تُعدّ ذكرى حرق المسجد الأقصى المبارك جرحاً غائراً في وجدان الأمة الإسلامية ، وتذكيراً متجدداً بضرورة حماية المقدسات وصون الهوية التاريخية للقدس من أطماع الاحتلال والاعتداءات المستمرة .

ذكرى حرق المسجد الأقصى : جرحٌ لا يندمل وشعلةٌ للحق لا تنطفئ

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​لكي لا ننسى وتنسى الأجيال ، يوافق اليوم 21 / 8 / 2026 م الذكرى السابعة والستين لحريق المسجد الأقصى المبارك ، ففي مثل هذا اليوم من عام 1969 م ، شهد المسجد هجماً إسرائيلياً سافراً أسفر عن إحراق الجناح الشرقي منه بالكامل ، وإحراق السقف الجنوبي ومنبر السلطان نور الدين ومحراب صلاح الدين ، بهدف طمس المعالم العربية والإسلامية في مدينة القدس العربية المحتلة .

​تفاصيل الجريمة والخسائر الميدانية :

​في 21 / 8 / 1969 م ، أقدم الأسترالي دينيس مايكل روهان على إشعال النار في المسجد الأقصى المبارك في جريمة تعتبر من أكثر الجرائم إيلاماً بحق الأمة وبحق مقدساتها ، قام المجرم بإشعال النيران في المسجد الأقصى ، فأتت ألسنة اللهب المتصاعدة على أثاث المسجد المبارك وجدرانه ومنبر صلاح الدين الأيوبي ؛ ذلك المنبر التاريخي الذي أعده القائد صلاح الدين لإلقاء خطبه من فوقه بعد انتصاره وتحريره لبيت المقدس .

​من ضمن المعالم التي أتت عليها النيران أيضاً : مسجد عمر الذي كان سقفه من الطين والجسور الخشبية ويمثل ذكرى دخول عمر بن الخطاب رضي الله عنه مدينة القدس وفتحها ، إضافة إلى تخريب محراب زكريا المجاور لمسجد عمر ، ومقام الأربعين المجاور لمحراب زكريا ، وثلاثة أروقة من أصل سبعة ممتدة من الجنوب إلى الشمال مع الأعمدة والأقواس والزخرفة ، وجزء من السقف الذي سقط على الأرض خلال الحريق ، وعمودين مع القوس الحجري الكبير بينهما تحت قبة المسجد .

​بلغت المساحة المحترقة من المسجد الأقصى أكثر من ثلث مساحته الإجمالية ، حيث احترق ما يزيد عن 1500 متر مربع من المساحة الأصلية البالغة 4400 متر مربع ، وأحدثت النيران ضرراً كبيراً في بناء المسجد الأقصى المبارك وأعمدته وأقواسه وزخرفته القديمة ، سقط سقف المسجد على الأرض نتيجة الاحتراق ، وسقط عمودان رئيسان مع القوس الحامل للقبة ، كما تضررت أجزاء من القبة الداخلية المزخرفة والجدران الجنوبية ، وتحطمت 48 نافذة في المسجد مصنوعة من الجبص والزجاج الملون ، واحترقت الكثير من الزخارف والآيات القرآنية .

​وقد استطاع الفلسطينيون آنذاك إنقاذ ما تبقى في المسجد الأقصى قبل أن تجهز عليه النيران ، بعد أن هُرعت مركبات الإطفاء من الخليل ، وبيت لحم ، ومناطق مختلفة من الضفة الغربية والبلديات العربية لإنقاذ المسجد الأقصى ، رغم محاولات سلطات الاحتلال الإسرائيلي منعها من ذلك ، وقطعها المياه عن المنطقة المحيطة بالمسجد في يوم الحريق نفسه ، كما تعمدت مركبات الإطفاء التابعة لبلدية الاحتلال بالقدس التأخر حتى لا تشارك في إطفاء الحريق .

