خلال الحروب الصليبية في القرن الثاني عشر حيث أقام الصليبيون عدة قلاع مثل قلعة الكرك وقلعة الشوبك للسيطرة على طرق التجارة والحج ، قبل أن يتمكن المسلمون بقيادة صلاح الدين الأيوبي من استعادة السيطرة عليها ، وتلاهم المماليك .

​العهد العثماني والعصر الحديث : خضع الأردن للحكم العثماني طويلاً بعد انتهاء دولة المماليك عام 1516 م ، وتراجعت خلاله الأهمية الاقتصادية بسبب تغير طرق التجارة العالمية ، لكنها ظلت ممراً هاماً لحجاج بيت الله الحرام ، ومع بداية القرن العشرين ، قاد الشريف حسين بن علي الثورة العربية الكبرى عام 1916 م ضد الحكم العثماني ، ودخلت قوات الثورة أراضي شرق الأردن بدعم من القبائل المحلية لتتجه المنطقة نحو التأسيس السياسي الجديد .

​عهد إمارة شرق الأردن ( 1921 - 1946 م ) : وصل الأمير عبد الله الأول بن الحسين إلى معان ثم إلى عمّان في عام 1921 م ، وتم الإعلان رسمياً عن تأسيس إمارة شرق الأردن في 11 نيسان 1921 م ، وشهدت هذه المرحلة بناء المؤسسات الأولى ، فتُشكلت أول حكومة مركزية ( مجلس المشاورين ) عام 1921 م ، وتأسست القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي عام 1923 م ، وأُصدر أول قانون أساسي ( دستور ) لإمارة شرق الأردن عام 1928 م ، واستمرت الجهود السياسية طوال عقدين للمطالبة بالاستقلال والتخلص من الانتداب البريطاني .

​الاستقلال وتأسيس المملكة الأردنية الهاشمية : في 25 آيار 1946 م ، أعلن البرلمان الأردني ( المجلس التشريعي ) الاستقلال التام للبلاد ، ومبايعة الأمير عبد الله الأول ملكاً عليها ، لتصبح « المملكة الأردنية الهاشمية » ، وتوالت المسيرة في عهد الملك طلال بن عبد الله ( 1951 - 1952 م ) الذي صدر في عهده دستور عام 1952 م المتميز بالحريات وفصل السلطات ، ثم عهد باني الأردن الحديث الملك الحسين بن طلال ( 1953 - 1999 م ) الذي شهد تعريب قيادة الجيش العربي عام 1956 م ومعركة الكرامة الخالدة عام 1968 م وتوقيع معاهدة السلام عام 1994 م ، وتتواصل المسيرة المعاصرة في عهد جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم منذ عام 1999 م مسطرة أسمى معاني التحديث والإصلاح ومئوية الدولة الأردنية .

​درة العواصم وشواهد التاريخ في محافظة العاصمة :

​تزخر محافظة العاصمة عمّان ومحيطها بالعديد من المواقع الأثرية والتاريخية الخالدة التي تعكس تعاقب الحضارات وعمقها الإنساني والحضاري على أرض الأردن ، ومن أبرزها:

​جبل القلعة : المعلم التاريخي الأبرز في قلب العاصمة ، والذي يضم آثاراً عمونية ويونانية ورومانية وبيزنطية وإسلامية متمثلة بالقصر الأموي ومعبد هرقل ومتحف الآثار الأردني .

​المدرج الروماني والأوديون : تحفتان معماريتا العصر الروماني اللتان تشهدان على عظمة الهندسة القديمة والفنون المسرحية في مدينة فيلادلفيا التاريخية .

​سبيل الحوريات : المعلم المائي الروماني الفخم الواقع وسط البلد في شارع قريش ، والذي يعكس روعة التخطيط العمراني القديم .

​قصر عراق الأمير (قصر العبد) : التحفة الهيلنستية الفريدة التي تعود للقرن الثاني قبل الميلاد في منطقة وادي السير ، وتتميز بمنحوتاتها الحيوانية الضخمة .

​القصور الصحراوية الأموية : مثل قصر الحرانة بثنائيته المعمارية الفريدة ، وقصر المشتى بوجنته المزخرفة الرائعة ، وقصر الموقر والبركة ، وقصر القسطل بسده التاريخي العميق ، والتي تشهد على ريادة العمارة الإسلامية المبكرة في البادية الأردنية .

