يستعرض هذا المقال تاريخ كسوة الكعبة المشرفة منذ العصور الجاهلية مروراً بالدول الإسلامية والمحمل الشريف وصولاً إلى العصر الحديث في المملكة العربية السعودية.
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
كسوة الكعبة المشرفة قبل الإسلام :
تعتبر كسوة الكعبة من أهم مظاهر الاهتمام والتشريف والتبجيل للبيت الحرام . فعندما رفع إبراهيم وإسماعيل قواعد الكعبة المشرفة ، عاد إبراهيم إلى فلسطين . وذكر أيضاً أن ( عدنان بن إد ) الجد الأعلى للرسول عليه السلام هو أحد من كسوها ، ولكن الغالب في الروايات أن ( تبع الحميري ) ملك اليمن هو أول من كساها كاملة في الجاهلية بعد أن زار مكة ، وهو أول من صنع للكعبة باباً ومفتاحاً . واستمر في كسوة الكعبة فكساها بالخصف ( ثياب غلاظ ) ، ثم المعافى ، ثم الملاء والوصائل .
بعد تبع ، كساها الكثيرون في الجاهلية ، وكانوا يعتبرون ذلك واجباً دينياً ، فكانت الكسوة توضع فوق بعضها ، فإذا ثقلت أو بليت أزيلت وقسمت أو دفنت . وعندما آلت الأمور إلى ( قصي بن كلاب ) الجد الرابع للرسول عليه السلام ، قام بتنظيمها ، وعرض على قبائل قريش أن يتعاونوا في كسوتها كنوع من " الرفادة " . ثم ظهر أبو ربيعة عبد الله بن عمرو المخزومي ، وكان تاجراً ثرياً ، فأشار على قريش أن يكسوها سنة وتكسوها قريش سنة ، فوافقوا ، وأسمته قريش ( العدل ) لأنه عدل بفعله قريشاً كلها . وكانت الكسوة في ذلك الوقت تعتمد على ألوان وأنواع متنوعة حسب المتوفر ، مثل : الخصف ، والقباطي ، والجلد .
كسوة الكعبة بعد الإسلام :
بدأ العهد الإسلامي بمرحلة انتقالية ، حيث أبقى الرسول ﷺ على كسوة المشركين حتى احترقت ، ثم كساها بالثياب اليمانية . وسار الخلفاء الراشدون على نهج التكريم ؛ فكساها أبو بكر وعمر بالقباطي المصرية ، وزاد عليها عثمان بن عفان بأن جعل لها كسوتين . ومع تعاقب الدول الإسلامية ، تطورت صناعة الكسوة بشكل كبير ، حيث أولى العباسيون اهتماماً فائقاً بجودة الحرير والنسيج في ( تنيس ) المصرية .
ومع حلول العصر الحديث ، اختصت المملكة العربية السعودية بشرف صناعة الكسوة وتطريزها بالذهب والفضة في مكة المكرمة . ويتم استبدال الكسوة سنوياً في يوم التاسع من شهر ذي الحجة ( يوم وقفة عرفات ) ، حيث يتم إنزال الكسوة القديمة وتركيب الكسوة الجديدة بحضور رسمي وشعبي مهيب .
دلالات وتطور ألوان الكسوة :
تعددت ألوان الكسوة عبر العصور لاعتبارات جمالية وسياسية وعملية ، حيث كان كل لون يعكس طابع العصر أو ذوق الحاكم :
1 ) الألوان المتعددة ( الجاهلية وصدر الإسلام ) : استخدمت الثياب اليمانية المخططة والقباطي البيضاء ؛ وكان اختيارها يعتمد على توفر الأقمشة الجيدة والرسائل التي تحمل طابعاً تعبدياً وتكريماً للبيت .
2 ) اللون الأحمر : برز في العصر العباسي ( عهد المأمون ) ، وكان اختيار الديباج الأحمر يعكس الفخامة والأبهة التي ميزت العصر العباسي الذهبي .
3 ) اللون الأبيض : اعتمده الخلفاء في عهود مختلفة ، منها العصر الفاطمي ، وهو لون يرمز للنقاء والصفاء ، وكان متوفراً بكثرة في أقمشة القباطي المصرية الشهيرة .
