يتناول المقال السيرة الذاتية والعلمية للمؤرخ الأردني سليمان الموسى ، معرجاً على نشأته العصامية ومسيرته في توثيق تاريخ الأردن والثورة العربية الكبرى .
المؤرخ الأردني سليمان الموسى : حافظ الذاكرة الأردنية وقلم التأريخ الوطني
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
شكل المؤرخ والباحث الأردني الكبير سليمان الموسى ( 1919 - 2008 م ) علامة فارقة وركناً أساسياً في سجل التأريخ الأردني والمنطقة العربية . فقد كان أحد المؤرخين الرواد الذين استطاعوا ، بفضل الاعتماد المباشر على النفس والاتباع الصارم لمنهج علمي رصين ، إرساء القواعد الأولى للتأريخ السياسي والاجتماعي والثقافي للأردن . وجاء مشروعه العلمي التوثيقي في مرحلة تاريخية تشابكت فيها خطوط ومسارات كثيرة ، وغاب أو غُيّب فيها الكثير من الحقائق والمفاصل التاريخية المؤثرة ، حيث كُتب تاريخ المنطقة لزمن طويل من وجهة نظر واحدة كانت من نصيب المتحكم الخارجي أو الطامع في السيطرة ، دون أن يتمكن العرب من كتابة تاريخهم الحديث بجهود ذاتية أصيلة ، باستثناء محاولات نادرة وقليلة التأثير اعتمدت غالباً على المصادر الأجنبية دون تمحيص كافٍ أو محاكمة علمية رصينة . من هنا برز سليمان الموسى لسد الفراغ والكتابة الأصيلة في تاريخ الأردن والحجاز منذ أواسط القرن التاسع عشر ، حتى عُدت كتبه ومؤلفاته مراجع أساسية لكل دارس أو مهتم بهذا المجال .
النشأة والتعلم وشظف العيش :
عايش سليمان الموسى ظروفاً معيشية قاسية تقاطعت مع أوضاع السواد الأعظم من الأهالي في إمارة شرق الأردن ، الذين عانوا في البلدات والبوادي من شظف العيش وقسوة الحياة وهم يحاولون زحزحة ثقل إرث أربعة قرون من الإهمال وغياب التنمية . ولد الموسى في الحادي عشر من حزيران عام 1919 م في قرية الرفيد الواقعة شمال مدينة إربد والمطلة على حوض نهر اليرموك ، وجاءت ولادته في لحظة تاريخية حارة كانت البلاد العربية تخرج فيها من السيطرة العثمانية حالمة بالحرية والاستقلال بعد نجاح الثورة العربية الكبرى ، في وقت كان الغرب المتربص يضمر فيه غير ما يظهر .
كان والده مزارعاً بسيطاً يربي عدداً من الأبقار . وقرية الرفيد ، التي تتبع زعامة عشيرة العبيدات ، ضمت عدداً من العائلات المسيحية كانت عائلة الموسى أبرزها وأكبرها عدداً . وقد عانت أسرته من صعوبات العيش وقلة الموارد وغياب كامل للخدمات في القرية ، لكنها جاهدت من أجل تحصيل القوت اليومي كما هو حال أبناء القرى من الفلاحين البسطاء .
ينتسب سليمان الموسى إلى عائلة مسيحية عريقة في المنطقة ، حيث أشار هو نفسه إلى أن عائلته قدمت أصلاً من بلدة ( دير القمر ) في لبنان ، وأقامت في عكا حوالي عام 1760 م في عهد حكم أحمد باشا الجزار ، ثم رحلت إلى قرية ( عوْلَم ) الواقعة بين بيسان والناصرة . ولأسباب عديدة منها غياب الأمن وفقدانهم لأراضيهم الزراعية بوضع اليد من قبل نازحين جزائريين ، ارتحلوا إلى قرية ( المخيبة ) على نهر اليرموك ، ومنها انتقلوا إلى قرية ( الرفيد ) وأقاموا فيها .