​جغرافيا الوطن وخصائصه الطبيعية :

​يتميز الأردن بموقع فريد وخصائص جغرافية ومناخية متنوعة ، إذ يمتد بمساحته ملتقى للقارات ، وتتنوع درجات الحرارة والبيئات فيه بين مناخ البحر الأبيض المتوسط في المرتفعات الجبلية ، والمناخ الصحراوي الجاف في البادية الشرقية التي تشكل نحو 75% من مساحة البلاد ، وتنقسم الجغرافيا الأردنية إلى مناطق رئيسية ثلاث متباينة وغنية بتنوعها :

​الأغوار الأردنية : وتمتد على طول الحدود الغربية لتشمل وادي نهر الأردن شمالاً ، والبحر الميت ( أخفض نقطة على سطح الأرض ) وسطاً ، ووادي عربة وخليج العقبة جنوباً كمنفذ بحري وحيد .

​المرتفعات الجبلية : تمتد من أم قيس شمالاً حتى رأس النقب جنوباً ، وتفصل بين الأغوار والبادية ، وتتميّز بهطول مطري جيد جعلها مركزاً تاريخياً للسكن والاستقرار البشري .

​البادية الشرقية : الامتداد الصحراوي الواسع الذي طالما شكّل ملاذاً تاريخياً للقبائل والنقوش التاريخية والعمق الحضاري .

​معنى اسم الأردن وتسميته التاريخية :

​لقد فاضلَ الله تعالى بين الأماكن والبلدان ، وحظي الأردن بأنه بلد مبارك ، لأنه من أكنافِ بيت المقدس ، وفي بيت المقدس وفيما حوله قال الله تعالى : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، وفي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام قال الله تعالى : { وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إلى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ } ، والأرض هنا أبواب بيت المقدس وما حولها .

​الأُرْدُنّ : بالضم ثم السكون وضم الدال المهملة وتشديد النون ، هذا ما أجمع اللغويون والمؤرخون والجغرافيون ، واسم الأردن بذاته شريف ، فأهل اللغة يقولون : سمّي الأردن بذلك لطيب هوائه ، وشدة وغلبة أهله ، فقد ذكر الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات الأردن ، وقال : ( قال أهل العلم : إنما سُمي بذلك في قولهم للنعاس الثقيل : أردن ، فسُمي بذلك ، لثقل هوائه ) . ( الأماكن الدينية الإسلامية في المملكة الأردنية الهاشمية ، د . نوح مصطفى الفقير )

​تشريف الأردن في الأحاديث النبوية الشريفة :

​وردت العديد من الأحاديث النبوية الشريفة المروية عن فضائل الشام ، وكان يشمل الأردن كجزء أساسي من بلاد الشام ، لكن القليل منها تحدث تحديداً عن الأردن وأهلها :

​جنان الأردن :

​« وَكَانَتْ لَكُمْ جِنَان خَيْر مِنْ جِنَان الْأُرْدُنّ »

​يذكر ابن كثير في تفسيره للآية الثامنة من سورة يس : { وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَداًّ وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَداًّ فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } ، قال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن كعب قال ، قال أبو جهل وهم جلوس : إن محمداً يزعم أنكم إن تبعتموه كنتم ملوكاً فإذا متم بعثتم بعد موتكم ، وكانت لكم جنان خير من جنان الأردن ، وإنكم إن خالفتموه كان لكم منه ذبح ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم ناراً تعذبون بها ، وخرج عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند ذلك وفي يده حفنة من تراب ، وقد اخذ اللّه تعالى على أعينهم دونه ، فجعل يذرها على رؤوسهم ويقرا : { يس * والقران الحكيم - حتى انتهى إلى قوله تعالى - وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فاغشيناهم فهم لا يبصرون } ، أخرجه ابن جرير .

​من هذا النص نتعرف إلى أن اسم الأردن كان معروفا عند عرب الجاهلية ، ليطابق أبو جهل صفاتها بما ورده من وصف الجنة في الإسلام ، وهذه إشارة إلى طبيعة الأردن في ذاك الوقت ، دللت عليها الرسومات الأموية في قصير عمرة .

