تولين ليست ابنتي فحسب ، بل هي الوطن الصغير الذي علَّمني أنَّ أعظم معاني الأبوة تُكتب بحروف الحب والرحمة والدعاء .

تولين . . . حين تُصبح البنتُ وطنًا يسكن قلب أبيها

يُحكى أنَّ عمرو بن العاص دخل على معاوية بن أبي سفيان ، فرآه مع ابنته ، فقال : من هذه يا معاوية ؟ فابتسم معاوية ، وأجابه بكلماتٍ خلدها التاريخ قبل أن تحفظها الكتب : تفاحةُ القلب ، وريحانةُ العين .

وما ظننتُ يومًا أنني سأقف طويلًا أمام هذه العبارة ، حتى رزقني الله بابنتي تولين . عندها فقط أدركتُ أنَّ بعض الكلمات لا تُفهم بالقراءة ، وإنما تُفهم بالعيش . وأنَّ الأبوة ليست لقبًا يُطلق على الرجل ، بل حالةٌ من الحبِّ تُعيد تشكيل قلبه من جديد .

لقد أصبحتُ كلما نظرتُ إلى تولين ، أيقنتُ أنَّ الله إذا أحبَّ عبدًا أهداه قلبًا آخر يمشي على الأرض . قلبًا يضحك فتبتسم الحياة ، ويحزن فتضيق الدنيا ، ويفرح فتتسع الآفاق . عندها فهمتُ لماذا وصف معاوية ابنته بأنها تفاحة القلب ، لأنَّ القلب لا يطيب إلا بها ، ولا تزهر أيامه إلا بقربها .

إنَّ البنات لا يدخلن البيوت كأيِّ مولود ، بل يدخلنها وهنَّ يحملن معهنَّ الرحمة ، والسكينة ، والجمال . إنهنَّ يُغيِّرن ملامح الآباء قبل أن يُغيِّرن تفاصيل البيوت . فكم من رجلٍ عرفه الناس قويًّا شامخًا ، فإذا وقف أمام ابنته ، عاد طفلًا يخشى عليها من نسمة الهواء ، ويبتسم لضحكتها أكثر مما يبتسم لانتصاراته .

أما تولين ، فهي بالنسبة إليَّ ليست اسمًا يُنادى ، ولا ابنةً تُذكر في سجلِّ العائلة ، بل هي صفحةٌ ناصعةٌ من كتاب عمري ، وأجمل قصيدةٍ كتبها الله في حياتي . هي الدعاء الذي لا يغيب عن لساني ، والنعمة التي أحمد الله عليها في كل صباحٍ ومساء . وإذا سألني أحدهم عن أثمن ما أملك ، فلن ألتفت إلى مالٍ أو جاهٍ أو منصب ، بل سأقول بكل فخر : لديَّ تولين .

لقد علَّمتني ابنتي أنَّ القوة ليست في قسوة القلب ، بل في رقته . وأنَّ أعظم الرجال ليس من يخشاه الناس ، وإنما من يفتح الله في قلبه بابًا للرحمة لا يُغلق . فالبنت تُهذِّب روح أبيها ، وتُعيد ترتيب أولوياته ، وتجعله يرى الدنيا بعينٍ أكثر صفاءً ، وقلبٍ أكثر امتنانًا .

ولذلك ، فإنني كلما سمعتُ قول معاوية : « تفاحةُ القلب ، وريحانةُ العين » ، ابتسمتُ في سري ، وقلت : نعم . . . لقد صدق . فهذه الكلمات ليست وصفًا لابنةٍ واحدة ، بل هي الحقيقة التي يعرفها كلُّ أبٍ أنعم الله عليه ببنتٍ أحبها من أعماق قلبه .

حفظ الله تولين ، وأدام عليها الصحة والسعادة ، وجعلها من الصالحات النافعات ، وأقرَّ بها عيني في الدنيا ، وجمعني بها في جنات النعيم . فما أعظمها من نعمة ، وما أجملها من هبة ، وما أكرم الله حين يجعل للبنت وطنًا في قلب أبيها ، ويجعل للأب عمرًا آخر يبدأ يوم يناديه صوتها : أبي .