يتناول المقال السيرة البطولية للشهيد الرائد الطيار فراس العجلوني ، معرجاً على نشأته العسكرية ومعاركه الجوية الخالدة واستشهاده دفاعاً عن الأردن وفلسطين .

شهيد الجو وبطل حزيران : الرائد الطيار فراس العجلوني

​بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تظل سيرة الشهيد الرائد الطيار فراس العجلوني ( 1936 - 1967 م ) أسطورة خافقة في سماء الوطن ، ونموذجاً يُحتذى في البسالة والشهامة والتضحية بالروح دفاعاً عن ثرى الأردن وفلسطين والأمة العربية . فقد كان أحد ضباط الجيش العربي الأردني البواسل الذين قضوا في مواجهة العدو الصهيوني ، وأحد الأبطال الذين يمثلون عنواناً ناصعاً من عناوين البطولة والشهامة الوطنية الأردنية .

​البيانات التوثيقية والنشأة والأسرة :

​ينتمي الشهيد إلى أسرة أردنية عريقة نذرت أبناءها لخدمة الوطن والتثوير ضد الاستعمار وأعداء الأمة . وكان والده المرحوم اللواء محمد علي العجلوني من كبار رجالات الجيش العربي الأردني الأوفياء ونائباً في البرلمان الأردني ، وله أربعة إخوة هم : زهير ، ومازن ، وعصام ، ويزن .

​وفي حياته الأسرية والخاصة ، ارتبط الشهيد فراس العجلوني بعقد قرانه عام 1964 م ، وأسس أسرة كريمة رزق فيها بطفلين هما : حازم و معن . وقد ترك خلفه هذه الأسرة الصغيرة وهو في زهرة شبابه لم يكمل الحادية والثلاثين من عمره ، مقدماً واجب الوطن والذود عن حياضه على كل متاع زائل .

​وتتلخص بياناته العسكرية والتوثيقية فيما يلي :

​الاسم : فراس محمد علي العجلوني .

​الرتبة العسكرية : رائد طيار ( قائد سرب طائرات الهوكر هنتر ) .

​الرقم التسلسلي : 493 .

​البلدة الأصلية : بلدة عنجرة / محافظة عجلون .

​مكان وتاريخ الاستشهاد : معسكر وحدته في قاعدة المفرق الجوية ( قاعدة الملك حسين الجوية ) بتاريخ 5 حزيران 1967 م .

​نشأ فراس في هذه البيئة الوطنية العسكرية الأصيلة ، وبعد أن أنهى دراسته الثانوية عام 1954 م ، التحق بسلاح الجو الملكي الأردني ليكون طياراً مقاتلاً . تلقى تدريباته العسكرية الأولية في الأردن ثم أُرسل إلى بريطانيا في عدة دورات تدريبية متقدمة أظهر خلالها كفاءة وانضباطاً عالياً ، وتدرج في مناصبه العسكرية حتى أصبح برتبة رائد وقائداً لسرب طائرات الهوكر هنتر ، كما تدرب على قيادة طائرات ( إف 104 ) المتقدمة .

​المعارك الجوية وبطولات السلاح :

​استطاع القائد فراس العجلوني بمهاراته القتالية العظيمة أن يخوض المعارك الجوية دفاعاً عن الوطن :

​1 ) معركة الخليل والسموع :

خاض العجلوني أولى معاركه الجوية عندما تصدت طائرات ( الهوكر هنتر ) التابعة لسلاح الجو الملكي الأردني لطائرات ( الميراج ) الإسرائيلية ، حيث وقعت خسائر كبيرة في صفوف العدو لصالح الجيش الأردني . وتقديراً لشجاعته وبطولته ، قلده المغفور له الملك الحسين بن طلال وسام الإقدام العسكري هو وزميله الشهيد الطيار بدر الدين ظاظا . كما شارك في معركة السموع الخالدة عام 1966 م التي شهدت اشتباكات عنيفة بين طائرات الهوكر هنتر وميراج العدو ، والتي قدم فيها الأردن كوكبة من الشهداء الأبرار من بينهم الطيار موفق السلطي وواحد وعشرون شهيداً أردنياً .

​2 ) حرب حزيران 1967 م وقصف العمق الإسرائيلي :

مع اندلاع حرب حزيران عام 1967 م ( حرب الأيام الستة ) ، بلى العجلوني بلاء حسناً وقاد تشكيله الجوي في صبيحة يوم 5 حزيران لاقتحام أجواء العدو وضرب مطاراته العسكرية في العمق ( مثل مطار اللد ومطار سيركين ومواقع عسكرية أخرى ) ، حيث دمر مع رفاقه عدداً كبيراً من طائرات العدو ومدرجاته في غارة خاطفة ، ليكون أول طيار عربي يدمر أهدافاً في العمق الإسرائيلي ويصل بسرب طائراته فوق تل أبيب .