​عبد الله الأردني :

​عبد الله هذا من ثقات الصحابة عند ابن حبان ، اسمه عبد الله بن حوالة الحوالي الازدي الأردني وكنيته أبو محمد ، توفي في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين للهجرة ، عن اثنتين وسبعين سنة ، نسب إلى الأردن لكونه سكنها على إثر أحاديث نبوية سمعها ، وروى له عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثين تختصان بالأردن :

​الحديث الأول : عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول وربيعة ابن يزيد عن عبد الله بن حوالة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ستجندون أجناداً مجندة جنداً بالشام وجنداً بالعراق وجنداً باليمن ) ، قال عبد الله : فقلت : اختر لي يا رسول الله ، قال : ( عليك بالشام فمن أبى فليلحق بيمنه وليسق من غدره فأن الله عز وجل قد تكفل لي بالشام وأهله ) ، قال سعيد : قال ربيعة : فكان عبد الله بن حوالة ممن ينزل الأردن .

​الحديث الثاني : عن عبدالله بن حوالة رضي الله عنه قال : وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدي على رأسي - أو هامتي - فقال : ( يا ابن حوالة ! إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة ، فقد دنت الزلازل والبلايا والأمور العظام ، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك ) رواه أحمد .

​من خلال الحديثين الشريفين يعي ابن حوالة « عبد الله الأردني » أن الأردن هي من الأرض المقدسة ، ومن أهم أركان الشام في الأحاديث التي تذكر فضائلها ، ولهذا نجده قد سارع إلى سكنى الأردن والانتساب لها بناء على استشارة الحبيب المصطفى وتخيره له .

​منازل أهل الأردن :

​في الترتيب والتعقيب لأحداث النهاية يظهر الدجال ، ليطوف الأرض جميعا فيما يحرم عليه دخول مكة والمدينة والقدس الشريف ، وعند حصاره للمدينة المنورة « طيبة » كما أسماها سيدنا محمد صلوات الله عليه ، تخرج المدينة خبثها ، وتأوي المؤمنين ، ولأهل الأردن شرف في هذا المقام لا يدانيه شرف ، فلقد ورد في كتاب ( خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى ) للسمهودي من أخبار المدينة في وقت النهاية حديث ( للمرجاني عن جابر رضي الله عنه مرفوعا : ليعودن هذا الأمر إلى المدينة كما بدا منها حتى لا يكون إيمانا إلا بها ) ، ولابن زبالة : ( كيف بك يا عائشة إذا رجع الناس بالمدينة وكانت كالرمانة المحشوة ؟ قالت : فمن أين يأكلون يا نبي الله ؟ قال : يطعمهم الله فوقهم ومن تحت أرجلهم ومن جنات عدن ) ، وفي رواية له : ( وليوشكن أن يبلغ بنيانهم هيفا وله عقب ذكر شجرة ذي الحليفة مرفوعا : لا تقوم الساعة حتى يبلغ البناء الشجرة ... ) والروحاء والسيالة مواضع على بعد 75 كم من المدينة مرت به الأنبياء في حجيجها البيت العتيق ومر بها الرسول الكريم في غزوة بدر ، فما سبب تشريف أهل الأردن ؟ . ( محمد ملكاوي )

​اسم الأردن منذ عهد الخلفاء الراشدين :

​جند الأردن :

​عندما قرَّر الخليفة الراشدي الأول الصحابي الجليل أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه إنفاذ أربعة جيوش إلى بلاد الشام ، أطلق على كل جيش اسم « جُـنـْـد » وهو اسم يتلاءم مع مهمتها العسكرية ، وبعد أن تحقق النصر لتلك الجيوش على الجيوش البيزنطية برعاية الله عزَّ وجلَّ وتأييده ، قسَّـم الخليفة الأول بلاد الشام إلى مناطق إدارية أبقى عليها اسم الأجناد وهي : جند الأردن ، جند فلسطين ، جند دمشق .

