يستعرض هذا المقال زهرة شقائق النعمان ( المعروفة شعبيا بالدحنون ) بوصفها أيقونة للربيع , و يسلط الضوء على أسمائها , و فوائدها الطبية , و جذورها الأسطورية المرتبطة بالتراث العربي و التاريخ .

زهرة شقائق النعمان : أسطورة الدم والحب وعنوان الربيع الساحر


​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه



​تطل شقائق النعمان برأسها القرمزي مع إطلالة الربيع ، لتفرش السهول والربى بسجادة حمراء فاخرة تسر الناظرين وتُحيي في النفوس بهجة الأرض ونقاء الطبيعة .



​بساط الطبيعة الأحمر وموسم البشارة :


​تُعدّ شقائق النعمان ( المعروفة شعبياً باسم الدحنون ) واحدة من أجمل الزهور البرية التي تنتشر في ربوع بلادنا مع اعتدال مناخ فصل الربيع . لا تملك زهرة في تراث العرب وأدبهم قصصاً وأساطير عن جمالها وقيمتها وأصلها كما تملك هذه الزهرة الفريدة ، فهي زهرة الشهداء والأساطير والحب والجمال . تنبت هذه النبتة مع نهاية فصل الشتاء وبداية فصل الربيع مُؤذنةً ببدء موسم جديد ودورة جديدة من الحياة ، ومن ذلك قول الفلاحين بانتهاء موسم بذار الحبوب : ( طلع النرجس والدحنون ظب بذارك يا مجنون ) .


​تتميز شقائق النعمان برقة أوراقها وبلونها الأحمر القاني الأجمل الذي يوحي بروعة وإحساس خارقين ، إلى جانب ألوان أخرى كالزهري والقرنفلي والأرجواني والأبيض والأصفر . وهي نبتة حولية ساقها رفيع غض منتصب ، لا تعيش منفردة بل توصف بأنها جماعية العيش والمنبت ، تتكاثر عن طريق البذور وتنتشر في تجمعات كبيرة وواسعة وخاصة في الأرض البور المشبعة بالمطر . غير أن هذه النبتة قصيرة العمر يترواح بين أسبوع وأسبوعين ، إذ سُرعان ما تهزمها شمس الربيع الدافئة ، لكنها تبقى موغلة في السحر والفتنة والروعة .


​الأسماء والفوائد الطبية والتراث الشعبي :


​تشتهر الزهرة بأسماء عدة منها : حنون ، ودحنون ، وشقائق النعمان ، وزهرة النساء ، وزهرة الدم ، أما اسمها العلمي فهو ( الشقّار الإكليلي ) . ولهذه الزهرة فوائد جليلة كما وردت في الطب العربي القديم ، فقد عدد داود الأنطاكي في تذكرته جملة كبيرة من فوائدها وأهميتها ودورها العلاجي .


​وارتبطت شقائق النعمان بالغزل وأشعار الجمال والحب ، وهي ترمز إلى الشوق وانتظار المحبوب . وفي تراثنا الشعبي الأردني نجد الدحنون حاضراً في الوصف والتشبيه ، فيقولون : ( وجهه أحمر مثل الدحنونة ) . كما أن شقائق النعمان في بلاد الشام ترمز إلى الشهداء ودمهم الطاهر الذي روى الأرض لرمزية لونها القاني .


​جذور الأساطير وتسمية النعمان :


​تتعدد الروايات والأساطير حول أصل تسمية هذه الزهرة ؛ فقيل إن العرب الأوائل هم أول من اهتم به ونسبوا للنعمان بن المنذر ملك الحيرة قصصاً حول ذلك ، منها تنبهه لجمالها وأمره بحمايتها وزراعتها حول قصر الخورنق ، أو أنها نبتت على قبره بعد مقتله وفاءً لحزنهن عليه فنسبت إليهن ( شقائق النعمان ) . وذهب آخرون لأبعد من ذلك مستخرجين من الأساطير القديمة حكايات تجعل للونها القاني بُعداً أسطورياً كحكاية حب أدونيس وعشتار في الميثيولوجيا الفينيقية ، أو دماء إله الخصب والنماء ( بعل ) عند الكنعانيين ، وورد في البابلية ما يشبه ذلك من دماء العشيق المغدور . وللغة قول في ذلك ، فقيل إن ( النعمان ) اسم من أسماء الدم ، ولذا فإن هذه الزهرة شقيقة الدم في اللون ، ومثله ما يقال : ( النساء شقائق الرجال ) ، وقيل إن أصل الكلمة تعني القائم من الموت تشبيهاً بانبعاث الحياة فيها .


​هكذا تبقى شقائق النعمان عنواناً لبهجة الربيع ورمزاً لجمال البراري الأردنية والعربية ، وعلامة فارقة بين فصلين وموسمين ؛ فمع طلوعها نودع الشتاء بخيره وأمطاره ونستقبل الربيع بوروده وأزهاره . تظل هذه النبتة بزهرتها الحمراء القانية زهرة للشهداء ، نتذكرهم كلما شاهدنا لونها ، لنؤمن بأن دماء عطائهم في سبيل حرية أوطانهم ستزهر كل ربيع دحنوناً ونرجساً وريِحاناً ، لتبقى الأرض دائماً واحة خضراء يلفها السحر ويلتحفها الفخر .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1) التراث الشعبي الشامي والأردني : حكايات وأمثال توثق مكانة الدحنون والزهر البري .
  3. 2 ) كتب التراث والطب العربي القديم : تذكرة داود الأنطاكي في فوائد النباتات والزهور .
  4. 3 ) الأساطير والميثيولوجيا العربية والقديمة : قصص وتاريخ تسمية شقائق النعمان .
  5. 4 ) الأدب الشعبي وقريض الشعر : توثيق رمزية الزهور البرية في الوجدان العربي .