يمثل قصر عين السل ( قصر الباشا ) نموذجاً معمارياً أموياً فريداً يجمع بين الضياعة الزراعية الاستثمارية ومحطات الاستجمام وخدمة القوافل في البادية الأردنية .
قصر عين السل ( قصر الباشا ) : جوهرة معمارية أموية على تخوم البادية الأردنية
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
مقدمة تاريخية وجغرافية :
تشكل البادية الأردنية مسرحاً رحباً للعديد من الشواهد الحضارية التي تعكس عظمة العصور الإسلامية المبكرة ، ولا سيما العصر الأموي الذي ترك بصمات واضحة متمثلة في القصور الصحراوية المنتشرة كالعقود اللؤلؤية في شرق الأردن وجنوبه . وتعد محافظة الزرقاء حاضنة كبرى لعشرات المعالم السياحية والأثرية العريقة التي تتوزع في حضن البادية والطبيعة المتاخمة لواحة الأزرق التاريخية . ومن أبرز هذه المعالم التي تقع في منأى عن صخب المدن الكبرى ، يبرز قصر عين السل – والمعروف محلياً وشعبياً باسم " قصر الباشا " – ليمثل نموذجاً فذاً للعمارة الوظيفية والملكية الأموية التي تلاحم فيها العمران مع الطبيعة الصحراوية المتاخمة لمنطقة الأزرق .
دوافع ومواسم بناء القصور الأموية في البادية :
لم يكن اختيار خلفاء بني أمية وأمرائهم للبادية الأردنية مقراً لتشييد قصورهم محض مصادفة ، بل جاء لدوافع سياسية واقتصادية واجتماعية متكاملة ، تتلخص في :
الاستجمام والهروب من ضغوط الحكم : الابتعاد عن صخب العاصمة دمشق واكتظاظها السكاني والسياسي طلباً للراحة والسكينة .
مواسم الإجازات والاستجمام : كان الخلفاء يختارون أواخر الخريف ، وفصل الشتاء ، وأوائل الربيع لقضاء أوقاتهم في البادية ، نظراً لاعتدال مناخها ودفئها مقارنة ببرودة دمشق ، ولانتعاش الحياة الفطرية واكتساء البادية بالخضرة والماء .
ممارسة هواية الصيد والفروسية : استغلال موسم الشتاء والربيع لتنظيم رحلات الصيد الكبرى في الواحات وتدريب الجوارح .
التنشئة العربية والروابط السياسية : إرسال أبنائهم للبادية لتعلّم الفصاحة واللغة العربية الأصيلة ، وتوثيق الروابط والتحالفات مع القبائل العربية الموالية للحكم الأموي .
الاستثمار الزراعي وخدمة القوافل : بناء ضياع زراعية واستثمارية ، وتوفير محطات استراحة ومؤن للحجاج والمسافرين عبر طرق التجارة الشامية .
أصل التسميات ودلالاتها اللغوية والشعبية :
تختزن التسميات المحلية لهذا الموقع الأثري أبعاداً بيئية وتاريخية تجسد طبيعة البادية الأردنية وتاريخها الشفاهي :
معنى " عين السل " : تعود التسمية الأصلية للموقع إلى وجود نبع ماء ( عين ) غزير كان يجري بالقرب من القصر . وكلمة " السل " في اللسان العربي والدارجة البدوية تشير إلى المسيل المائي الصغير أو الشعيب الذي تسيل فيه المياه ببطء وانسياب من الوديان والتلال المجاورة نحو الواحة ، وهو وصف دقيق للبيئة المائية الغنية التي تميزت بها منطقة الأزرق قديماً وتدفقت فيها عيون الماء .
سبب التسمية بـ " قصر الباشا " ومن هو الباشا : أُطلق اسم " قصر الباشا " في الذاكرة الشعبية لأهالي المنطقة وسكان البادية خلال الفترة العثمانية وبدايات القرن العشرين . وترتبط هذه التسمية باللقب الرسمي العسكري " الباشا " الذي كان يُمنح لكبار القادة والمسؤولين والولاة العثمانيين الذين اتخذوا من واحة الأزرق ومحيط القصر مقراً لإقامتهم أو محطة إدارية وعسكرية لمتابعة شؤون البادية الأردنية وتنظيم خطوط التجارة وقوافل الحجاج . كما ارتبط اللقب في الذاكرة المحلية اللاحقة ببعض شيوخ وقادة المنطقة الإداريين الذين استقروا في جوار الموقع الأثري فنسبه الأهالي إليهم تعظيماً ومكانة .
