يستعرض المقال إرث الطب الشعبي في مدينة إربد، مبرزاً دوره التراثي كصيدلية طبيعية متكاملة ومكمله للطب الحديث عبر التاريخ والحضارة الإسلامية.

ذاكرة المداوي : الطب الشعبي في مدينة إربد

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​لطالما مثلت مدينة إربد ( عروس الشمال ) أيقونة التراث الأردني بكل ما تحمله من موروث اجتماعي وثقافي أصيل ، ومن أبرز هذه الموروثات ( الطب الشعبي ) الذي كان الملاذ الأول والأخير لأهالي المدينة والقرى المحيطة بها في العقود الماضية ، حين كانت الحكمة الفطرية تغني عن مشاق البحث عن المستشفيات البعيدة . إن هذا الموروث ليس مجرد وصفات عشبية أو ممارسات يدوية ، بل هو سجل نابض يحكي قصة صمود الإنسان الإربدي وتأقلمه مع بيئته بموارد بسيطة وإرادة صلبة .

​الجذور التاريخية : إرث الحضارة العربية والإسلامية :

​لا يمكن الحديث عن الطب الشعبي دون العودة إلى جذوره الضاربة في عمق الحضارة العربية والإسلامية . فقد كان هذا الطب علماً ممنهجاً ، انطلق من ( الطب النبوي ) الذي وضع الأسس الوقائية والعلاجية ، مروراً بالعصر الأموي والعباسي والعهود التي تلتها ، حيث أضحى الطب فخراً حضارياً . لقد برع الأطباء العرب والمسلمون ، على اختلاف أعراقهم ومعتقداتهم ، في استخراج العقاقير وتطوير الصيدلة ، ولم يتوقف إبداعهم عند الوصفات العشبية ، بل امتد ليشمل الابتكارات الجراحية ، فقد ابتكروا التخدير ، واستخدموا خيوط الجراحة ، وطوروا أدوات دقيقة ما زالت بصماتها واضحة في الطب المعاصر . لقد كان الطب العربي جسراً للعلوم الإنسانية ، حيث احتضن التنوع المعرفي وصبغه بصبغة العقل والتجريب ، مما جعله مدرسة عالمية رائدة .

​العشابون والعطارون والحلاقون : مثلث الرعاية الصحية التقليدية :

​في مسيرة الطب الشعبي ، تبرز ثنائية فاعلة تتكامل فيها الأدوار ، فهناك ( العشابون ) وهم الرجال الأشداء الذين يقطعون السهول والجبال والمناطق الصحراوية ، خاصة في فصل الربيع ، لجمع الأعشاب الطبية والعطرية بمختلف أنواعها . هؤلاء العشابون هم الحراس الأمناء على خيرات الأرض البرية ، وبعد جمعها ، تأتي مهمة ( العطار ) الذي يستلم هذه الأمانة ، فيقوم بتصنيفها وتنظيفها وترتيبها وتجفيفها ، ليكون هو المرجع النهائي الذي يصفها للمريض حسب حالته الصحية .

​ولم يقتصر هذا الدور على العطار وحده ، بل برز ( الحلاق ) في مدينة إربد كشريك أساسي في هذا الميدان الطبي . فقد كان الحلاق بائعاً للخدمات الجمالية وقص الشعر وحلاقة الذقن فحسب ، بل كان يمتلك باعاً طويلاً وخبرة متوارثة في الطب الشعبي . لقد استند الحلاق إلى درايته العميقة بخصائص الأعشاب والعقاقير ، مما مكنه من ممارسة دور المعالج الطبيعي ، حيث برع في علاج بعض البثور الجلدية ، وتخفيف آلام الأسنان ، وتقديم استشارات صحية بسيطة لأهالي المدينة . لقد كانت مهنة الحلاقة والطب الشعبي تتقاطع في دكان الحلاق ، الذي كان يشكل مركزاً اجتماعياً وطبياً مصغراً يقدم الحلول العاجلة والتقليدية لأبناء الحي .

