يسلط المقال الضوء على الأهمية التاريخية والحضارية لمدينة طبقة فحل (بيلا) في الأغوار الأردنية ومعالمها الأثرية العريقة .

طبقة فحل ( بيلا ) : جوهرة التاريخ في حضن الأغوار الأردنية

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​حين يتأمل الباحث في عمق جغرافيا الأردن وتاريخه العريق ، يجد أن كل تل وحجر يروي ملحمة إنسانية متجددة . وتتوسط هذه اللوحة الغنية مدينة ( طبقة فحل ) أو ما تُعرف تاريخياً بـ ( بيلا ) ، الواقعة على بعد خمسين كيلومتراً من محافظة إربد شمالي الأردن ضمن وادي الأردن ، لتمثل واحدة من أقدم وأعرق المدن التاريخية التي تفاعلت مع حضارات العصور المتعاقبة ، مقدمة نموذجاً فريداً لتلاحم الجغرافيا بعبق التاريخ الطهورة .

​جغرافية المكان وموقعها الاستراتيجي

​تتربع طبقة فحل على سفوح وادي الأردن الشرقي ، منخفضة عن سطح البحر بواحد وثلاثين متراً ومطلة على نهر الأردن والمرتفعات المقابلة ومدينة بيسان الفلسطينية ، مما يمنحها مناخاً دافئاً شتاءً ومعتدلاً وغنياً بالمياه والينابيع العذبة .

​تتميز المدينة بموقعها الاستراتيجي الحصين وإشرافها على طريقين تجاريين رئيسيين ؛ الأول يربط بين شبه الجزيرة العربية وهضبة الأناضول ، والآخر يوصل بين بلاد ما بين النهرين والشواطئ الشرقية للبحر المتوسط ومصر ، مما جعلها بيئة خصبة للاستقرار البشري منذ أقدم العصور التاريخية .

​الجذور التاريخية وعصور الازدهار

​تشير التنقيبات الأثرية المتواصلة إلى أن طبقة فحل ( بيلا ) تشهد على استقرار بشري متواصل دون انقطاع بدءاً من العصور الحجرية . وقد ورد ذكرها في الكتابات المصرية القديمة منذ القرن التاسع عشر قبل الميلاد باسم ( بيهليوم ) ، وتوثق الكتابات التي تركها الفرعون سيزوستريس الثالث سنة ( 1840 قبل الميلاد ) الروابط التاريخية والتجارية مع مصر الفرعونية .

​مع فتوحات الإسكندر المقدوني عام ( 332 قبل الميلاد ) ، خضعت المدينة للحكم والحضارة الإغريقية ، وأطلق عليها اسم ( بيلا ) عام ( 310 قبل الميلاد ) تيمنًا بمسقط رأسه في مقدونيا باليونان . وفي العصر الروماني ، قضى القائد بومبيوس على الهيمنة اليونانية سنة ( 64 قبل الميلاد ) ، وأسس حلف المدن العشر ( الديكابوليس ) لتكون طبقة فحل إحدى أبرز تلك المدن وأكثرها ازدهاراً ، حيث شُيدت فيها المباني والمسارح ، ورغم تعرضها للتدمير إبان الغزو الفارسي عام ( 613 ميلادي ) ، فقد استعاد الرومان السيطرة عليها .

​الحضور المسيحي والتاريخ الكنسي المبكر

​مثلت طبقة فحل ملاذاً آمناً ومركزاً روحياً مهماً في التاريخ المسيحي المبكر ؛ فقد كانت في القرن الأول للميلاد ملاذاً لمسيحيي القدس الذين هربوا من الاضطهاد ورجوعاً لتنبؤات دمار أورشليم بقيادة أسقفهم سمعان . وذكر المؤرخ الكنسي أوسابيوس القيصري أهمية الكنائس المبكرة فيها .

​أنجبت المدينة في القرن الثاني للميلاد الكاتب الشهير أرستون الذي ألّف كتابه الدفاعي ( الحوار بين جازون وبابسكوس حول السيد المسيح ) . كما شارك أساقفة بيلا بفاعلية في العديد من المجامع الكنسية الكبرى ، مثل مجمع أفسس الثاني سنة ( 449 ميلادي ) ، ومجمع خلقدونيا سنة ( 451 ميلادي ) ، إلى جانب المجامع الإقليمية في القدس سنتي ( 518 و 536 ميلادي ) .

​الفتح الإسلامي ومعركة فحل الخالدة

​دخلت المدينة التاريخ الإسلامي بحروف من نور عبر معركة فحل الخالدة ضد الرومان ، والتي انتهت بانتصار المسلمين ، وفي العصر الإسلامي أصبحت المنطقة تابعة لجند الأردن وسكنها الأمويون والعباسيون والأيوبيون والمماليك ، لتشكل محطة فارقة لتثبيت دعائم الدولة الإسلامية في المنطقة .

​الآثار الشاخصة والمعالم الأثرية

​تبلغ مساحة الموقع الأثري للمنطقة نحو أربعمئة دونم ، وتزخر بالعديد من الآثار والمعالم الشاخصة التي تروي قصص الأمم الغابرة ، ومن أبرزها :


​التحديات المعاصرة وآفاق حماية الإرث التاريخي

​تعرضت المدينة لزلزال مدمر عام ( 749 ميلادي ) أدى إلى دمار واسع وهجران الناس لها لتترك خلفها أطلالاً وقرية صغيرة . وتشكل طبقة فحل اليوم مقصداً بارزاً ووجهة رئيسية لعشاق السياحة الأثرية والتاريخية والاستكشاف العلمي من داخل الأردن وخارجه طوال العام ، حيث تحرص الجهات الرسمية والبعثات الأثرية الأجنبية والمجتمع المحلي على التنقيب المستمر وصيانة التراث . إلا أن هذا الإرث الحضاري الفريد يواجه تحديات مستمرة تتمثل في العوامل الطبيعية والتغير المناخي ، فضلاً عن المخاطر المحتملة للعبث أو الإهمال البيئي التي تستدعي تضافر الجهود لحمايتها .

​إن ما تحتضنه طبقة فحل من شواهد عمرانية ومحطات تاريخية خالدة ، يؤكد بما لا يدع شكاً أن هذا المكان يمثل صفحة ناصعة من كتاب الوطن الذي يجب صونه ورعاية حرمته . وإن الحفاظ على هذا الإرث العريق يمسك بزمام المسؤولية الوطنية والأخلاقية المشتركة ، لتظل هذه المدينة التاريخية واحة أمن وتاريخ ينبض بالحياة والخلود ، ويبقى جمال الأردن الأثري ساطعاً كشمسها التي تشرق على ربوع الأغوار الأردنية الأبيّة .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع
  2. ​1 ) وكالة الأناضول : تقرير " طبقة فحل بالأردن.. تاريخ يروي قصة الحضارة " ، بقلم ليث الجنيدي ، كانون الأول / ديسمبر 2020 م .
  3. 2 ) المواقع الأثرية المسيحية في الأردن : صفحة " بيلا (طبقة فحل)" ، الموقع الرسمي لهيئة تنشيط السياحة .
  4. 3 ) دائرة الآثار العامة الأردنية : التقارير والتنقيبات الأثرية الدورية لمديرية آثار إربد حول مواقع الديكابولس وحواضر وادي الأردن .
  5. 4 ) الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) : صفحة "طبقة فحل (إربد)".
  6. 5 ) وزارة السياحة والآثار الأردنية : النشرات التعريفية والتوعوية حول التراث الأثري في محافظة إربد ومنطقة الأغوار الشمالية.