الموقع الجغرافي والاستراتيجي :
يقع قصر عين السل في محافظة الزرقاء بالأردن ، وعلى مسافة تقدر بنحو 1.75 إلى 2 كيلومتر إلى الشمال الشرق من قلعة الأزرق التاريخية . وقد اختير موقعه بعناية فائقة ليكون قريباً من مصادر المياه والواحات الطبيعية التي طالما شكلت محطة استراتيجية للقوافل والرحالة وخطوط التجارة القديمة ، فضلاً عن كون المنطقة حاضنة تاريخية تعاقبت عليها حضارات متعددة بدءاً من عصور ما قبل التاريخ مروراً بالفترات الرومانية والبيزنطية وصولاً إلى ذروة الازدهار والعمران في العصر الأموي خلال القرن الثامن الميلادي .
التخطيط المعماري والهندسي للقصر :
يعتبر قصر عين السل تحفة هندسية مصغرة تعكس فن البناء الأموي المتقن ، وتتضح معالمه الدقيقة من خلال العناصر الآتية :
1 ) البناء الرئيسي والساحة المركزية :
يأخذ القصر شكلاً مربعاً متناسقاً يبلغ طول ضلعه الرئيس حوالي 17 متراً ( وتبلغ مساحة البناء دون حساب ملحقات الحمام نحو 17.60 × 7.70 متراً ) . شُيد البناء بالكامل مستخدماً الكتل الحجرية البازلتية السوداء المنتشرة في بيئة البادية الشرقية ، وحُشيت الجدران من الداخل بمواد صلبة بلغت سماكتها نحو 1.40 متر لضمان المتانة والعزل الحراري ، مع ملاحظة أن الجدران أُقيمت مباشرة فوق سطح الأرض دون أساسات عميقة ظاهرة .
يقع مدخل القصر في منتصف الجدار الشرقي ، ويبلغ عرضه حوالي 1.64 متر ، وما زالت آثار حلق الباب ظاهرة ، وينتهي ببوابة ارتفاعها نحو 1.80 متر وعرضها 1.87 متر تفتح على ساحة فضائية وسطى . وتتوزع حول هذه الساحة سبع غرف سكنية أو إدارية تفتح أبوابها نحو الفناء الداخلي باستثناء غرفة واحدة ، وقد تميزت الممرات الفاصلة بين الغرف بوجود أقواس هندسية متقنة لدعم الأسقف ، بينما غُطيت الأرضيات بطبقات سميكة من الجص الأبيض والمقوّى ، وكشفت بعض الأجزاء المدمرة من الأرضيات عن وجود قنوات فخارية مخفية أسفلها لتصريف المياه .
2 ) ملحق الحمام والنظام الحراري الأموي :
بمحاذاة الجدار الغربي للبناء الرئيسي ، يبرز جناح الحمام الذي يثبت اهتمام الأمويين بمظاهر النظافة والرفاهية المعمارية وعدم اقتصارها على القصور الكبرى فحسب . يتكون الحمام من عدة أقسام تقليدية متسلسلة من الشمال إلى الجنوب ( تضم ثلاث أو أربع غرف ) ، وهي خالية من الرسوم الجدارية والفسيفساء على عكس قصير عمرة ، إلا أن أهميتها تكمن في تفاصيلها المعمارية الهندسية ، حيث يُدخل إلى الغرفة الباردة عبر ممر ضيق عرضه حوالي 0.78 متر ، ويوجد في زاويتها الجنوبية الغربية خزان ماء ( مساحته نحو 0.85 × 1.75 متر ) ، وفي منتصف جدارها الشرقي كوة محاطة بقوس بني من الحجارة الجبرية ترتفع عن الأرض نحو 0.30 متر . أما الغرف الحارة والدافئة فقد اعتمدت على نظام التدفئة تحت الأرض ( الهيبوكاوست ) عبر صفوف من أعمدة الطوب والدعامات الحجرية البازلتية التي تدعم ألواحاً حجرية بازلتية تسمح بمرور الهواء الساخن والبخار تحت الأرضيات .