تعلم والده القراءة والكتابة على يد أحد المعلمين المرسلين إلى القرية من قبل دير الروم ، فتعلق بالقراءة لدرجة أنه كان يستعير الكتب من شيخ يقيم في بلدة ( حرثا ) المجاورة كان قد جلب معه مجموعة قيمة من الكتب خلال دراسته في الأزهر الشريف بالقاهرة ، وكان والده يستعيرها مقابل مبلغ من المال رغم ضيق ذات اليد حينها . فتعلم الموسى محبة القراءة وتقدير الكتب منذ صغره ، وكانت هذه البيئة المحدودة هي التي فجرت وعيه المبكر بأهمية العلم والمعرفة .
المسيرة التعليمية المبكرة والعصامية :
بدأ سليمان الموسى مشواره التعليمي الصعب بالتحاقه بالكتّاب الموجود في القرية ، والذي كان يعلم فيه الشيخ نمر إمام المسجد ، وضم طلاباً مسلمين ومسيحيين من أبناء القرية ، فتعلم فيه القراءة والكتابة والحساب وحفظ عدداً من سور القرآن الكريم .
خلال هذه المرحلة المبكرة ، تعرض الموسى لضربة قاسية بوفاة والده فجأة وهو في سن السادسة من عمره ، فكان على والدته التي ترملت وهي شابة أن تواجه مصاعب الحياة وتعمل في الأرض في مختلف المواسم لتؤمن لابنها وابنتها القوت اليومي ، حيث رفضت عروض الزواج من أجل أولادها . ولم يترك لهم والده غير دينار مجيدي واحد وسلة تحتوي عدداً من الكتب ، عدها سليمان الكنز الحقيقي الذي وضعه على الطريق الصحيح .
قدرت والدته أهمية التعليم ، فألحقته بمدرسة الطائفة في القرية حيث درس فيها جزءاً من المرحلة الابتدائية لمدة ثلاث سنوات . ونظراً لعدم تيسر إرساله إلى مدرسة خارج القرية حينها ، جاهدت والدته لمنحه فرصة مواصلة دراسته فأرسلته إلى المدرسة الحكومية في الحصن ، فاضطر للإقامة عند أنسباء العائلة لعدم توفر وسائل المواصلات المناسبة في تلك المرحلة . وتمكن من إنهاء المرحلة الابتدائية عام 1934 م .
حالت الظروف المادية الصعبة دون إكماله للدراسة الثانوية في مدينة إربد ، فعاد إلى قريته وعُين بعد فترة معلماً في مدرسة الدير وكان حينها في السادسة عشرة من العمر ، يدرس طلاباً في سنه وبعضهم أكبر منه . وبدأت اهتماماته الثقافية بالظهور بشغفه الكبير بالقراءة ونسخ الكتب التي تعجبه مستغلاً ما تقع عليه يده منها ، خاصة أن قرية الرفيد كانت فقيرة ثقافياً بلا مكتبات ولا مثقفين ، بل إن الأمية وصلت فيها إلى 99% من السكان وفق ما ذكر الموسى نفسه . وكان خلال العطل الصيفية يعمل في حصد العدس والشعير ودرس المحصول على البيدر .
التنقل العصامي وبدايات الكتابة والنشر :
قرر سليمان الموسى ترك قريته والبحث عن بيئة ثقافية وعلمية أكثر غنى ، فسافر إلى مدينة حيفا حيث كان أبناء عمومته يعملون هناك ، وعمل في محل تجاري لبيع الجلود . ثم عاد إلى قريته لمتابعة التدريس ، غير أنه لم يطل المقام فيها وقرر العودة إلى حيفا للعمل في المحل التجاري ذاته .
بعد أيام غادر حيفا متوجهاً إلى مدينة يافا التي كانت الحياة الثقافية فيها مزدهرة بوجود المكتبات وانتشار الصحف والمجلات . هناك أقبل على القراءة بنهم ، وتعلم اللغة الإنجليزية بنفسه بعد أن كان لا يعرف منها إلا الأساسيات ، فأتقنها قراءة وكتابة . وتمكن خلال هذه الفترة من نشر بعض كتاباته الأدبية في الشعر والنثر في صحف ومجلات مثل ( صوت الرأي العام ) و ( صوت الشعب ) و ( الحقيقة ) و ( جريدة فلسطين ) .