​تعد محال العطارة في مدينة إربد بمثابة ( صيدليات التاريخ ) التي قاومت عوادي الزمن . لقد برز في مدينة إربد عطارون شكلوا بذاكرتهم ومعرفتهم مرجعاً طبياً لأهل المدينة ، ومن أبرزهم : محلات عطارة الحوراني التي تعد من الأعرق في السوق القديم ، وعطارة التل التي ارتبط اسمها بتقديم الأعشاب الطبية ذات الجودة العالية ، وعطارة الصبيحي ، وعائلة جمعة التي اشتهرت في هذا الميدان ولها بصمة واضحة في خدمة أبناء المدينة .

​وفي هذا السياق التوثيقي ، لا بد لنا من وقفة شكر وتقدير للأخ العزيز الذي يتحفنا دائماً بتقديم المعلومات الغنية والدقيقة عن بلدته ( حوارة ) بشكل خاص ، السيد كمال عطوان الغرايبه ( أبو مهران ) ، له منا كل الشكر والتقدير ، ونسأل الله له دوام الصحة والعافية ، وأن يمد في عمره ، ويغمره بالخير والسعادة .

​المُجبر : جراح العظام الفطري :

​في قلب هذا الموروث ، تبرز مهنة ( المُجبر ) أي معالج الكسور ، كواحدة من أكثر المهن تقديراً واحتراماً في المجتمع الإربدي . فقد برزت قامات بارزة في هذا الميدان ، ففي بلدة حوارة التابعة لإربد ، كانت السيدة المرحومة ( أم العبد ) زوجة عبد الرحمن الغرايبه من النساء اللواتي تميزن ببراعة التجبير ، حيث مارست هذه المهنة لفترة طويلة ، وبعد وفاتها رحمها الله استمرت لفترة بسيطة ابنتها المرحومة فليحة عبد الرحمن الغرايبه . ومن الرجال الذين تركوا بصمة واضحة خليل الشرع ، وابن عمه سليمان الشرع ( أبو هلال ) ، كما كان للمرحوم خليل العبد الغرايبه دور في هذه المهمة . ولم يقتصر الطب الشعبي على العظام ، بل برزت أسماء في تقديم الإسعافات الأولية وإعطاء ( الإبر ) للمرضى ، مثل المرحومة ( أم ذاكر ) زوجة عبد الحميدان الغرايبه ، والمرحومة ( أم برهان ) زوجة محمد حمدان الغرايبه ، والمرحوم عبد الكريم عبد العزيز الغرايبه .

​وفي سياق التميز في العلاج الشعبي ، لا بد من ذكر المرحومة ( أم يحيى الغرايبه ) رحمها الله ، التي اشتهرت بإعداد مرهم فريد للحروق ، كانت توفره لله تعالى مجاناً ، وقد حمل أبناؤها وبناتها من بعدها هذه الأمانة ليستمر هذا العطاء الإنساني . كما عرفت المنطقة علاج ما يسمى بـ ( الطنطيف ) ، وهو التهاب في اللهاة بسقف الحلق ، وقد كان أكثر من برع في إزالته بطريقته الخاصة المرحوم حسين حامد الشطناوي . إضافة إلى ذلك ، فقد كان هناك ممارسون لمعالجة ( الصفيرة ) لدى الأطفال ، حيث كانت بعض السيدات يمارسن طقوساً تقليدية لـ ( فك الروعة ) أو علاج ( الخوف ) لدى الأطفال ، مستخدمات الرصاص المذاب أو البخور ، وهو جزء من الممارسات التي كانت تشكل حالة طمأنينة نفسية للمجتمع في ذلك الزمان .

​مهنة المُطهر : تراث يتنقل بين القرى :

​أما في مهنة ( المطهّر ) التي ارتبطت بختان الأطفال ، فقد كان الشمال الأردني مسرحاً لأسماء شهيرة ، وعلى رأسهم ( الشلبي ) ، الذي اقترن اسمه في الذاكرة الشعبية بأغنية توارثتها النسوة في مناسبات الفرح :

​( طهّروا يا شلبي ، وسلّمه لأمه ،

بنت الأجاويد ، ما خاب ظنّه ،

طهّروا يا شلبي ، وارفعوا ع الراس ،

ابن الرجال ، سليل الأجناس ) .