4 ) اللون الأخضر : استخدم في فترات متقطعة ، ومنها عهد الناصر العباسي قبل استقراره على الأسود ، وكان اختيار الأخضر دلالة على الرمزية الدينية المرتبطة بالجنة في الثقافة الإسلامية .
5 ) اللون الأسود : استقر عليه الأمر منذ عهد الناصر العباسي إلى يومنا هذا . وجاء هذا الاختيار لعدة أسباب : أولاً ، لقدرة اللون الأسود على إظهار روعة التطريز بخيوط الذهب والفضة بشكل أكثر وضوحاً وجلالاً ؛ وثانياً ، لأن اللون الأسود أكثر تحملاً للعوامل الجوية ( كالغبار والشمس ) مقارنة بالألوان الفاتحة التي تتأثر بسرعة وتفقد بهاءها ؛ وثالثاً ، لكونه لوناً يضفي هيبة ووقاراً شديداً على البيت العتيق .
المحمل الشريف وطقوسه :
المحمل الشريف هو الرمز التاريخي الذي كان يعبر عن رعاية الدولة الإسلامية للحرمين الشريفين ، وكان عبارة عن ( هودج ) مزين بأفخر الأقمشة ومحلى بالنقوش والآيات القرآنية ، يوضع على ظهر جمل قوي ومميز ، ويحمل الكسوة الشريفة من القاهرة إلى مكة المكرمة :
1 ) طقوس الاحتفال : كان الاحتفال بـ ( خروج المحمل ) من القاهرة حدثاً سنوياً ضخماً ، يشارك فيه السلطان أو نائبه والعلماء وعامة الشعب ، وسط طقوس دينية واحتفالية ( مثل رقصات المولوية ، ودقات الطبول ، والأناشيد ) التي كانت تعم شوارع القاهرة وصولاً إلى منطقة " القلعة " .
2 ) مسار الرحلة : كان الموكب ينطلق من القاهرة براً عبر الإبل حتى يصل إلى ميناء " السويس " أو موانئ البحر الأحمر ، حيث يتم تحميل المحمل في سفن مخصصة تبحر عبر البحر الأحمر نحو ميناء " ينبع " أو " جدة " . ومن هناك ، كان الموكب يكمل رحلته براً مرة أخرى عبر قوافل الجمال المحروسة من قبل الجنود والفرسان حتى يصل إلى مكة المكرمة .
3 ) رئاسة المحمل : كان يتم تعيين شخصية مرموقة تُعرف بـ ( أمير الحج ) ، وهو المسؤول الأول عن سلامة القافلة ، وحماية الكسوة ، وإدارة شؤون الحجيج طوال الرحلة . وكان هذا المنصب يعد من أرفع المناصب في الدولة .
4 ) نهاية التقليد : استمر هذا التقليد لقرون عديدة حتى توقفت مصر عن إرسال الكسوة في عام 1962م ( 1381هـ ) ، وذلك بعد أن أصبحت المملكة العربية السعودية تتولى كامل المسؤولية عن صناعة الكسوة وتجهيزها محلياً وبشكل متكامل في مكة المكرمة .
قائمة المصادر والمراجع :
1 ) الأزرقي : " أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار " .
2 ) ابن حجر العسقلاني : " فتح الباري شرح صحيح البخاري " .
3 ) الفاكهي : " أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه " .
4 ) مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبة المشرفة : " التاريخ والتوثيق " .
5 ) دراسات في تاريخ الحرمين الشريفين : " وثائق الأوقاف المصرية والرحلات التاريخية " .
6 ) المصادر الرقمية : ( الجزيرة نت ، سعوديبيديا ، بوابة الأهرام ، والموسوعة العربية ) .












قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) الأزرقي : " أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار " .
- 2 ) ابن حجر العسقلاني : " فتح الباري شرح صحيح البخاري " .
- 3 ) الفاكهي : " أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه " .
- 4 ) مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبة المشرفة : " التاريخ والتوثيق " .
- 5 ) دراسات في تاريخ الحرمين الشريفين : " وثائق الأوقاف المصرية والرحلات التاريخية " .
- 6 ) المصادر الرقمية : ( الجزيرة نت ، سعوديبيديا ، بوابة الأهرام ، والموسوعة العربية ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.