عاد الموسى إلى الرفيد بعد ثلاثة أعوام ، ثم انتقل إلى عمّان محاولاً نشر أول كتبه في التاريخ وهو ( الحسين بن علي والثورة العربية الكبرى ) . ولعدم توفقه في إيجاد عمل بعمّان ، عُين مدرساً في مدرسة خاصة بالحصن عام 1939 م . وبعد عام واحد قرر مغادرة مهنة التعليم ، وعمل محاسباً في محل تجاري بإربد ، وكتب رواية بعنوان ( الذكرى ) عام 1941 م .
تزوج عام 1943 م من السيدة جورجيت نصير في الناصرة . ثم عمل كاتباً لضبط الوقت في مشاريع الحفر الخاصة بالبريطانيين ، وتنقل بين إربد والمفرق . واستمرت إقامته في المفرق خمسة عشر عاماً ، كان خلالها يعمل ويقرأ بنهم في الأدب والتاريخ والفلسفة ، ويواصل نشر القصص والمقالات في الصحف المحلية والعربية .
العمل المؤسسي والإعلامي :
انتقل الموسى إلى عمّان وعُين في الإذاعة الأردنية عام 1957 م ، لكن هذه الوظيفة لم تمنحه الوقت الكافي للقراءة والكتابة . فأنقل عام 1958 م إلى دائرة المطبوعات والنشر ، حيث أشرف على إصدار مجلة ( رسالة الأردن ) وأمضى في الدائرة خمسة عشر عاماً .
كما عمل مستشاراً ثقافياً في وزارة الإعلام ، ووزارة الثقافة والشباب ، ومستشاراً ثقافياً لأمين عمّان الكبرى عام 1984 م . وترأس خلال مشواره الطويل تحرير عدد من المجلات الثقافية والموضوعية المهمة ، منها مجلة ( رسالة الأردن ) ومجلة ( أفكار ) الصادرة عن وزارة الثقافة . كما أسهم بفاعلية في اللجان الوطنية والتاريخية مثل " لجنة تاريخ الأردن " ومؤسسة آل البيت لبحوث الحضارة الإسلامية .
المشروع التاريخي والإنجاز العلمي والأدبي :
التزم سليمان الموسى في منهجه التاريخي بمقولة أرسطو الشهيرة : " على المؤرخ أن يكون قاضياً لا محامياً " ، فاعتمد المنهج العلمي الصارم القائم على تدوين وثائق الأردن ، والبحث عن الوثائق الأصلية ، والمراسلات الرسمية ، والمقابلات الشفهية مع رجالات الرعيل الأول .
ومن أبرز مؤلفاته ومشاريعه العلمية :
1 ) رد الرواية العربية مقابل الغرب ( لورنس والعرب ) :
أحدث الموسى أصداء عالمية واسعة حين أصدر عام 1966 م كتابه الشهير " ت . إ . لورنس : وجهة نظر عربية " ( والمشهور بـ لورنس العرب ) . جاء هذا الكتاب كأول رد علمي وتوثيقي عربي على كتاب لورنس " أعمدة الحكمة السبعة " والمغالطات الغربية التي بالغت في دور لورنس وتجاهلت دور القيادات والشعوب العربية . تُرجم هذا الكتاب إلى لغات أجنبية حية منها الإنجليزية والفرنسية واليابانية ، ونال شهرة عربية وعالمية واسعة .
2 ) التأريخ للتأسيس والدولة الأردنية :
عد كتابه " تاريخ الأردن في القرن العشرين " ( بالاشتراك مع منيب الماضي ) مرجعاً أساسياً في دراسة تاريخ الأردن . ومن أمهات كتبه في هذا المجال :
" تأسيس الإمارة الأردنية 1921 - 1925 م " .
" إمارة شرقي الأردن : نشأتها وتطورها في ربع قرن " .
" تاريخ الأردن السياسي المعاصر 1967 - 1995 م " .