​كما يبرز في ذاكرة أهالي الشمال ( أبو وزان ) من الرمثا ، الذي كان يتجول بين التجمعات السكانية على دراجته النارية ليقوم بختان الأطفال ، محولاً هذه المهمة إلى احتفالية اجتماعية يشارك فيها الأهل والجيران ، حيث كانت الأدوات تعقم غالباً باستخدام النار أو الكحول الطبي قبل بدء الإجراء .

​واقع الطب الشعبي في عصر التكنولوجيا :

​في وقتنا المعاصر ، يشهد الطب الشعبي حالة من التوازن الفريد ، فرغم التطور الطبي الهائل ، لا يزال هذا الموروث يحتفظ ببريقه ، ليس كبديل كلي للعلم الحديث ، بل كـ ( طب تكميلي ) يبحث فيه الناس عن الأمان من الآثار الجانبية للأدوية الكيماوية والمصنعة . إن عودة السكان اليوم للطب البديل لا تعني تراجعاً أو اندثاراً ، بل تعني استعادة للثقة في حكمة الأجداد ، حيث اعتمد العطارون قديماً على كنوز الأرض من الميرمية ، والزعتر ، والبابونج ، والزيوت الطبيعية ، وهي مواد ما زالت تثبت فعاليتها كعوامل مساعدة في الشفاء . إن الطب الشعبي في إربد لم يندثر ، بل تحول من ممارسة يومية للضرورة إلى ثقافة اختيار للوقاية والتعافي الطبيعي .

​بين الحكمة والمسؤولية :

​إن استحضارنا لهذا الإرث الطبي في مدينة إربد يحمل دلالة أعمق من مجرد التداوي ، إنه دعوة لتفعيل الحكمة التي تتجاوز علاج الجسد إلى إصلاح النفوس والحرص على أمن واستقرار الوطن . ومع التقدير لهذا الموروث ، يجب التأكيد على أهمية التمييز بين المعالجين الموثوقين الذين يمتلكون خبرة متوارثة ومسؤولية أخلاقية ، وبين الممارسات العشوائية التي حذرت منها الجهات الطبية الرسمية . فكما كان الحكماء يعالجون الكسور ويهتمون بسلامة النشء ، فإن الحكمة الوطنية تتطلب منا اليوم تجبير العظام قبل حصول الكسر من خلال التروي ، والوحدة الوطنية ، والحرص على بيتنا الأردني الكبير ، لنحافظ على تماسك مجتمعنا في وجه التحديات ، فكسر الأوطان هو الكسر الذي لا يُجبر .

قائمة المصادر والمراجع :

​1 ) الديوان الملكي الهاشمي ، موقع التراث الثقافي غير المادي ( ich.gov.jo ) .

2 ) دراسة أنثروبولوجية لأشكال الطب الشعبي في مدينة إربد ، شركة دراسة لخدمات البحث العلمي .

3 ) صحيفة الرأي الأردنية ، مقال حول مهنة العطارة وتوارث الأجيال .

4 ) الجزيرة نت ، مقال حول محلات العطارة وصيدليات الطب البديل في الأردن .

5 ) منشورات وزارة الثقافة الأردنية حول الفنون الشعبية والموروث الاجتماعي .

6 ) الروايات الشفوية وذاكرة المعمرين في مدينة إربد وقراها .


قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) الديوان الملكي الهاشمي ، موقع التراث الثقافي غير المادي ( ich.gov.jo ) .
  3. 2 ) دراسة أنثروبولوجية لأشكال الطب الشعبي في مدينة إربد ، شركة دراسة لخدمات البحث العلمي .
  4. 3 ) صحيفة الرأي الأردنية ، مقال حول مهنة العطارة وتوارث الأجيال .
  5. 4 ) الجزيرة نت ، مقال حول محلات العطارة وصيدليات الطب البديل في الأردن .
  6. 5 ) منشورات وزارة الثقافة الأردنية حول الفنون الشعبية والموروث الاجتماعي .
  7. 6 ) الروايات الشفوية وذاكرة المعمرين في مدينة إربد وقراها .