الأهمية الأثرية والاكتشافات التاريخية والنقوش :
شهد القصر جهوداً بحثية وتنقيبية بارزة ، كان من أهمها الحفريات والتنظيفات الأثرية التي قادها العالم الأثري الراحل د . غازي بيشة من دائرة الآثار العامة عام 1984 م . وقد كشفت هذه الأعمال عن تفاصيل دقيقة للبنية التحتية للقصر وأنظمة الصرف وقنوات المياه الفخارية .
ومن أبرز الاكتشافات التاريخية والفريدة في الموقع :
دلالة وجود معاصر الزيتون والأفران : تحمل المكتشفات الأثرية في الغرف الوسطى للقصر ( كبقايا المعاصر والأفران ) دلالة تاريخية واقتصادية بالغة الأهمية ، إذ تؤكد بشكل قاطع أن قصر عين السل لم يكن مجرد منتجع ناءٍ للإقامة المؤقتة أو الصيد ، بل كان عبارة عن ضياعة زراعية واستثمارية أموية متكاملة ( الضياع الملكية ) ، تُستغل في معالجة المنتجات الزراعية وتجهيز المؤن وتأمين الطعام لسكانه والقوافل المارة ، مما يعكس استراتيجية الأمويين في إحياء الأرض الموات وتنمية اقتصاد البادية .
النقش اللاتيني والحجر الميلي البازلتي : العثور على حجر ميلي بازلتي أُعيد استخدامه كجزء من عمود داخل معصرة الزيتون في الغرفة الوسطى ، ويحمل نقشاً لاتينياً يتكون من خمسة أسطر ( السطر الأول والأخير مكسوران ) وبمحيط بلغ 70 سم . يرجح المؤرخون والباحثون ( مثل كيندي ) أن تاريخ هذا النقش يعود إلى فترة الإمبراطور الروماني سيفيروس ( أو فترة الحاكمين كركلا وجيتا ) ، حيث يظهر في النقش جزء من المسافة واسم الحاكم المسؤول . ويُعتقد أن هذا الحجر أُحضر خصيصاً من أحد الطرق الرومانية المجاورة لاستخدامه في البناء ، ويشير الطمس الواضح للأسماء في النقش إلى الممارسات التاريخية الشائعة لطمس أسماء الحكام الذين اقترنت عهودهم بالأفعال السيئة بعد وفاتهم .
الدلالة التاريخية والحضارية :
يؤكد قصر عين السل ( قصر الباشا ) أن محافظة الزرقاء ومنطقة الأزرق لم تكونا مجرد حصون عسكرية مقفرة ، بل كانتا بيئة حيوية معمورة بالنشاط الزراعي والعمراني والإداري في العصر الأموي . لقد مثلت هذه القصور الصغيرة ضياعاً زراعية ومحطات استجمام وإدارة للأمراء والخلفاء والأثرياء الأمويين ، ونقاط ربط وثيقة بين حواضر الشام والعمق الصحراوي للجزيرة العربية .
يظل قصر عين السل صامداً برغم عوادي الزمن وطبيعة الصحراء القاسية ، شاهداً حياً على عبقرية المعمار الإسلامي المبكر في تطويع البيئة القاسية لخدمة الإنسان ، ودعوة قائمة لحماية هذا التراث العريق في محافظة الزرقاء وإدراجه ضمن المسارات السياحية والأثرية التي تستقطب الباحثين وعشاق التاريخ والأصالة في الأردن الحبيب .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) بيشة ، غازي . " التقرير الأولي عن حفريات قصر عين السل في الأزرق 1984 م " . حولية دائرة الآثار العامة الأردنية ، المجلد 29 ، 1985 م .
- 2 ) جريدة الرأي الأردنية . " الزرقاء تزخر بعشرات المواقع السياحية والأثرية " . المقالات المحلية والأثرية ، 1 تموز 2007 م .
- 3 ) الموسوعة الحرة ( ويكيبيديا ) . " قصر عين السل " . توثيق المعالم الأثرية الأموية في البادية الأردنية .
- 4 ) كيندي ، ديفيد . " الشرق الروماني والقصور الصحراوية في الأردن " . دراسات في تاريخ وآثار الأردن ، عمان .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.