​كانت منطقة جند الأردن تتوسط بين حدود منطقة جند الشام من الشمال وحدود منطقة جند فلسطين من الجنوب ، وكانت مدينة طبريا عاصمة جند الأردن ، وكانت المناطق التي تشملها تقسيمات جند الأردن وجند فلسطين متداخلة بين فلسطين وشرقي الأردن ، وكانت مدن إربد « أرابيلا » وطبقة فحل « بيلا » ، وجرش « جراسا » ، وبيت راس « كابيتوليس » وآبل الزيت / قويلبه « حرثا » ، وأم قيس « جدارا » تتبع لجند الأردن ، بينما كانت مدن الكرك والسلط ومادبا وعمَّان ومعان والطفيلة تتبع لجند فلسطين ، وبعد اكتمال تحرير كل بلاد الشام ، أعاد الخليفة الراشدي الثاني الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه تسمية أجناد بلاد الشام لتصبح أربعة أجناد ثم خمسة أجناد في العهد الأموي . ( محطّات أردنية )

​مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة :

​أول ذكر للأردن كمنطقة جغرافية في المراجع التاريخية كان في عدد من مراسلات بين قادة الجيوش الإسلامية عمرو بن العاص ، وأبو عبيدة بن الجراح ، والخليفة عمر بن الخطاب خلال الفتح الإسلامي لبلاد الشام ( 12 هـ - 19 هـ / 633 م - 640 م ) ، ولا نعلم على وجه الدقة متى بدأ استخدام « الأردن » على هذه المساحة الجغرافية قبل ذلك ، إلا أنه من الثابت أن اسم « الأردن » كان متعارف عليه ومستخدماً منذ بداية الفتح الإسلامي للشام أي قبل حوالي 1400 عام . ( محمد حميد الله الحيدرآبادي )

​اسم وذكر الأردن في « معجم البلدان » لياقوت الحموي :

​أما ياقوت الحموي فيذكر الأردن ، ويذكر بعضاً من المعاني اللغوية لهذا الاسم الأنيق ، ويناقش تلك المعاني ويحلّلها ، ويرجّح فيقول : ( والظاهر أن الأردن الشدة والغلبة ، ومنه سمي الأردن بهذا الاسم ) ، والذي يعيش في الأعالي لا شك يطيبُ هواؤه ، وينمو فكرُه ، ويغدو أرحبَ وأشملَ .

​ياقوت الحموي ( 574 - 626 هـ ) ، وهو شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الأديب والرحالة والجغرافي والشاعر واللغوي ومؤلف الموسوعات ، يقول في معجمه عن لفظ الأردن : ( الأُرْدُنّ : بالضم ثم السكون وضم الدال المهملة وتشديد النون ... وأهل السير يقولون إن الأردن فلسطين بناء سام بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام ، وهي أحد أجناد الشام الخمسة ، وهي كورة واسعة الغور وطبرية وصور وعكا وما بين ذلك ... ) ، ويستشهد بأقوال الشعراء واللغويين وكتب الفتوح في إثبات عراقة هذا الاسم ومكانته التاريخية .

​اسم الأردن في الشعر العربي القديم :

​لقد تخلد اسم الأردن في عيون القصائد وكتب الأدب والشعر العربي القديم على لسان كبار الشعراء :

​أبو دَهْلَب التميمي :

​فصّل ياقوت الحمويّ صاحب مُعجم البلدان القول في الأُرْدن مستشهداً بقول أبي دَهْلَب :

حَنَّت قُلوصي أَمسِ بِالأُردُنِّ ... حِنّي فَما ظُلِمتِ أَن تَحِنّي

تَرُدُّ أَعلى صَوتِها المُرِنِّ ... في قَصَبٍ أَجوَفَ مُستَحِنِّ

​عدي بن الرقاع العاملي :

​( المتوفي عام 95 هـ ، 714 م ) شاعر كبير ، من أهل دمشق ، وكان معاصراً لجرير ومقدماً عند بني أمية ، وقد ذكر ياقوت الحموي ما قاله الشاعر عدي بن الرقاع حول دور الأردنيين في حفظ الدولة الأموية عندما اضطربت أركانها فدعم أهل الأردن مروان بن الحكم في قتاله مع الضحاك بن قيس الفهري ، ويقول الشاعر في تلك الحادثة :

عِندَ الشَديدَةِ حَيٌّ يَستَفيدُ لَهُم ... مَن يَشرَبُ الماءَ من راضٍ وَغَضبانا

لَولا الإِلَهُ وَأَهلُ الأُردِنِّ اِقتَسَمَت ... نارُ الجَماعَةِ يَومَ المَرجِ نيرانا

​كثير عزّة :