​الخلفيات والأبعاد التاريخية للاعتداء :

​لم يكن حرق منبر صلاح الدين الأيوبي التاريخي وأجزاء واسعة من السقف والزخارف مجرد حادث عرضي ، بل جاء في إطار سلسلة من الإجراءات التي قام بها الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1948 م وما زال ، بهدف طمس الهوية الحضارية الإسلامية لمدينة القدس . ولم يكن المنفذ دينيس مايكل روهان يهودياً كما يظن الكثيرون ، بل كان مسيحياً صهيونياً متطرفاً يتبع لطائفة صغيرة مرتبطة بـ "كنيسة الرب" الأمريكية في ولاية كاليفورنيا التي أسسها القس هيربرت آرمسترونغ . وقد تأثر روهان بمقالات آرمسترونغ التي روجت لأن بناء الهيكل اليهودي مكان الأقصى سيعجل من ظهور المسيح ، وتوجه إلى القدس عام 1969 م خصيصاً لتحقيق هذه النبوءة المزعومة ، مكرراً محاولته بعد أن باءت محاولته الأولى بالفشل قبل عشرة أيام من الحادثة .

​وعلى الرغم من أن الدلائل وآثار الحريق كانت تشير إلى تورط أطراف متعددة وتعاون مؤسسات مرتبطة بتلك الكنيسة في عمليات الحفر حول المسجد الأقصى ، إلا إن سلطات الاحتلال الإسرائيلي سعت إلى النأي بنفسها عن الحادثة ، وعرقلت قوات الاحتلال وصول سيارات الإطفاء إلى ساحة المسجد لأطول فترة ممكنة لضمان اتساع رقعة الحريق . كما ادعت المحاكم الإسرائيلية أن روهان مريض نفسي يعاني من الفصام وانفصام حاد في الشخصية وأصدرت حكماً بتبرير أفعاله بحجة عدم إدراكه ، وأطلقت سراحه لاحقاً دون عقوبة حقيقية .

​يرتبط هذا التوقيت بدوافع تاريخية مزعومة ، إذ يقول اليهود إن القائد الروماني تيطس قد دمر الهيكل الثاني الذي يزعمون أنه كان مقاماً مكان المسجد الأقصى في 21 / 8 / 70 م ، وهو تاريخ يمثل ذكرى حزينة لديهم ، ولذلك يتخذون منه ذريعة لارتكاب اعتداءات ضد المسلمين والمسجد الأقصى للإسراع في بناء الهيكل الثالث المزعوم ، ولهذا يلاحظ أن الاعتداءات اليهودية عادة ما تزداد في شهر آب من كل عام منذ احتلال اليهود لأرض فلسطين .

​استمرارية الجرائم والانتهاكات :

​لم تكن جريمة إحراق المسجد الأقصى في آب 1969 م إلا حدثاً متصلاً بسلسلة من الجرائم ومجازر وسياسات التهويد الاحتلالية ؛ فقد شهد بعد ذلك مذبحة الأقصى الأولى في 8 / 10 / 1990 م ، وهبة النفق في 25 / 9 / 1996 م ، واقتحام آرائيل شارون في 28 / 9 / 2000 م الذي أشعل الانتفاضة الثانية . ومنذ عام 2003 م ، يقتحم المستوطنو المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال الإسرائيلي ، وصولاً إلى التصعيد الخطير في محاولات فرض الطقوس التلمودية وإدخال أدوات التدنيس المختلفة . وما حرق المسجد الأقصى إلا حلقة في سلسلة طويلة من الجرائم التي لا تعد ولا تحصى ، وعدواناً صارخاً لا يستهدف الفلسطينيين وحدهم بل يطال الإسلام والمسلمين كافة .

​الأقصى : رمز الهوية والرباط :

​إن إحياء هذه الذكرى ليس مجرد استحضار للماضي ، بل هو تأكيد متجدد على مكانة الأقصى كمركز للروح والهوية ، فالمسجد الأقصى المبارك ، بمساحته التي تشمل كل ما دار عليه السور ، يمثل رمزاً للثبات والرباط الذي يجسده أهلنا في القدس وبيت المقدس ، إن الحفاظ على هذا الإرث الحضاري والديني يعد مسؤولية جماعية تتجاوز الحدود الجغرافية ، لتصبح واجباً أخلاقياً وإنسانياً وعقائدياً على كل من يحمل في قلبه ذرة من إيمان .