​3 ) ملحمة الصمود والاستشهاد :

أثناء عودته إلى قاعدة الملك حسين الجوية بالمفرق للتزود بالوقود والذخيرة بعد تنفيذه المهمة بنجاح ، تعرضت قاعدته لقصف جوي مكثف ومباغت من أسراب طائرات العدو . ورغم خطورة الموقف والدمار الذي أحدثه القصف الإسرائيلي في مدرج المطار ، رفض العجلوني الاحتماء أو إرسال غيره ، وأصر بشجاعة على ركوب طائرته والإقلاع لمواجهة طائرات العدو . واستطاع وحده الإقلاع والهبوط عدة مرات للتبديل والاشتباك في الجو ، وسط صمود بطولي لرفاقه الطيارين الذين جهزوا له طائرته في كل مرة .

​وفي المرة الأخيرة ، وتحديداً أثناء استعداده للإقلاع مجدداً على مدرج المطار المتضرر ، استهدفته طائرات العدو بقذيفة مباشرة في طائرته ، ليرتقي شهيداً شامخاً في طائرته على أرض معسكر وحدته في الخامس من حزيران عام 1967 م .

​مأثرة الطيارين الأردنيين في قاعدة ( هـ 3 ) العراقية :

​عقب استشهاد قائدهم البطل وتدمير المطار ، تمكن الطيارون الأردنيون الباقون من الانتقال براً إلى القاعدة الجوية العراقية ( هاء 3 ) الرابضة على الحدود الأردنية العراقية . وفور وصولهم ، وفرت لهم القوات الجوية العراقية عدداً كافياً من طائرات الهوكر هنتر . وفي هجوم جوي إسرائيلي على القاعدة العراقية ، تمكن الطيارون الأردنيون ببراعة واقتدار من الانتقام لقائدهم وإسقاط 9 طائرات إسرائيلية من طرازات مختلفة .

​التكريم والذاكرة الوطنية :

​تخليداً لسيرة هذا النسر الأردني البار الذي صدق ما عاهد الله عليه ونذر نفسه فداء لتراب الوطن ، حظي الشهيد بتكريم رفيع على المستوى الوطني :

​سمي ميدان رئيسي باسمه في العاصمة عمّان ( ميدان فراس العجلوني / جبل الحسين ) .

​سمي شارع رئيسي باسمه في مدينة إربد .

​سميت مدرسة باسمه في العاصمة عمّان .

​أُنشئ " مطل طائرة الشهيد العجلوني " في مسقط رأسه بمحافظة عجلون ليصبح معلماً وطنياً وسياحياً .

​صدر عنه كتاب للأطفال في عمّان بعنوان " أسد فوق حيفا " ، كتبته الكاتبة الفلسطينية روضة فهيم محمد الفرخ ، وصدر عن دار كندة عام 1986 م ليخلد بطولته في ذاكرة الأجيال .

​لقد سطر الشهيد الرائد الطيار فراس العجلوني أروع البطولات في الدفاع عن وطنه وأمته ، وتحقق له شرف الشهادة الخالدة ، ليبقى اسمه وسام شرف وفخار في سجل رجالات الأردن والجيش العربي المصطفوي . رحمة الله عليه والخلود لشهداء الوطن .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  ) جريدة الرأي الأردنية : تقرير توثيقي بعنوان " الشهيد الطيار فراس العجلوني " ، منشورات المؤسسة الصحفية الأردنية .
  3. ​2  ) جريدة الدستور الأردنية : مقال " فراس العجلوني ... نسر أردني قصف العمق الإسرائيلي واقتحم مطار اللد " .
  4. ​3  ) دائرة المكتبة الوطنية الأردنية : قسم الوثائق الخاصة / مديرية الوثائق والتوثيق ، المقتنيات التوثيقية لسيرة الشهيد فراس العجلوني .
  5. ​4  ) روضة فهيم محمد الفرخ : كتاب " أسد فوق حيفا " ( سيرة توثيقية للأطفال والناشئة ) ، دار كندة للنشر ، عمّان ، 1986 م .
  6. ​5  ) سلاح الجو الملكي الأردني : السجل العسكري والتاريخي لشهداء سلاح الجو الملكي - القوات المسلحة الأردنية ( الجيش العربي ) .
  7. ​6  ) القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية : كتاب " تاريخ القوات المسلحة الأردنية : الجيش العربي في حرب 1967 م " ، مديرية التوجيه المعنوي ، عمّان .
  8. ​7  ) موسوعة التاريخ العسكري الأردني : توثيق معارك سلاح الجو الملكي الأردني في حرب حزيران ومعركة السموع ، مركز الدراسات والبحوث العسكرية ، عمّان .