3 ) توثيق الثورة العربية الكبرى والنضال الوطني :
اهتم بتدوين تاريخ الثورة العربية الكبرى ونضال الجيش العربي عبر عدة كتب توثيقية منها :
" الحسين بن علي والثورة العربية الكبرى " ( كتبه عام 1939 م وطُبع عام 1957 م ) .
" أيام لا تُنسى : الأردن في حرب 1948 م " .
" صور من البطولة " .
" المراسلات التاريخية وثائق الثورة العربية الكبرى " .
" مذكرات الأمير زيد : الحرب في الأردن " .
4 ) أدب السيرة والتراجم والترجمة :
اهتم بأدب السيرة والتراجم لرجال السياسة والفكر ، مثل كتابه " أعلام من الأردن " و " وجوه وملامح : صور شخصية لبعض رجال السياسة والقلم " . كما أصدر سيرته الذاتية في كتابين هما : " ثمانون : رحلة الأيام والأعوام " و " خطوات على الطريق : سيرة قلم " ، إلى جانب ترجمته لعدد من المؤلفات الغربية مثل كتاب " آثار الأردن " للانكستر هاردنج .
التكريم والجوائز :
حظي سليمان الموسى خلال حياته بالتكريم والتقدير على أرفع المستويات الوطنية والعربية نظير عطائه المتميز وانتمائه العميق للوطن وتاريخه :
منحه المغفور له الملك الحسين بن طلال وسام الاستقلال من الدرجة الأولى عام 1971 م .
منحه جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين وسام الاستقلال عام 2002 م ، و وسام الحسين للعطاء المميز من الدرجة الأولى .
حاز على جائزة الملك عبد الله الأول للبحث في الحضارة الإسلامية ( عام 1988 م ) عن كتابه : " إمارة شرقي الأردن : نشأتها وتطورها في ربع قرن " .
نال جائزة الدولة التشجيعية عام 1990 م ، و وسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب .
وبعد وفاته ، أطلقت أمانة عمّان الكبرى اسمه عام 2009 م على مكتبة مركز الحسين الثقافي لتصبح " مكتبة سليمان الموسى المتخصصة بتاريخ الأردن " ، لتكون مركزاً بحثياً لخدمة الدارسين والباحثين .
الوفاة والإرث :
توفي المؤرخ الكبير سليمان الموسى في الثامن من شهر حزيران عام 2008 م في عمّان عن عمر يناهز تسعة وثمانين عاماً ، بعد رحلة حافلة بالعطاء والتميز والغيرة على الأردن وتاريخه ومكتسبات قادته وريادة رجالاته .
رحل الموسى بعد أن أثرى المكتبة العربية بأكثر من خمسين مؤلفاً ومرجعاً توثيقياً ، وسيبقى سطراً ذهبياً ناصعاً في سجل رجالات الوطن الأوفياء ، وأصحاب المنجز اللافت والأثر الباقي ، وظل بحق " حافظ الذاكرة الأردنية وقلم التأريخ الوطني " .

قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) موقع الجزيرة نت ( Al Jazeera Net ) : لاديسلاو جوزيف بيرو ... الصحفي الذي قادته مهنته لاختراع قلم الحبر الجاف .
- 2 ) جريدة الجزيرة السعودية ( Al-Jazirah Newspaper ) : مقال متى عرف القلم والحبر للكاتب محمد عبد الرزاق القشعمي .
- 3 ) موقع شبكة العربية ( Al Arabiya Net ) : إليك قصة قلم الحبر الجاف .. صحفي وراء اختراعه .
- 4 ) موقع الحوار المتمدن ( Ahewar ) : صناعة الأقلام الحبر والرصاص في العالم قديماً وحديثاً .
- 5 ) موقع إغزيكتيف بينز دايركت ( Executive Pens Direct ) : تاريخ الأقلام وتطور قلم الحبر الجاف .
- 6 ) موقع دي سبرينغ بينز ( Dayspring Pens ) : متى تم اختراع قلم الحبر السائل .. تاريخ موجز .
- 7 ) موقع مون بلان ( Montblanc ) : المقارنة والفرق ال

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.