​اسمه كثير بن عبد الرحمن بن الأسود ( 40 - 105 هـ ، 660 - 723 م ) شاعر مشهور من أهل المدينة المنورة وشعراء الدولة الأموية ، قال كثير عند مروره بالأردن منشداً :

إذا قيل خيلَ الله ! يوماً ألا اركبي ... رَضِيتَ بِكفّ الأردُنيّ انسِحَالَها

إذا عرضتْ شهباءُ خطّارة ُ القنا ... تُرِيكَ السُّيُوفَ هزَّها واستلالها

​إبراهيم اليزيدي :

​إبراهيم بن يحيى بن المبارك ، أبو اسحاق اليزيدي العدوي ( المتوفي عام 225 هـ ، 840 م ) أديب شاعر ، من ندماء المأمون العباسي ، ذكر ياقوت الحموي أن اليزيدي قال : خرجنا مع المأمون في خرجته إلى بلاد الروم فرأيت جارية عربية في هودج ، فأنشدت :

ماذا بقلبي من أليم الخفق ... إذا رأيت لمعان البرق

من قبل الأردن أو دمشق ... لأن من أهوى بذاك الأفق

​المُتَنَبّي :

​( 303 - 354 هـ ، 915 - 965 م ) الشاعر الحكيم ، وأحد مفاخر الأدب العربي ، ذكر ياقوت الحموي أنه قال ممدحاً بدر بن عمار الأسدي في طبرية وكان قد ولى ثغور الأردن والساحل :

أَمُعَفِّرَ اللَيثِ الهِزَبرِ بِسَوطِهِ ... لِمَنِ اِدَّخَرتَ الصارِمَ المَصقولا

وَقَعَت عَلى الأُردُنِّ مِنهُ بَلِيَّةٌ ... نُضِدَت بِها هامُ الرِفاقِ تُلولا

​خاتمة الاصطلاحات والتحولات التاريخية :

​ذكر الأردن في عدة اصطلاحات تاريخية ، فالاسم الأغريقي للأردن هو « يوردانيم » ومعناها المنحدر أو السحيق ، وعند الفتح الإسلامي سميت « جند الأردن » ، ثم استخدمت اصطلاحات في عدد من كتب الرحالة الأجانب : عبر الأردن أو ما وراء الأردن أو شرق الأردن .

​كما سميت ممالك العهد القديم بالأردن بالاسم الخاص للمناطق الجغرافية وهي مكونات البلاد التي قامت بها هذه الممالك ، وسُمِّيت كل مملكة باسم تلك المنطقة مثل الأدوميون والمؤابيون والعمونيون والباشانيون ومملكة الأنباط نسبة إلى اسمهم وليس إلى اسم المكان ، كما سميت باسم الشرق العربي في فترة الحكومات المحلية ، واسم « إمارة الشرق العربي » بالإدارة التي أقامها الانتداب البريطاني ( 1921 - 1923 م ) ، ثم « إمارة شرق الأردن » حتى 25 آيار 1946 م ، لتصبح باسم : المملكة الأردنية الهاشمية .

​فلا هو شرق أو عبر أو ما وراء الأردن ، هو الأُرْدُنّ بكل عراقة الاسم وشرفه وعمقه التاريخي .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) تاريخ الأردن القديم ، موسوعة ويكيبيديا .
  3. 2 ) الأماكن الدينية الإسلامية في المملكة الأردنية الهاشمية ، د . نوح مصطفى الفقير .
  4. 3 ) خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى ، السمهودي .
  5. 4 ) معجم البلدان ، ياقوت الحموي .
  6. 5 ) مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة ، محمد حميد الله الحيدرآبادي .
  7. 6 ) وزارة السياحة والآثار الأردنية .
  8. 7 ) مؤسسة عبد الحميد شومان ، المكتبة العامة ، مقالات ومدونات تاريخية توثيقية حول نشأة وممالك الأردن في العصور الحديدية والقديمة .
  9. 8 ) وزارة الداخلية الأردنية ، مديرية الشؤون الإدارية ، دليل المواقع الأثرية والتاريخية في محافظة العاصمة عمّان ومحيطها .
  10. 9 ) مدونة الأستاذ قيصر صالح الغرايبه ، مقالات وأبحاث في التوثيق التاريخي والتراث الوطني الأردني .