يسلط المقال الضوء على تاريخ سور إربد الأثري وعراقته ، مستعرضاً أبرز التحديات التي واجهته وذكريات شخصية مرتبطة بمكانته التاريخية والحضارية .

سور إربد القديم : شاهدٌ على عراقة الحصون في قلب المدينة

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​يُعدّ سور مدينة إربد القديم واحداً من أبرز الشواهد الأثرية والدفاعية العريقة في شمال الأردن ، ومعلماً بارزاً من معالم إربد القديمة التي تعبر عن تاريخ المدينة العريق وعمقها الحضاري . تشير اللوحات الإرشادية لبلدية إربد ودائرة الآثار العامة إلى أن جذور هذا السور تعود إلى العصر البرونزي المبكر نحو عام 2500 م ؛ حيث كانت المدينة قديماً محاطة بسور ضخم وبديع بُني من الحجارة البازلتية السوداء ليحيط بـ ( تل إربد ) التاريخي الذي يرتفع نحو ستين متراً ، ويُعدّ من أكبر التلال الأثرية وأقدمها في بلاد الشام ، بهدف حماية السكان ، والمراكز الإدارية ، ومستودعات الحبوب ، وتأمين القوافل التجارية من اعتداءات الأعداء وأخطار الطبيعة .

​الموقع الجغرافي والخصائص المعمارية

​يقع الموقع التاريخي للسور في الجهة الشمالية من ساحة فوعرا ، وتحديداً عند بداية شارع ( الخلود ) المؤدي إلى مقبرة مخيم إربد ومجمع بني كنانة ( بيت راس ) . وقد بُني السور بمهارة هندسية وتقنيات متقدمة باستخدام الحجارة البازلتية السوداء الضخمة والمنتشرة في منطقة حوران وشمال الأردن ؛ وهي مادة إنشائية عُرفت بصلابتها وقدرتها الاستثنائية على مقاومة عوامل التعرية والتقلبات المناخية ، مما ضمن ثبات المنشآت على منحدرات التل وأضفى الهوية البصرية المميزة للمدينة القديمة .

​تضمنت التحصينات المعمارية استخدام الحجارة المشذبة بعناية في الأجزاء العلوية ، إضافة إلى أبراج مراقبة كانت تنتشر على امتداد السور لتوفير رؤية واسعة للسهول المحيطة ورصد الأخطار . وخلال العصر الروماني ( حين عُرفت المدينة باسم أربيلا ) ، شهد السور توسعات وتحسينات هندسية جعلته جزءاً من منظومة دفاعية متكاملة تخدم شبكة الطرق الرومانية الممتدة بين شمال الأردن وجنوب سورية وفلسطين . وفي العصور الإسلامية والعثمانية اللاحقة ، ظل الموقع يمثل مركزاً عمرانياً مهماً ضمن سلسلة معالم تراثية بارزة تشمل المسجد المملوكي وبيت النابلسي وسرايا إربد ، واندمج تدريجياً مع النسيج الحضري الحديث .

​التحديات والواقع الحالي للمَعلم

​رغم القيمة التاريخية الكبيرة التي يمثّلها السور ، إلا أنه تعرض لعوامل تدهور متعددة عبر الزمن ؛ فإلى جانب الزلازل والعوامل الطبيعية التي أحدثت أضراراً جزئية ، أقدمت بلدية إربد في عام 1937 م على إزالة أجزاء أخرى متبقية لغايات توسعة الشارع والمباني المجاورة ، فضلاً عن قيام الأهالي قديماً باستخدام بعض حجارته في بناء مساكنهم ، ويعاني الموقع اليوم من غياب برامج الصيانة الدورية والحاجة الملحة للترويج السياحي والتوعوي .

​ذكريات شخصية ووجدانية مع المَعلم

​يحمل هذا المكان في وجداني ذكريات غالية تعود إلى أوائل الثمانينيات ؛ إذ أستحضرُ أيام دراستي في مدرسة إربد الثانوية التي كانت تبعد أمتاراً قليلة عن السور من الجهة الغربية ، حيث كنا نقضي أوقات استراحاتنا الطويلة في المسير إلى جانبه ، متأملين عراقة هذا الحصن الشاهق الذي يروي حكاية الأجيال .

​وفي خطوة لحماية ما تبقى من هذا الإرث ، اقتصر الباقي من السور اليوم على أمتار معدودة قامت بلدية إربد الكبرى بتسويرها بسياج حديدي حفاظاً على أجزائه المتبقية من الإزالة . وتتطلب حماية هذا الإرث اليوم تضافر الجهود الرسمية والمجتمعية  - بالتنسيق مع دائرة الآثار العامة ، ولا سيما بعد التحركات الأخيرة كإزالة الاعتداءات على الدرج التاريخي الذي يربط السور بالمدرسة الثانوية  - لدمج السور ضمن المسارات السياحية والثقافية التي تشمل تل إربد الأثري ومتحف السرايا ووسط المدينة القديم ، ليبقى معلماً حياً يروي للأجيال قصة عراقة إربد .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع
  2. ​1  ) موقع وطنا نيوز ( تقرير : سور إربد القديم… في المدينة الأثرية والذي يعبر عن تاريخ إربد العريق ) .
  3. 2  ) صحيفة الغد الأردنية ( تقرير : سور إربد القديم .. شاهد على آلاف السنين ينتظر تعزيز حضوره السياحي ، آب 2026 م ) .
  4. 3  ) جريدة الدستور الأردنية ( تغطيات وتقارير تراثية حول سور مدينة إربد القديم ، آذار 2026 م ) .
  5. 4  ) تقارير المسوحات والتنقيبات الأثرية لدائرة الآثار العامة الأردنية واللوحات الإرشادية لبلدية إربد الكبرى .
  6. 5  ) الذكريات الميدانية والانطباعات الشخصية لكاتب المقال من خلال التجوال في تلك المنطقة و المسير بالقرب من تلك المنطقة .