​وفي هذا السياق ، نقف بكل إجلال وفخر وتقدير خلف وصاية ورعاية جلالة الملك عبد الله الثاني على المسجد الأقصى المبارك وجميع المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف ، حيث ما زالت الإعمارات والمشاريع الملكية الهاشمية متواصلة ومستمرة منذ أكثر من 100 عام في المسجد الأقصى إلى هذا اليوم ، والتي كان من أهمها إعادة المنبر الهاشمي ( منبر صلاح الدين الأيوبي ) إلى مكانه الطبيعي في المسجد الأقصى ، وغيرها من المشاريع الحيوية المتواصلة والتي كان أحدثها المكرمة الملكية السامية للملك عبد الله الثاني بتغيير سجاد المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة على نفقته الخاصة .

​المسؤولية تجاه المَعلم التاريخي :

​اليوم ، وفي ظل التحديات المتسارعة التي تواجه المدينة المقدسة ، تصبح الدعوة إلى حماية المسجد الأقصى أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى ، لقد أثارت تلك الحادثة غضباً شعبياً عارماً ومظاهرات تنديد واسعة في العالم الإسلامي ، تمخض عنها عقد أول قمة إسلامية في مدينة الرباط بالمغرب ، والتي نتج عنها تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي ( منظمة التعاون الإسلامي حالياً ) للدفاع عن المقدسات .

​وللأسف ، تمر هذه الذكرى مروراً عابراً على الكثير من وسائل الإعلام ، فمنهم من يتجاوزها ، ومنهم من يذكرها على استحياء ، ومنهم من يتعامل معها كعنصر تاريخي وإعلام وثائقي ، وقليل من يتعامل معها كواقع وظلم واعتداء على دور عبادة حرمتها الأديان ، لقد آن الأوان لإبراز هذه المناسبة عالمياً ، سواء أكان من خلال إقامة المعارض والمتاحف أو الإصدارات الإعلامية ، ليعرف العالم حقيقة ذلك الوجود المصطنع ( إسرائيل ) وظلمه وجوره .

​إن المسؤولية الملقاة على عاتقنا اليوم تتطلب تكاتف الجهود على كافة المستويات ، لدعم صمود المرابطين ، وتسليط الضوء عالمياً على الحقائق التاريخية والقانونية للمكان ، والتأكيد على أن محاولات التهويد والتقسيم لن تفلح في تغيير الحقيقة الراسخة ، فالتاريخ يحفظ حق أصحابه ، والزمان يشهد على صمودهم .

​ستبقى ذكرى الحرق محفورة في وجداننا ، لا لنتوقف عندها بالندم ، بل لنجعلها دافعاً للعمل واليقظة ، إن الأقصى الذي صمد أمام النيران ، سيظل شامخاً بفضل أبنائه المخلصين ، وبفضل الأحرار في كل مكان الذين يؤمنون بأن الحقوق لا تسقط بالتقادم ، وأن الأمانة التاريخية التي ورثناها عن الأجداد ، يجب أن نسلمها للأجيال القادمة محمية ومصونة .

​رحم الله الشهداء الذين ذادوا عن حياض الأقصى ، وحفظ الله القدس ، وبارك في كل جهدٍ يبذل في سبيل رفعة هذا المعلم الخالد .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  ) وكالة الأنباء الفلسطينية ( وفا ) ( تقارير وأرشيف توثيقي حول حريق المسجد الأقصى والانتهاكات المستمرة ، آب 2025 م ) .
  3. 2  ) شبكة الجزيرة الإعلامية ( موسوعة الجزيرة : كيف أحرق المسجد الأقصى عام 1969 م ؟ ، آب 2024 م ) .
  4. 3  ) مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ( دراسة علمية محكّمة : إحراق المسجد الأقصى 1969 م وتأثيره على العالم الإسلامي ) .
  5. 4  ) مجلة كلية اللغة العربية بأسيوط ( بحث توثيقي حول الموقف العربي والدولي من حريق المسجد الأقصى المبارك ، 1389 هـ ) .
  6. 5  ) دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس ( بيانات رسمية حول الوصاية الهاشمية والمشاريع الملكية لإعمار المسجد الأقصى المبارك ) .