يستذكر المقال السيرة العطرة والإرث العلمي والإداري للراحل الدكتور علي عبندة ، سادن السماء وحكيم الأنواء ، مستعيداً ذكريات الزمن الجميل ومواقفه الوطنية الخالدة في قطاع الأرصاد الجوية الأردنية .

حارس الغيوم وناسك المحراب الجوي : قصة وفاء من دفتر الأنواء الأردنية

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​حين كانت الشاشة العتيقة تجمعنا على حب المطر :

​من منا لا يذكر ذلك الزمن الجميل ، وتلك الأيام الخوالي من ليالي الشتاء الباردة ، حين كنا نلتف حول تلك الشاشة الصغيرة في التلفزيون الأردني بقلوب خافقة وعيون متسمرة ! لم تكن النشرة الجوية آنذاك مجرد تقرير عابر لمعرفة درجات الحرارة ، بل كانت طقساً عائلياً مقدساً وموعداً منتظراً مع البشارة والخير . وحين كان يطل علينا الدكتور علي عبنده ( رحمه الله ) بوقار العلماء وهدوء الحكماء ، كنا ندرك تماماً أن زائرة بيضاء ( الثلوج ) في طريقها إلينا ، أو أن غيمة مباركة ستسقي البلاد والعباد . لقد كان " أبو الراصدين " و" نجم فصل المطر بلا منازع الذي رحل ولم يملأ مكانه بعد " بحق علامة فارقة من علامات ذكرياتنا الجميلة ، وركناً دافئاً من أركان الشتاء الأردني الأصيل الذي لم يُترك للصدفة ، بل كان يُقرأ بلغة العالم المحب لأرضه وناسه .

​من صانع الأثر إلى ذاكرة الشتاء :

​لم يكن الدكتور علي عبنده مجرد رجل يطل على الشاشة ليقدم أرقاماً جوية جافة ، بل كان سادناً للسماء وحكيماً للأنواء ، استمد صموده وعلمه من سهول إربد المعطاءة التي ولد فيها عام 1931 م . سار في دروب العلم الوعرة حتى نال درجة الدكتوراه ، ليترك للمكتبة العربية والوطنية إرثاً راسخاً من المؤلفات التي غدت مراجع أساسية ، مثل : كتاب " الفلك والأنواء في التراث العربي " ، وكتاب " الأرصاد الجوية " ، وكتاب " الظواهر الجوية " ، وكتاب " المنذر " .

​وعلى الصعيد المؤسسي والأكاديمي ، لم يقتصر دوره على الإدارة الحكيمة التي قفزت بدائرة الأرصاد الجوية الأردنية نحو المعايير العالمية ، بل امتد ليكون معلماً ومربياً لأجيال من الطيارين والمختصين في أكاديمية الطيران وسلاح الجو الملكي ، عُرف عنه صرامة العلم ودقة التحليل وأمانة الكلمة .

​فراسة الراصد وقصة لقاء الملك :

​تتجلى دقة العلم وفراسة الخبير في مواقف لا تُنسى من تاريخنا الوطني المجيد ؛ فقد رُويت قصة بالغة الدلالة عن الراحل الكبير حين كان الراحل الباني الملك الحسين بن طلال ( طيب الله ثراه ) يترقب زيارة بابا الفاتيكان في مطار ماركا ، وكانت الأحوال الجوية في حينها غير مواتية والضباب الكثيف يلف مدرجات المطار . وحرصاً من جلالته على سلامة الضيف الكبير ، استشار عن إمكانية تغيير هبوط الطائرة إلى مطار آخر ، ولدى سؤال الدكتور عبندة عن الحالة الجوية وموعد انجليائها ، طمأن عبندة جلالة الملك بكل ثقة وعلم أن الضباب سينقشع خلال نصف ساعة تماماً . وبالفعل ، وبينما كانت الأجواء لا تبشر بالخير ، انقشع الضباب في الموعد المحدد لتهبط طائرة البابا بسلام ، ويبقى عبندة صانعاً لتلك الحكاية الوطنية الخالدة التي تروى مع إطلالة كل شتاء .

​بين أصالة الماضي وسطحية الحاضر :

​وإذا ما قارنا بين ذلك الزمن الجميل وحاضرنا اليوم ، نجد أننا نفتقد وبشدة تلك الهامة العلمية السامقة . ففي زمن الدكتور علي عبنده ، كانت المعلومة تُستقى من عالمٍ متعمق يعيش تفاصيل الطقس ويفهم لغة السماء والرياح ، فكان يخاطب المزارع في حقله ببساطة الواثق ، ويخاطب المثقف بلغة العلم الرصينة ، فصارت كلمته بمثابة قرار وطني لا يحتاج إلى تشكيك . أما اليوم ، فنرى في كثير من الأحيان بعض مقدمي النشرات الجوية ممن يفتقرون إلى العمق الأكاديمي والخبرة الحقيقية ، فيكأنهم – كما يقول المثل الشعبي الدارج – " حافظين ومش فاهمين " ؛ يعتمدون على قراءة الشاشات والقوالب الجاهزة دون إدراك لروح الأنواء أو القدرة على استقراء لغة الطبيعة بصدقية ودفء إنساني يلامس قلوب المشاهدين كما كان يفعل الدكتور علي عبنده .

​رحيل الجسد وبقاء دفء الذكرى :

​ترجل الدكتور علي عبنده عن صهوة الحياة في عام 2006 م ، لكنه ترك في قلوب الأردنيين دفئاً لا يبرح يتردد مع كل هطول للمطر وصوت للمزاريب . لقد بقي في وجداننا ذلك الصوت الأردني القيم الذي ما زالت الأجيال تحفظه برائحة المطر والخير ، وصار ذكره مقروناً بتلك العبارة الشعبية الدافئة التي كانت ترتسم على شفاه الناس فور رؤيته : ( أثلجت ) . لقد كان حقاً رمزاً خالداً لزمن الطيبة والصدق والرجال الأوفياء الذين بنوا مؤسسات الوطن بدموع الإخلاص و"حبر" العلم النافع .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  ) حجازي ، حازم علي . " إضاءات وتوثيق لقصص وتاريخ الأرصاد الجوية الأردنية وقصة زيارة بابا الفاتيكان " . صفحة الأستاذ حازم علي حجازي على موقع التواصل الاجتماعي ( فيسبوك ) .
  3. ​2  ) الملكاوي ، إبراهيم . إضاءات توثيقية وذكريات وجدانية حول سيرة الراحل الكبير الأستاذ علي عبندة ومديرية الأرصاد الجوية .
  4. ​3  ) عبنده ، علي . " الفلك والأنواء في التراث العربي " . دار الماوية ، عمان .
  5. ​4  ) عبنده ، علي . " الأرصاد الجوية " . منشورات دائرة الأرصاد الجوية الأردنية ، عمان .
  6. ​5  ) أرشيف التلفزيون الأردني ودائرة الأرصاد الجوية . توثيق محطات التطور الإداري والعلمي للأرصاد في الأردن .